المغربتحاليل

“باريس” والسعي الدؤوب لإعادة الود مع “الرباط”

خلود الطيب-كاتبة صحفية مختصة في الشؤون المغربية

يَظهر أن بعض الخطوات الفرنسية الأخيرة هي إعادة بحث فرنسي عن إعادة الودية لعلاقاتها مع المملكة المغربية، ووضاح أن باريستريد فعليا اخراج العلاقات من مربع التوترات التي وقعت فيها تلك العلاقات منذ مشكلة التأشيرات وما لحقاها من تراكمات وهو ما حدا مؤخرا بالكثير من النخب الفرنسية للتحذير من دفع ذلك التوتر الى أقصاه بل والتحذير من تداعيات ما قد يترب عليه، ومن ثم فان الساسة الفرنسيين يبحثون منذ اكثر من أسبوعين لإيجاد حل لتلك الأزمة شبه الصامتة التي يعيشونها مع المغرب منذ أشهر وهي الأزمة التي تقف وراءها عدة أسباب من بينها غموض الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية وإصرار فرنسا على سياسة خفض التأشيرات ويرى مراقبون أن تجاوز الأزمة يرتبط أساسا بمدى جاهزية فرنسا لتقديم تنازلات في أكثر من ملف، ويجيب تقرير/مقال الحال على سؤال مدى جدية الخطوات الفرنسية الأخيرة في غلق ملف التوتر مع شريك فرنسي

-أ- الثابت أن هناك خطوات فرنسية ملموسةلتجاوز الأزمة الصامتة مع المملكة المغربية وهي خطوات أتت بناء على تحذيرات نخب فرنسية عديدة وعلى رأسها وزراء في الحكومة الحالية إضافة الى الرئيس الفرنسي السابق “فرنسوا هولاند” ويضاف الى ذلك وجود تقييم فرنسي مفاده أن التوتر بين البلدين قد أثر عمليا على المصالح المشتركة إضافة الى وجود تسريبات عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بنفسه إلى الرباط وتعيين سفير جديد، بل أن بعض تقارير فرنسية تتحدث أنه تم تحديد شهر جانفي/يناير المقبل موعدا لزيارة الرئيس الفرنسي إلى المغرب، في حين لم يصدر أي تأكيد رسمي من السلطات المغربية حول تلك الزيارة، وفي سياق متصل نقل موقع “أفريكاإنتليجنس”المعروف بصدقيته ومصداقيته والمقرّب من دوائر اتخاذ القرار داخل قصر الإليزيه،معطيات وتقارير مفادهاأن باريس تحضّر لزيارة “ماكرون” إلى المغرب والتي يقال انها ستدوم يومين، مشيرة إلى أن الزيارة تم تحديدها خلال الاتصال الأخير غير المعلن الذي جمع العاهل المغربي الملك “محمد السادس” والرئيس الفرنسي، ولفت الموقع إلى أن “ماكرون” اتصل بالملك محمد السادس، حيث تطرق الجانبان إلى “سوء التفاهم الحاصل خلال الأسابيع الماضية…” وفقا لعبارات الموقع الفرنسي والذي اكد تقريره أن الرجلين تطرقا أيضا خلال المكالمة الهاتفيةوالتي استمرت 30 دقيقة حسب الموقع الفرنسي، إلى موضوع سفارتي البلدين اللتين بقيتا دون سفراء منذ شهر أكتوبر الماضي، وبحسب “أفريكاإنتليجنس” فقد أعرب “ماكرون” للملك محمد السادس عن رغبته في القيام بزيارة رسمية إلى المغرب، مضيفا أن العاهل المغربي تفاعل مع ذلك بشكل إيجابي وعبر عن ترحيبه بالرئيس الفرنسي واستعداده لاستقباله، وسبق للرئيس الفرنسي أن تحدث بشكل غير رسمي عن زيارة إلى المغرب لم تحدث في أكتوبر الماضي وذلك عبر فيديو تم التقاطه خلال خروجه من “مهرجان مدينة توكيه للموسيقى” غداة عودته من الجزائر حيث توقف للدردشة مع بعض المارة، والثابت فعليا إن زيارة ماكرون إلى المغرب كانت مقررة منذ مدة إلا أن توتر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين حال دون ذلك ودخلت هذه الزيارة في مسلسل من التأجيل، لذا فالزيارة المرتقبة في جانفي/يناير المقبل إذا تحققت، ستكون عنوان الانفراج في الأزمة المغربية – الفرنسية وخاصة بعد رسالة المملكة المزدوجة لتونس وباريس أثناء القمة 18 للمنظمة الفرنكوفونية، ولكن بعض المحللين المغربيين قالوا في قراءتهم أن ذلك متوقف بالدرجة الأولى على توضيح فرنسا لموقفها من السيادة المغربية على منطقة الصحراء، بعدما جعل المغرب الموقف من هذه القضية أساسا يقيّم به علاقاته الخارجية، وبناء عليه يحدد الصداقات وحدود الشراكات مع الدول الصديقة التي تربطه بها علاقات دبلوماسية، ومعلوم أن الملك محمد السادس قد شدد، خلال خطاب بمناسبة ثورة الملك والشعب، على أن ملف الصحراء المغربية هو النظارة التي ينظر منها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس صدق الصداقات وفاعلية الشراكات.

-ب -مصادر فرنسية مطلعة نقلت أن وزيرة الخارجية الفرنسية “كاثرين كولونا” ستقوم برحلة إلى الرباط في منتصف شهر ديسمبر الجاري تمهيدا للزيارة وستلتقي خلال هذه الرحلة بوزير الخارجية “ناصر بوريطة” لترتيب الزيارة المرتقبة لماكرون والتي ثبت للجميع أنها أجلت أكثر من مرة، وهي الخطوة التي تأتي بعد مرور أيام على تصريحات ماكرون بخصوص أزمة التأشيرات حيث دافع عن قرار حكومة باريس بتقليصها بالنسبة إلى مواطني المغرب والجزائر وتونس للضغط عليها من أجل استقبال مواطنيها غير المرغوب فيهم، ومن مؤشرات الجمود في العلاقات بين البلدين توقف الزيارات الدبلوماسية المتبادلة بينهما منذ شهور، حيث تمت آخر زيارة لمسؤول فرنسي إلى المغرب في نوفمبر 2021، ويتعلق الأمر بالوزير المنتدب المكلف بشؤون التجارة الخارجية “فرانك رياستر”، وعمليا رشحت باريس “كريستوف لوكورتييه” كسفير جديد لها في الرباط وشغل الدبلوماسي الفرنسي مهمة سفير لباريس في أستراليا والبرازيل، ومعلوم أن منصب السفير ظل شاغرا منذ سبتمبر الماضي بعد إنهاء مهمة السفيرة السابقة “هيلين لوغال” التي غادرت منصبها في أوج الأزمة الصامتة التي شهدتها العلاقات المغربية – الفرنسية، والتي احتدت إثر انتهاج باريس سياسة تقليص التأشيرات والإصرار على إعادة المهاجرين المغاربة إلى بلدانهم– كما أشرنا الى ذلك أعلاه- والسفير المنتظر تعيينه من طرف الدبلوماسية الفرنسية سبق له أن شغل مناصب بمؤسسات حكومية اقتصادية متخصصة في دعم استثمارات الشركات الفرنسية ومساعدتها على تجاوز العراقيل التي تصادفها خارج فرنسا، ومنها مهمة مدير مؤسسة “بيزنيس فرانس” التي تتولى مهمة إدارة الاستثمارات الفرنسية في الخارج طبعا إضافة الى انه شغل منصب سفير في اكثر من بلد على غرار البرازيل وأستراليا كما اشرنا الى ذلك سابقا، ومما لا شك أن قصر الإليزيه وفي إطار التوجه إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الرباط، يستحضر أساسا المصالح الاقتصادية والمكاسب الممكنة للشركات الفرنسية المستثمرة أو التي ستستثمر بالمغرب، لذا اختار شخصية تتناسب مع ذلك التوجه للقيام بهذه المهمة، ومعلوم أن الأزمة الحالية بين البلدين أثرت سلبا على عدد من الشركات الفرنسية بالمغرب، حيث أعلن عدد منها مغادرته المغرب وسحب استثماراته من المملكة، بعد إيقاف التسهيلات والتعامل التفضيلي الذي كان يحظى به، وتمر العلاقات المغربية – الفرنسية بمرحلة برود شديد، احتد إثر اتهام المملكة باستخدام برنامج “بيغاسوس” للتجسس على هواتف شخصيات فرنسية بارزة في مقدمتها الرئيس إيمانويل ماكرون، زد على ذلك إقدام فرنسا على خفض التأشيرات الممنوحة للمغاربة، وعدم الحسم الفرنسي في تغيير موقفها من ملف الصحراء المغربية على غرار عواصم مثل مدريد وواشنطن وهي دول قالت في مواقفها الجديدة أنها تعترف بسيادة المغرب على صحرائه وفقا لصياغات مواقفها الجديدة في الموضوع…

-ت- الخلاصة أن باريس تبحث حاليا وبشكل حثيث عن الخروج من وضع التوتر ومربعاته مع المملكة وهو ما عبر عنه سابقا نائب رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي “فانساندولاهاي” والذي قال منذ شهر تقريبا أنه من الضروري إيجاد حلول للخروج من هذا الوضع وبسرعة، ومن ثم إيجاد طرق مقبولة للجميع، وتقييم “دولاهاي” ليس خاص به ذلك أن كثير من النخب الفرنسية لديها تقييم مفاده أن توتر العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وباريس لا يخدم مصالح الدولتين وأن تجاوز ذلك التوتر يعزز المصالح الاستراتيجية لكل منهما، إلا أن الأمر يحتاج إلى وضوح المواقف وتجاوز الخلافات الأخيرة التي عكرت صفو هذه العلاقات ذات الامتداد التاريخي ولكن ما لا يجب تغييبه أن البلدين يجب عليهما رفع الالتباس الغير مصرح به وهو اعتقاد باريس مثلا أن علاقات المغرب مع واشنطن وحتى مع تل أبيب قد تعني تحوله الى منافس له في مربعات “غرب” و”وسط” افريقيا لأن الثابت أن النفوذ الفرنسي أصلا هو في مربع تسابق صيني-روسي على وراثته بعد التطورات الحاصلة منذ سنتين في الساحل الافريقي، وفي الأخير يمكن الجزم أنه يمكن الحد من التوتر في العلاقة بين البلدين ولكن درجة ارجاعها الى مربع الإيجابية والتطوير مرتبط بذهنية وتخطيط وقراءات الدولة العميقة الفرنسية والتي لها حساباتها في كثير من الملفات في “شمال” والمغرب” و”وسط” افريقيا لان المغرب مثله مثل الجزائر صعب مستقبلا ان يقبل ان يكون دولة وظيفية لأي فاعل دولي لان البلدين (الجزائر والمغرب يبحثان موضوعيا عن الشراكات الكبرى وليس عن الأدوار الوظيفية في الإقليم) بكل مربعاته…

المصدر : الرأي العام 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق