المغربتحاليل

هل يؤشر تعيين سفر جديد تغييرا في سياسات فرنسا مع المملكة المغربية؟

تزامنا مع زيارة واشنطن واختيار رجل الاستثمارات والاقتصاد

منية الوافي – كاتبة صحفية ومختصة في العلاقات الفرنسية الافريقية

رغم أن سياسات باريس لا تسطر في العادة بناء على التكتيكات والمصالح الفرنسية السياسية المباشرة بقدر ما ترتبط استراتيجيا برؤية وحسابات الدولة العميقة الفرنسية في كل الإقليم القريب والمرتبط بمستعمراتها السابقة، ولكن ذلك لا يُغيب أن هناك بحث فرنسي منذ أكثر من ثلاثة أشهر على تحسين العلاقات مع الرباط وهو ما عبر عنه الرئيس السابق هولاند وبعض نخب فرنسية في أكثر من مناسبة ولعل اعلان تعيين سفير جديدتزامنا مع زيارة “ماكرون” إلى واشنطن يهدف لإعادة الدفء إلى علاقات البلدين حتى أن ساكن الاليزيه نفسه قد تعلل بحاجة الحلفاء الماسّة إلى التنسيق وإعادة مزامنة أجندات سياساتهم فهل يؤشر تعيين الاقتصادي “كريستوف لوكورتييه” ومدير مؤسسة “بيزنيس فرانس” الحكومية والمقرب الاليزيه لتولي لمحاولة اختراق جبل الجليد بين البلدين من بوابة الاقتصاد الذي يبرع فيه السفير الجديد؟

  • قد يكون التقييم الفرنسي والخطوات التي جاءت بعده خلال الأسابيع الماضية قائم على أن المملكة المغربية ورغم استمرار الأزمة التي تشهدها علاقاتهامع فرنسا قد سارعت الى دعم وتنمية انفتاحها على الشركات العالمية من مختلف البلدان من منطلق تنويع الشركاء الدوليين، ومعلوم ان باريس تعلم وتعي أن المفتاح الأساسي للرباط هو التعامل معها من موقعها وأدوارها بالمنطقة والعالم، ومن ثم توصل الفعالون الرئيسيون في الاليزيه ومن ورائهم اباطرة الدولة العميقة أن الرباط لا تقبل بتاتا من يملى عليه ما يجب فعله خاصة وان شريك استراتيجي للولايات المتحدة وحليف مهم وجديد لمدريد ومضاف الى ذلك الوجود الاقتصادي المتنامي للصين في المغرب وكل تلك المعطيات دفعت في الأخير لاختيار وتحديد  مهمة”لوكورتييه” وهي مهمة محددة في تطوير التعاون الاقتصادي مع المغرب وكل ما يتعلق بالاستثمار في مجالات التكنولوجيا والطاقات المتجددة، والمطلوب من السفير الجديد حسب باريس أن يكون ناطقا باسم ماكرون طيلة ولايته، ويتعين عليه عدم الارتهان لأمزجة السوق وسياسات الابتزاز التي تنتهجها دول بعينها وقبل ذلك تشجيع الجهات الفاعلة في الفريق الفرنسي على العمل جنبًا إلى جنب مع الشركاء المغاربة ومن خلالهم الأفارقة…
  • فعليا تدهورت العلاقات بين الرباط وباريس منذ أشهر وتحولت إلى حرب باردة حقيقية ومستالسياسي والدبلوماسية والاقتصادي أيضا بل وحتى وسائل الإعلام، وتشير التطورات الأخيرة إلى عمق الأزمة بين البلدين، فالأزمة متشعبة الأسباب والدوافع، وليس آخرها تقليص عدد التأشيرات التي تمنحها للمغاربة، ضغوط باريس على الرباط للحفاظ على وضعها الاقتصادي والسياسي والأمني التفضيلي في المملكة وصلت في مراحل معينة إلى مرحلة كسر العظم، لكن دون جدوى، ويبدو أن الفرنسيين لعبوا كل أوراقهم، ووصلوا في النهاية إلى الاقتناع بأنهم فقدوا أرضية كبيرة أمام القوى الإقليمية مثل إسبانيا، والقوى الدولية مثل الصين والولايات المتحدة كما اشرنا الى ذلك في النقطة السابقة ورغم أنهم قاموا بتكتيكات في اتجاه بلدان أخرى الا أنهم اصطدموا بحقائق على الأرض وخاصة في ظل ما جرى ويجري في دول الساحل الافريقي والاستدارة الاوربية نحو القارة السمراء بحثا عن الامن الطاقي وخاصة الغاز ومن ثم عادوا الى أهمية الحفاظ على الحد الأدنى مع الرابط ولو من البوابة الاقتصادية والاستثمارية وبعد قناعتهم أن المملكة ماضي في بناء شراكات واسعة في كل مربعات الإقليم وابعاده…
  • يأتي اختيار السفير الجديد لمعالجة ما تراه فرنسا فشل شركاتها أمام الشركات الأجنبية في الفوز بمشاريع كبرى بالمغرب، مثل مشروع القطار فائق السرعة وميناء الداخلة والطرق السيارة،ومعلوم أن باريس لم تستوعبخلال السنتين الماضيتين أن أصحاب القرار المغربي يصيغون سياساتهم الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية بمنطق الانتصار للمصلحة العليا قبل أي شيء آخر خاصة وأن المفاضلة بين الشركات تأتي من ذلك المنطلق، وليس لحسابات تتعلق بامتيازات دأبت عليها شركات فرنسية بعينها لعقود طويلة دون الخضوع لمعادلة السوق والمناقصات والعروض، وتواجد السفير الفرنسي الجديد بالرباط لن يُغيرَ عقيدة مغربية تمت صياغتها لخدمة الاقتصاد المغربي بالدرجة الأولى، وهناك تقييمات مفادها أنه كما فشلت السفيرة السابقة “هيلين لوغال” في ذلك الأمر فإن مهمة خلفها لن تكون سهلة إلا إذا غيّر المنهجية وتعامل مع الواقع الذي يقول إن المغرب وضع قواعد سلوك يجب اتباعها.
  • الزاوية الأخرى من الصورة بينت أن تراكمات كثيرة دفعت المغرب إلى مقاومة ضغوط الفرنسيين الذين يريدون احتكار الامتيازات دون أن يقدموا الثمن،ومن المفترض أن تصبح سياسة الفرنسيين أكثر نضجا وفعالية مما كانت عليه سابقا، خصوصا بعدما كثفت باريس ضغوطها على المغرب إلى درجة تحولت فيها الأزمة الصامتة إلى أزمة واضحة وجلية تجسدت في تقارير وتحاليل وقراءات وسائل الإعلام الفرنسية الرسمية وغير الرسميةوالتييؤكد كل المتابعين والمحللين أنها تحولت إلى وقود يُزكي حملات غير مسبوقة ضد المغرب، وبالرغم من أن فرنسا وشركاتها تجاوزتهما الكثير من الأحداث والمتغيرات، إلا أن هناك خطة تتم تهيئتها من طرف المؤسسة التي يرأسها السفير الجديد إلى جانب وزارة الخارجية والتجارة هدفها الأساسي هو تعزيز تنافسية الشركات الفرنسية للاستحواذ على مشاريع بمليارات الدولارات، ومواجهة العدد المتزايد من الشركات الأجنبية التي نفذت بالفعل عمليات استحواذ في أوروبا وأفريقيا، والتعامل مع استراتيجيات الشركات الشرسة التي أضعفت تواجد الفرنسيين بالمغرب وأفريقيا، بسبب قصور في العملية الاستشرافية للإدارة الفرنسية.
  • العديد من المتابعين والمختصين في الشؤون المغاربية والفرنسية يركدون أن فرنسا شعرت بأنها على وشك خسارة منطقة نفوذ أخرى في شمال أفريقيا بعدما ضعفت سيطرتها على عدد من الدول الأفريقية، وبالتالي يراهن ماكرون على رؤية دقيقة يقدمها السفير الجديد لمناخ الأعمال بالمغرب وأفريقيا، تساعده على إعداد خطة عمل لمرحلة ما بعد الأزمة، والهدف تحسين تنسيق أعمال الشركات والحكومة بمشاركة المزيد من المعلومات لتكون أكثر استجابة وقدرة على تدارك ما فاتها، والسؤال، هل هذا الاختيار في محله خاصة بعدما شغل “لوكورتييه” منصب سفير فرنسا في أستراليا بين يوليو 2014 ويونيو 2017، وخلال هذا الوقت كان جزءًا من حملة لتأمين طلب لمجموعة “نافال” الفرنسية لصناعة السفن لبناء الجيل الجديد من الغواصات الأسترالية، لكن الصفقة تم إلغاؤها مؤخرا رغم أنه كان متابعا لتفاصيلها من موقعه كرئيس شركة “بيزنيس فرانس”، وبعض التقارير الفرنسية المختصة أكدت أنه يتعين على  “لوكورتييه” بوصفه مسؤولا عن تنمية الاستثمارات الدولية للشركات الفرنسية والترويج الاقتصادي لبلاده التمتع بقدرات دبلوماسية ومعرفة عميقة بالملفات التي سيعمل عليها داخل المغرب، وليس فقط البحث في إمكانية إنشاء أسواق جديدة، وهذا سيوفر الوقت والجهد والمناعة لمهمته، ويمنح الفرصة للمؤسسات الفرنسية التي كانت تكيد للمملكة لتعيد حساباتها على ضوء المتغيرات الجديدة…
  • الخلاصة أن تولي “لوكورتييه” مهامه في المغرب ليس في حد ذاته حدثا، ولا يمكن اعتباره تغييرا جذريا في الموقف الفرنسي من عدد من الملفات، ولكنه محاولة من ماكرون للنظر في المواضيع من وجهة نظر اقتصادية، وهذا لا يستقيم مع القاعدة التي رسمها العاهل المغربي الملك محمد السادس بأن الاستثمار في المغرب لا يمكن أن يتم دون شراكات في كل الاتجاهات بكل ابعادها وخاصة الدبلوماسية تحديدا بل أن الملك المغربي أكد في خطابيه الأخيرين على ان كل شريك حقيقي للمملكة عليه الاعتراف أولا بالسيادة المغربية على صحرائه حسب نصا الخطابينوذلك يعني أن المطلوب من القائمين على صناعة السياسات الفرنسية تقديم عرض جيد للرباط لتجاوز الأزمة، والسؤال هنا هل ستقدم باريس على تلك الخطوة ومن ثم ما راي الدولة العميقة الفرنسية خاصة وان هذه الأخيرة ترسم الآن كثير من الاستراتيجيات الجديدة بناء على قراءاتها لما يجري في غرب ووسط افريقيا ولتداعيات الحرب في أوكرانيا ولكثير من المتغيرات الجارية في المتوسط والشرق الأوسط؟…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق