تحاليلليبيا

ليبيا: كيف يُفاقم تأخر التوافق حول خارطة طريق انتخابية ديون البلد رغم ثرواته الهائلة؟

علي عبداللطيف اللافي كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية  

             أعلن المبعوث الأممي إلى ليبيا “عبدالله باتيلي عن عدم إمكانية عقد اللقاء المرتقب بين رئيسي مجلسي النواب والدولة “عقيلة صالح” و”خالد المشريفي مدينة الزنتان (أي أقصى غرب البلاد)، لـ”أسباب لوجستية خارجة عن إرادة البعثة الأممية والحادثة/التأجيل تعبر عن تأخر مستمر في الوصول الى حلول سياسية (وبالأحرى مسكنات حلول في ظل الوضع الدولي والاقليمي الراهن)، ولكن الكارثة الأكبر في ظل الصراع القائم منذ 2014 ليست تأجيل لقاء سياسي بل هي في التفاقم المستمر لديون بلد غني بثرواته وساحله وموانئه الاستراتيجية وموقعه الفريد على المتوسط وحدوده مع منطقة الساحل الافريقي، والسؤال اليوم تحديدا: كيف تترابط المسارات الأربع في ليبيا ( الدستوري السياسي الاقتصادي العسكري) ومعلوم أن تعثر أي منها وخاصة المسار التنفيذي/السياسي قد يفاقم تلك الديون الى درجات غير متوقعة وكارثية وهو ما يجعل البلد في مرمى الأزمات خلال السنوات القادمة ويجعله في نفس مربع دول غرب ووسط افريقيا  رغم فوارق الثروات بينه وبين تلك البلدان؟        

** حكومتين وتعطيل مستمر للتوافق بين المجلسين التشريعيين والخيار الثالث متعطل باستمرار

1- أولا، الاشكال في ليبيا أن كل الأطراف تضع مصالحها وعلاقاتها مع القوى الدولية فوق كل اعتبار  رغم أن الليبيين ملوا وسئموا الصراعات والتجاذبات ورغم الوصول الى توافقات أولية وحلول في المسارين الاقتصادي/الاجتماعي والعسكري/الأمني بناء على معادلة توازن الضعف محليا وإقليميا ودوليا،فان لا حلول في المسار التنفيذي راهنا ولا حتى في أفق نهاية السنة الحالية، بل وهناك تعطل في المسار وتأجيل للمسار الدستوري أيضا حيث أن حكومة موازية في الشرق مجددا (غير معترف بها دوليا وفقدت موضوعيا حتى حلفائها) له تبعات في التوافق الموجود وغير المجسد والمنتهي بين المجلسين التشريعيين
2- ثانيا، أبدى المبعوث الأممي “باتيلي في بيان نشرته البعثة الأممية على موقعها الرسمي، ليل السبت(03-12-2022) سعادته باتفاق رئيسي المجلسين على “عقد اجتماع تحت رعاية الأمم المتحدة في مدينة الزنتان في 4 ديسمبر/ كانون الأول”، مشيراً إلى أنّ هدف اللقاء تفعيل عملية تفضي إلى إجراء الانتخابات، بما في ذلك استكمال الإطار الدستوري، وحثّ باتيلي مجلسي النواب والدولة على الاتفاق على مكان وموعد “مقبولين للطرفين” لعقد اجتماعهما، مشدداً على ضرورة أن يخرج الاجتماع بـ”مقترحات ملموسة وقابلة للتنفيذ وذات أطر زمنية محددة لإيجاد مخرج توافقي” من أزمة البلاد، ودعا باتيلي أيضاً جميع المؤسسات الليبية، بما فيها مجالس النواب والدولة والرئاسي إلى “الدخول في حوارٍ سعياً إلى إيجاد حل وتسريع الجهود الجارية”، مؤكداً أنّ “شعب ليبيا يستحق الفرصة للإدلاء بصوته واختيار قادة المستقبل”.

3- ثالثا، كانت مصادر إعلامية لييبة قد رجّحت في وقت سابق من يوم السبت الماضي تأجيل اللقاء المقرر بينصالح والمشري يوم الأحد في مدينة الزنتان، بعد سلسلة لقاءات جرت بينهما على مدار الأيام الماضية في القاهرة، برعاية الأمم المتحدة، ووفقاً لذات المصادر، فإنّ التأجيل على علاقة بخلافات بين قوى في الزنتان بعد أن رفض بعضها أن تستضيف المدينة اللقاء وأن مسؤولي بلدية الزنتان أبلغوا باتيلي الذي يشرف على اللقاء بين الرجلين، بأنّ مطار المدينة سيكون جاهزاً لاستقبالهما نهاية الأسبوع الجاري، وأشارت المصادر إلى أنّ الزنتان تشهد عدة وساطات اجتماعية لإقناع القوى المحلية في الزنتان بالأهمية السياسية للقاء، إلا أنّ بيان باتيلي الأخير يُشير إلى فشل تلك الوساطات.

4- رابعا، بدأ صالح والمشري لقاءات في القاهرة منذ الإثنين قبل الماضي (28 نوفمبر الماضي)، وهو ما أكده عضو مجلس النواب وعضو اللجنة الدستورية المشتركة الهادي الصغير” (القريب من “عقيلة صالح”) والذي كشف عن المحاور الثلاثة الرئيسية للقاءات، وهي “المناصب السيادية، وتوحيد شامل للسلطة التنفيذية، وملف القاعدة الدستورية”، مرجحاً احتمالية أن “تسير المفاوضات نحو تشكيل حكومة جديدة”، ولم تعلن القاهرة عن استضافتها اللقاء بشكل رسمي، فيما لم يعلن صالح والمشري عن نتائجه وكانت مصادر مقربة من المجلسين قد كشفت أول أمس الأحد في مدينة الزنتان (أقصى غرب ليبيا) للمضي في إتمام النقاش في الملفات الثلاثة، وأشارت نفس المصادر السابقة إلى أنّ بعض القوى في الزنتان والمؤيدة لحكومة الوحدة الوطنية ترفض استضافة اللقاء في المدينة والذي كان من المنتظر أن يعلن انطلاق مسار توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، وبدء العمل على تعيين شاغلين جدد للمناصب السيادية بالإضافة لدعوة اللجنة الدستورية المشتركة من المجلسين لمواصلة اجتماعاتها بشأن الإطار الدستوري للانتخابات، لا سيما مع إشارة المصادر إلى تقارب كبير بين الرئيسين حول تشكيل مجلس رئاسي جديد وحكومة مصغرة مكونة من عناصر التكنوقراط المهنيين لقيادة البلاد نحو الانتخابات في مدة محددة لا تزيد عن ستة أشهر.

** تفاقم الديون أو في تأزيم المأزم في بلد ثرواته لا حدود لها  

1- أولا، ليبيا بلد الثروات بكل المعايير وفي كل الاتجاهات وهو أمر تثبته الدراسات المختصة والأرقام الأممية والدولية يعرفه القاصي والداني وهو ما يبرر تنامي صراع النفوذ حوله بين فرنسا وإيطاليا من جهة وبين المحورين الإقليميين السابقين وأيضا بين بكين واشنطن من جهة وبين هذه الأخيرة وموسكو من جهة ثانية وبين ايران والخليجيين أيضاولكن تبعات الصراع منذ 2014 جعلت امر الديون وتفاقمها يستفحل وهو ما قد يعيد العقرب للخلف في المسار الاقتصادي/الاجتماعي بعد تجاوزها وهو أيضا قد يترتب عليه العودة للنقطة الصفر في المسار العسكري/الأمني والذي بني التوافق فيه على فشل وهزيمة قوات الجنرال المتقاعد خليفة بلقاسم حفتر في حربه على العاصمة سنة 2019 وهزائمه المتكررة في مدن الساحل الغربي للبلد في ماي 2020 (بل أن قُواته متهمة حاليا بجرائم حرب كانت نتيجتها الطبيعية زيارة رئيس محكمة الجينات الدولية لليبيا أخيرا ومقابلته للجنرال “حفتر” نفسه والذي طُلب منه التعاون في تسليم بعض قيادات قواته حسب بعض أطراف ليبية في تصريحاتها الأخيرة اضافة إلى أنه هو نفسه يحاكم امام محكمة في مدينة فرجينيا الأمريكية وذلك له استتباع على ما يسمى بـــــــحفتر مشروع” بعد نهاية طموحات حفترالشخص وخاصة في لعب أي أدوار سياسية مستقبلية)….                

2- ثانيا، حسب لغة الأرقام بلغت الديون الليبية مستويات عالية وسط تزايد المخاوف من قفزات جديدة، خلال الفترة المقبلة، بسبب زيادة الإنفاق الحكومي واستمرار الانقسامات السياسية والمالية التي تكبّد البلاد خسائر باهظة، وقال محافظ مصرف ليبيا المركزي “الصديق الكبير مطلع الشهر الجاري إن الدين العام المحلي بلغ 155 مليار دينار (34.5 مليار دولار)، وكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة قال في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي إن ديون البلاد تجاوزت 100 مليار دينار (نحو 22 مليار دولار)، ويأتي ذلك وسط تحذيرات محللي اقتصاد ومال من تفاقم الدين العام، مطالبين بضرورة وضع آلية لسداده تجنباً لعواقبه على السلامة المالية العامة في المدى القصير.

3- ثالثا، لغة الأرقام تؤكد أنه يشترط أن تكون نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل من 60%، ولكن واقعيا وحسب المختصين فإن ارتفاع الدين العام أكبر من تلك النسبة وهو طبعا ما سيعود بالسلب على مصداقية وفعالية السياسة النقدية إذ ينطوي على مخاطر تتطلب إجراء إصلاحات مالية عاجلة، وعمليا فان السياسة المالية الليبية ستفقد مرونتها، بالإضافة إلى تفاقم أعباء الدين العام التي ينجم عنها زيادة العبء الضريبي، ومخاطر ذلك على الاستثمار والاستهلاك والتنمية الاقتصادية بشكل عام، وقد أرجع بعض المحللين الماليين ارتفاع الدين العام إلى محصلة العجز المتراكم في الميزانية العامة، وبعضهم أكد أن هناك بوادر تؤكد على استمرار زيادة الديون وخاصة مع مطالبة حكومة الموازية في شرق البلاد بأموال للصرف، كما أن ديوان المحاسبة الحكومي أكد عبر تقريره السنوي 2021 أن الدين العام لحكومات غرب البلاد بلغ 84 مليار دينار، وبالنسبة للحكومات الموازية شرق البلاد بلغ 69 مليار دينار.

4- رابعا، رغم وجود مصرف مركزي مواز في الشرق، يسيطر البنك المركزي في طرابلس التابع لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، على إيرادات النفط التي تحول له من المؤسسة الوطنية للنفط عبر المصرف الليبي الخارجي وتمثل الجانب الأكبر من دخل البلاد، ومعلوم لكل المتابعين أن الاقتصاد الليبي يعاني ومنذ سنوات طويلة من أزمات خانقة، إذ تفوق معدلات البطالة 18%، ومعدل التضخم 5.2%، بحسب أحدث البيانات الرسمية.، كما تواجه البلاد مشاكل مالية عاصفة أثرت على القطاع المصرفي إذ حذرت هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا في تقرير سابق من تآكل أرصدة 3 مصارف حكومية متخصصة، وهي “مصرف الادخار والاستثمار العقاري” و”مصرف التنمية” و”المصرف الزراعي”، وذلك لتراكم الخسائر المالية السابقة من دون انتهاج سياسات فاعلة لتقليل الخسائر وترشيد الإنفاق، ويعتمد الاقتصاد الليبي على القطاع النفطي اعتماداً كلياً في تسيير النشاط الاقتصادي، إذ يشكل حوالي 68% من هيكل الناتج المحلي الإجمالي، وتساهم صادراته بما لا يقل عن 96% من إجمالي الصادرات الكلية للبلاد، كما أنّ إيراداته تساهم بتمويل ما يقارب 90% من إجمالي الإيرادات العامة، وأعلن مصرف ليبيا المركزي أنّ الإيرادات النفطية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام وصلت إلى 18.5 مليار دولار، مع تحقيق فائض مالي بقيمة 4.5 مليارات دولار بين المصروفات والإيرادات، وفائض بميزان المدفوعات بـ600 مليون دولار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق