المغربتحاليل

المملكة المغربية وديناميكية المشاريع الاستراتيجية

بعد دعوة الملك محمد السادس الى التسريع في وتيرة تطوير الطاقات المتجددة

خلود الطيب – كاتبة صحفية

خلال السنوات الماضية تبنى المغرب استراتيجية للطاقات المتجددة بهدف الوصول إلى الاستقلال الطاقي، ومن ثم العمل على الانتقال من بلد يستورد كل احتياجاته من النفط والغاز إلى بلد منتج للطاقة المتجددة، وذلك بالاستفادة من الطاقات “الريحية” والشمسية وطاقة التيارات البحرية وطبعا نجحت تلك الاستراتيجية في التجسيد في أولى خطواتها بناء على الاستقرار السياسي الذي عرفته منذ 2011 وحتى اليوم  إضافة الى تراكم الاستثمارات الأجنبية ففي نفس الفترة التي كانت دول عربية وافريقية تعرف حالة الاستقرار كانت المملكة تعرف مرحلة بناء وتطوير واستقبال للاستثمار الأجنبي بل وأصبحت موانئها ومدنها محل تنافس بين الشركاء الدوليين وحتى تلك الدول التي كانت لها خلافات مع المملكة سارعت الى التصالح معها بل والمبادرة الى إرساء شراكات معها ولعل تعدد الدول الافريقية التي جددت علاقاتها مع المغرب هو دليل وجود بنية قابل للشراكة الاقتصادية في مجالات التنمية والاستثمار في كل المجالات فما هي اسرار ديناميكية المشاريع الاستراتيجية في المملكة وما هي قبل ذلك حيثيات الدعوة الملكية الأخيرة؟

1- حيثيات الدعوة الملكية للتسريع في وتيرة تطوير الطاقات المتجددة

  • دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس مساء الثلاثاء (أي 23 نوفمبر الحالي) إلى تسريع وتيرة تطوير الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من أجل تعزيز سيادة المملكة في مجال الطاقة وتقليص كلفتها و”التموقع في الاقتصاد الخالي من الكربون في العقود القادمة” وأفاد بيان للديوان الملكي بأن العاهل المغربي ترأس الثلاثاء في قصره بالرباط جلسة عمل “خُصصت لتطوير الطاقات المتجددة والآفاق الجديدة في هذا المجال” وكذا “التثمين الأمثل لتنافسية المغرب من أجل استقطاب المزيد من الاستثمارات الوطنية والأجنبية في هذا القطاع..”،وأضاف البيان أن جلسة العمل هذه “تندرج في إطار التتبع المنتظم لصاحب الجلالة للأهداف الاستراتيجية التي حددتها المملكة في مجال تطوير الطاقات المتجددة على نطاق واسع، ولاسيما ما يتعلق برفع حصة هذه الطاقات إلى أزيد من 52 في المئة من المزيج الكهربائي الوطني في أفق 2030”.fu
  • الملك المغربي أوضح أيضا في نفس جلسة العمل -والمشار إليها أعلاه-أن تسريع وتيرة هذه الأعمال يتضمن بالأساس “إنجاز المشاريع الثلاثة للطاقة الشمسية نور – ميديلتوتحلية مياه البحر والقطاع الواعد للهيدروجين الأخضر واستخداماته…”، وكان المغرب قد أنشأ في ورزازات، جنوبي المملكة، واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، بتمويل أوروبي على مساحة 1.5 مليون متر مربع، ومعلوم أن قطاع الطاقة المتجددة في المغرب يشهد في السنوات الأخيرة تطورات جديدة ومتسارعة، تنوعت ما بين مشروعات قوية لتوفير مصادر نظيفة وآمنة للمواطنين، وقوانين لحماية وتحفيز تقدم هذه المشروعات والحفاظ عليها، وسبق للمركز الأميركي للسياسة الطاقية العالمية “سانتر أون غلوبال إنيرجي بوليسي” أن أكد أن المغرب يبرز اليوم كنموذج بالنسبة للبلدان الأخرى، وخاصة الأفريقية، لكونه يعمل على إدماج الطاقات المتجددة في سياساته وإستراتيجياته للتنمية.
  • يحتل المغرب المرتبة التاسعة عشرة عالميا في مؤشر جاذبية الدولة للطاقة المتجددة، إلى جانب الاقتصادات الكبرى، وفق ترتيب شركة الاستشارات “إيرنست أند يونغ…” وعرفت إمدادات الطاقة المتجددة في المغرب زيادة سنوية بنسبة 10 في المئة، لتصل إلى 19 في المئة من إجمالي سوق الطاقة، خلال العام الماضي، ويعد المغرب في وضع جيد للاستفادة من الطاقة الشمسية، مع ثلاثة آلاف ساعة من أشعة الشمس في السنة، في وقت يراهن فيه على توسيع نطاق مصادر الطاقة المتجددة إلى 52 في المئة من إجمالي إنتاجه من الطاقة بحلول عام 2030، عوض 20 في المئة حاليا، وذلك لتقليل الاعتماد على الواردات وخفض تكاليف الكهرباء، وكان لافتا التزام المغرب بتنويع مصادر طاقاته والدخول في سوق جديدة كالهيدروجين الأخضر الذي يستخلص من مياه البحر عبر تقنيات معقدة، ويعول عليه في تزويد أوروبا بالكهرباء، كما يتطلع إلى الاستحواذ على 4 في المئة من إنتاج هذه الطاقة على المستوى العالمي…

2- المملكة وديناميكية المشاريع الاستراتيجية

  • لا يختلف اثنان حول استنتاجين مهمين بالنسبة للمملكة أولهما ان التجاذب في الداخل المغربي ليس مربكا ولا منميا لأي أزمات اجتماعية وسياسية بل ان الاستقرار ورغم كل تداعيات ما يجري في اوكرانيا والخليج والشرق الأوسط هو السامة الأبرز، أما الاستنتاج الثاني فهو أن المملكة أصبحت سياساتها وخططها المرحلية مطبوعة بالديناميكية الاستراتيجية لا في الملفات الاستثمارية والاقتصادية فقط بل أيضا في مربعات الفكر والثقافة والتربية والشباب ولعل احتضان المغرب للمنتدى العالمي التاسع للأمم المتحدة لتحالف الحضارات بداية الأسبوع الحالي مثال دال ومعبر حيث احتضنت مدينة فاس (وهي العاصمة الروحية للمملكة) أشغال ذلك المنتدى وهي مسالة لها دلالات عميقة بل وتعكس قوة المغرب كنموذج ملهم للحوار والعيش المشترك، وقد عقد المنتدى هذا العام تحت شعار “نحو تحالف من أجل السلام.. لنتعايش جميعا كإنسانية واحدة”، بهدف تعزيز الحوار والتعاون بين مختلف المجتمعات والثقافات والحضارات، وذلك بمشاركة شخصيات دولية بارزة من بينها الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” وقد وجه العاهل المغربي الملك “محمد السادس” رسالة للمشاركين في هذا الملتقى العالمي المهم، حذر من خلالها من التحديات التي تواجهها الحضارة الإنسانية، ومن التهديدات التي باتت تعصف بالعيش المشترك، وقال الملك محمد السادس في نص رسالته التي تلاها المستشار الملكي “أندري أزولاي” إن “السياق الحالي يتسم بتزايد الأسباب والدوافع التي كانت وراء إنشاء تحالف الحضارات، فلم يسبق لحضارتنا أن كانت معرضة لمثل هذا الكم الهائل من المخاطر، ولم يسبق للعيش المشترك أن واجه مثل ما يواجهه اليوم من تهديدات بشكل يومي؛ ونادرا ما كان الآخر مثار ارتياب وشك مثلما هو اليوم، بل نادرا ما كان يستخدم كل سبب مفتعل لإثارة مشاعر الخوف والكراهية وتأجيجها كما هو الشأن اليوم…
  • الأمين العام للأمم المتحدةأشاد أنطونيو غوتيريش بالمساهمة الفعالة للمغرب في حفظ السلام في أفريقيا، وذلك خلال زيارته إلى الرباط ولقائه بالعاهل المغربي الملك محمد السادس، في موقف قال مراقبون إنه يأتي في وقت مهم بالنسبة إلى المغرب الذي يكسب يوما بعد يوم مواقف جديدة داعمة لدوره المهم إقليميا على جميع المستويات، ورأى بعض المتابعين والمراقيون أن موقف غوتيريش يؤكد صورة المغرب الحقيقية كما تراها الأطراف المؤثرة دوليا، بما في ذلك الأمم المتحدة؛ ذلك أن حضور المغرب في أفريقيا لا يتعلق بموضوع الصحراء فقط، بل توسع  ذلك الحضور بشكل جعل الرباط محورا اقتصاديا لتطوير غرب أفريقيا وربطها بأوروبا، ومعلوم أن المغرب أيضا دورا مؤثرا في الحفاظ على استقرار شمال أفريقيا، وهو شريك مساهم في أمن أوروبا من خلال الدور الذي يلعبه في ملف الهجرة، والحرب على الإرهاب، وهو ما تؤكده شهادات أوروبية وتقارير مختلفة، وأشاد “غوتيريش”بـ”المساهمة البنّاءة والمستمرة للمملكة في منطقة “شمال أفريقيا” في الحفاظ على السلام وتوطيده وتعزيز الاستقرار ودعم التنمية، لاسيما في جميع أنحاء أفريقيا…
  • ما يؤكد وجود نظرة وديناميكية وعقلية استباقية في رسم الاستراتيجيات المغربية أوروبيا وافريقيا هي طبيعة العلاقات المغربية مع الشركاء الغربيين (الولايات المتحدة – اسبانيا – المانيا…) وحتى العلاقة مع فرنسا فإنها تعالج بهدوء وروية وصبر مغربي لا نظير له، أما افريقيا فلعل مشروع الشراكة مع نيجيريا في مشروع أنبوب الغاز الذي يمتد لأوروبا هو مثال دال ومعبر على ديناميكية المملكة في رؤيتها للمشاريع المستقبلية مع دول القارة والتي تنامى عددها كميا وكيفيا في تطوير علاقتها بالمملكة ولعل توصيات مؤتمر طنجة الأخير وطبيعة رؤية أعضاء المنتدى كاف ودال بل ان الامر تجسد أيضا  وظهر أيضا في طبيعة الاتفاقيات الممضاة مع الجار الموريتاني  سواء تلك التي امضيت منذ سنوات أو التي تم إقرارها وامضاؤها أخيرا خاصة وأن موريتانيا قد تصبح الخليج2 حسب بعض الرؤى الاستشرافية وبناء على الاكتشافات الكبرى للغاز المعلن عنها أخيرا كما أن المملكة سبق وأن كانت سباقة في إدارة الملف الليبي منذ 2015 (اتفاق الصخيرات) ولاحقا من خلال لقاءات بوزنيقة الست (بين 2020 و2022)..                                                                                                                                                                                 المصدر 24/24 بتاريخ 25نوفمبر 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق