تحاليلشؤون مغاربية

حول تعاطي الدول المغاربية مع القمة 18 للمنظمة الفرنكوفونية

أبو رسلان – كاتب ومحلل سياسي

اختلف تعاطي الدول المغاربية مع القمة 18 للفرنكوفونية فمن مقاطعة جزائرية والجزائر أصلا ليس عضوا في المنظمة الى رسالة المملكة المغربية والتي نزلت درجة تمثيلتها في رسالة لباريس وتونس الى تعاط غير واضح ولا بين لكل من “طرابلس” و”نواق الشط” بل هو تعاط لم يسلط عليه الاعلام التونسي والعربي والفرنكفوني الضوء أصلا، ويقدم تقرير/مقال الحال طبيعة التعاطي لكل دولة من الدول الخمس مع القمة الفرنكوفونية…

** تونس: البلد المضيف والبحث عن الاستثمارات وفك العزلة الدولية

طبيعي أن تكون تونس أكثر البلدان متعاقبة مع القمة باعتبارها البلد المضيف ورغم حدة الازمة السياسية وتعدد مظاهر الأزمة الاجتماعية والاقتصادية فقد حاول الرئيس سعيد وحكومته فك ثان للعزلة الدولية بعد وجود حل مع صندوق النقد الدولي، وطبيعي ان تكون للقمة تداعيات في تنامي الاستثمار الأجنبي ورغم الأخطاء التكتيكية للسلطة قبل واثناء القمة في إدارة ملفات حارقة ( العلاقة مع المعارضة – جرجيس – صفاقس – تواصل المحاكمات وعميات منع السفر) فان القمة عقدت بالحد الأدنى من الاشكاليات وحتى المعارضة لم تعمد الى اشكال احتجاجية بالتوازي مع القمة وانتظرت نهايتها لتبدأ من جديدة تحركاتها (وقفة المسرح البلدي مناصرة لأهالي جرجيس)

** الجزائر مقاطعة للقمة وللمنظمة وقطع مع خطوات بوتفليقة  

1- أولا، برغم مشاركة الرئيس التونسي “قيس سعيد” في القمة العربية فإن ذلك لم يكن كافيا لمشاركة الرئيس “تبون” في قمة الفرنكوفونية بتونس، ولو من باب المجاملة، وهو ما يؤكد وجود موقف رسمي حاسم من هذه المنظمة الدولية التي تقودها “فرنسا”
وكان غياب تبون عن قمة الفرنكفونية متوقعا، رغم أن البرلمان الفرنسي يصنف الجزائر ثالث دولة من حيث عدد الناطقين باللغة الفرنسية، بنحو ثلث السكان(وهي موضوعيا تقديرات مبالغ فيها وخاصة في غياب إحصاءات رسمية جزائرية) وهو ما يفسر إصرار فرنسا على ضم الجزائر لمنظمة الدول الفرنكوفونية لتعزيز نفوذها في العالم، وتأكيد أنها ما زالت قوة عظمى، رغم سقوط إمبراطورتيها الاستعمارية
وأحد مؤشرات غياب تبون عن قمة تونس، أن البيان الختام للقمة العربية بالجزائر التي عقدت في الأول والثاني من نوفمبر الجاري، لم يتضمن أي دعم لتونس لاحتضانها قمة الفرنكوفونية، على عكس دعمها لقمم وتظاهرات دولية في عدد من الدول العربية وهي: مصر وقطر والمغرب والإمارات والسعودية.
رغم أن منظمة الدول الفرنكوفونية تضم عدة دول عربية، على غرار تونس والمغرب وموريتانيا، ومصر ولبنان وحتى الإمارات، فإن ذلك لم يشفع لها للحصول على دعم في القمة العربية.

2- ثانيا،ما يرجح أن يكون للجزائر وعدد من الدول العربية دور في عدم دعم القمة العربية لتنظيم تونس للقمة الفرنكوفونيةفضلا عن توتر علاقات المغرب مع تونس في الفترة الأخيرة، وأيضا مع فرنسا، لذلك أحجمت الرباط عن دعم تنظيم تونس لقمة الفرنكوفونية، التي غابت عنها هي الأخرى.
تغير المناخ الدبلوماسي بين 2002 و2022، تغير الكثير في الجزائر، ما يفسر حرص بوتفليقة على المشاركة في قمة الفرنكوفونية، ولا مبالاة تبون، وتفضيل الذهاب إلى قطر للمشاركة في افتتاح المونديال بدل التوجه إلى جربة لحضور قمة الفرانكفونية.
ففي 2002، كانت الجزائر بالكاد خرجت من أزمتها الأمنية، وشبه حصار دبلوماسي مضروب عليها أوروبيا، وتشكيك فرنسي في شرعية الانتخابات الرئاسية في 1999 التي أوصلت بوتفليقة إلى الحكم، بعد انسحاب جميع منافسيه الستة من السباق الرئاسي لاعتقادهم بوجود تزوير، ووضع الجزائر حينها كان سيئا، وديونها بلغت نحو 26 مليار دولار، لذلك كانت مشاركتها في قمة منظمة الفرنكوفونية، لكسر الحصار الدبلوماسي الذي فرضته الدول الأوروبية على البلاد، أما الوضع في 2022 اختلف، فمديونية الجزائر شبه معدومة، وتحولت البلاد إلى محج للزعماء والمسؤولين الأوروبيين لحاجتهم للغاز الجزائري وتعويض الغاز الروسي، وعاد الميزان التجاري لتسجيل معدل إيجابي منذ 2021، ومن المتوقع أن يحقق فائضا بأكثر من 17 مليار دولار مع نهاية 2022، ما ساهم في رفع احتياطات المصرف من 42 مليار دولار في 2000، إلى أكثر من 54 مليار دولار متوقعة نهاية العام الجاري.

3- ثالثا، ومع استقرار الوضع الأمني والسياسي بعد استكمال تعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية، عزز ذلك من الموقف الدبلوماسي الجزائري أمام فرنسا، وجعلها تتعامل معها بندية أكثرفمشاركة الجزائر في قمة الفرنكوفونية لن تحقق لها أي مصلحة سياسية ذات أهمية، بل ستضر بصورة الحكومة شعبيا، وتتناقض مع توجهها العام للتخلص من نفوذ اللغة الفرنسية في البلادإذ تسعى الحكومة الحالية للتخلص تدريجيا من هيمنة اللغة الفرنسية، من خلال دعم تعليم اللغة الإنكليزية في المدارس الحكومية، كما بادرت بعض الوزارات باستعمال المراسلات الرسمية باللغة العربية بدل الفرنسية، وتم استعمال الإنكليزية إلى جانب العربية في إحدى الأوراق المالية من فئة 2000 دينار بدل العربية والفرنسية، ما يكرس التوجه نحو التخلص التدريجي من استعمال الفرنسية في الدوائر الحكومية.زيارة ماكرون لم تحل المشاكل العالقة توجه تبون إلى قطر في اليوم الذي بدأت فيه أشغال قمة الفرنكوفونية بتونس، تزامن أيضا مع تقارير صحفية تحدثت عن تجميد الجزائر مفاوضاتها مع فرنسا بشأن زيادة صادراتها من الغاز بنسبة 50 بالمئة.

4-رابعا، أنبنى التقييم الجزائري أيضا مشاركة الجزائر في قمة الفرنكوفونية لن تحقق لها أي مصلحة بل ستضر بصورة الحكومة شعبيا، وتتناقض مع توجهها العام للتخلص من نفوذ اللغة الفرنسية في البلاد، والأمر يتعلق هنا بتشدد باريس في ملف منح التأشيرات للجزائريين، مقابل ضغوطها على الجزائر لتسلُّم أبنائها المهاجرين غير النظاميين في فرنسا، فعلى هامش القمة الفرنكوفونية في تونس، قال ماكرون إن “قرار فرنسا تخفيض عدد التأشيرات الممنوحة للجزائر والمغرب إلى النصف بدأ يؤتي ثماره”.
بينما ترفض الجزائر ربط ملف التأشيرات بملف المهاجرين غير النظاميين.
إذ جرى مناقشة الملفين خلال زيارة ماكرون إلى الجزائر، وأيضا خلال لقاء رئيسة الحكومة الفرنسية إليزابيث بورن، بنظيرها الجزائري أيمن بن عبد الرحمان، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بالجزائر.وعدم حل ملف التأشيرات، وأيضا عدم التقدم في ملف الذاكرة بمختلف تشعباته، سببان آخران جعلا مشاركة الجزائر في قمة الفرنكوفونية أمرا مرفوضا، ما يعكس تراجعا للنفوذ الفرنسي في المنطقةوهذه الحقيقة أقر بها ماكرون، عندما أشار إلى أن “استخدام اللغة الفرنسية في شمال إفريقيا انخفض خلال العقود القليلة الماضية…”

** ليبيا وموريتانيا والمغرب، تعاطي ضعيف وباهت مع اختلاف المنطلقات

لا خلاف في أن التعاطي المغربي واللبي والموريتاني لم يكن كبيرا لا من حيث الموقف ولا الحضور ولا من حيث خلفياته التاريخية في العلاقة مع المنظمة الفرنكوفونية.

  • ليبيا:طبعا ليبيا ليست عضوا في المنظمة الفرنكوفونية وبالتالي لم تحضر للقمة باي شكل من الاشكال بناء على طبيعة ما يجري في ليبيا من صراعات ودقة المرحلة وخاصة بالنسبة لحكومة الوحدة الوطنية وهنا يمكن التذكير أن فرنسا ورغم تغيير السفير أخيرا فقد خسرت الكثير في ليبيا بين 2013 و2022 وخاصة بعد رهانها عن الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” والذي مول وسوعد لوجستيا من طرف الفرنسيين جويا وبريا وعبر المعطيات ولكل الوسائل دون ان يحقق أي هدف يذكر رغم تنسيق باريس مع القاهرة وابوظبي ورغم جيش المرتزقة التشاديين والسودانيين ولتنتقل باريس الى طرابلس أخيرا وتلتقي مع اهم الفاعلين فيها بعد تغيير السفيرة “بياتريس” بـــــــــ”مهراجي” فان باريس بقيت أسيرة لسياسة وزير خارجيتها السابق وهو نفس وزير الدفاع السابق والذي أبقى أوجد فهما عسكريا للملف الليبي، وفرنسا عقدت مؤتمري باريس1 و2 وأيضا لقاء دولي في موفمبر 2021 وهي على علاقة قوية مع نخبة فزان وتم الحديث أخيرا عن لقاء مع عشرة فاعلين منذ شهرين تقريبا ولا ينتزر مستقبلا حضورا في أي قمة فرنكوفونية لأي زعيم ليبي .
  • المغرب: كان الحضور المغربي في القمة 18 ضعيفا رغم أنها عضو في المنظمة وتم ذلك كرد فعل في اتجاهين الأول تجاه السلطة التونسية بقيادة قيس سعيد وخاصة بعد ما حدث من توتر في قمة تيكاد8 منذ أسابيع بل ان السفير المغربي لا يزال في الرباط وهو ما جعل المغرب يمثل بمديرة في الخارجية المغربية (لا الملك ولا وزير الخارجية ولا رئيس الحكومة) اما الرد الثاني فهو ضد باريس خاصة وان المملكة ردت سابقا بقوة على موضوع “التأشيرات”بل هي رفضت الطريقة والإجراءات ومعلوم أن العلاقة بين باريس والرباط هي في حالة توتر قصوى بناء على تراكم كمي لنقاط الخلاف وخاصة في ظل شعور فرنسي بان علاقات المملكة تنامت في غرب ووسط بل وحتى في شمال القارة على حسابهم وأنها أصبحت شريكا قويا لأطراف دولية في الإقليم ورغم دعوة نخب فرنسية لخفض التوتر مع الرباط الا أنه ليس هناك أي مؤشرات لخفض ذلك التوتر خلال الأشهر المقبلة…
  • موريتانيا، رغم ان البلد عضو في المنظمة منذ سبعينات القرن الماضي الا أن التعاطي الموريتاني لم يكن بارزا وعلاقات موريتانيا مع تونس بقيت ودية فمثلما كانت في مرحلة كل الرؤساء السابقين اما مع باريس فان الأمور ليست متوترة مثل الحال مع بقية دول الساحل والصحراء ولكن مستقبلا تبدو الأمور متحركة ومرتبطة بطبيعة تطور الأوضاع في “نواق الشط” وبعض المدن الموريتانيةواي من السيناريوهات مرجحة أكثر لان الوضع في البلدان الأربعة تكتيكية الملامح نتاج حدة الأزمات السياسية وتعدد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ومعلوم أن نظام ولد الغزواني يعيش مرحلة انتقالية وخاصة في ظل تحركات ولد عبدالعزيز سواء في باريس او غيرها من العواصم بل وفي الداخل الموريتاني…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق