تحاليلليبيا

ليبيا :كيف سيتم الترجيح بين “بَقَاء الدبيبة”و”المُضي في “الخيار الثَالث”؟

بعد الإفادة الثانية للمبعوث الأممي أمام مجلس الأمن الدولي

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية

بالقياس على مقولة “كل الطرق تؤدي الى روما” وبناء على استقراء بسيط للتطورات في ليبيا وخاصة حراك المشاورات واللقاءات التي تمت منذ بداية أكتوبر الماضي مرورا بالقمة العربية (التي عقدت في الجزائر يومي 1 و2 نوفمبر الحالي) وصولا للإفادة الثانية للمبعوث الأممي أمام مجلس الأمن الثلاثاء الماضي(15 نوفمبر الحالي)، فإنه يُمكن الجزم أن كل الطرق تؤدي الى خارطة طريق توافقية وجامعة ومرتقبة في غضون شهر ونصف من الآن ومن ثم الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في منتصف سنة 2023 وطبعا حصل ذلك وسيحصل ذلك ضرورة بناء على توافق دولي في حده الأدنى وبحرص أمريكي غير مسبوق وبناء على معادلة توزان الضعف- أو توازن القوى – محليا وإقليميا (وهو ما لم يكن متوفرا بين سنتي 2015 و2020)، ورغم أن كل المسارات تتقدم نحو الحل فإنها جميعا ملغمة في حد أدنى بما يمكن لاحقا الدفع في اتجاه ارجحية أي من السيناريوهات الممكنة، إلا أن الثابت ان كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية تتجه نحو الحسم بين حلينلا ثالث لهما، وهما:

  • حل أول: الإبقاء على حكومة “الدبيبة” الحالية باعتبارها تُسيطر على العاصمة وعلى ثلاث ارباع الأراضي الليبية سياسيا (حتى ولو كانت الأراضي جغرافيا تحت سيطرة قوى لا تدين لها بالولاء).
  • حل ثان: الذهاب للخيار الثالث (أي لا “دبيبة” ولا “بشاغا”) وهو وان كان أفضل للجميع ويعني اجراء استحقاقات انتخابية بدون تقديم أثمان وتنازلات من قب ل هذا الطرف أو ذلك أو بقاء بعض أطراف خارج العملية الانتخابية وممهداتها الا أنه كحل يعتبر صعب التجسيد نتاج معادلة الأسماء وشروط كثيرة وجب توفرها في رئيس الحكومة (المسألة السياسية – البعد المناطقي/الجهوي – البعد التوافقي عليها محليا وإقليميا ودوليا)

ويُجيب مقال الحال حول مسألة حضور مشاغل أطراف ومكونات الساحة الليبية في إفادة المبعوث الاممي الأخيرة ورؤية طرفي الصراع للدور الأممي ورؤيتهما للأفضلية بين الحلين المذكورين أعلاه…

** إفادة المبعوث الأممي وترحيب “الدبيبة” بمضمونها 

1- أولا،ثمن رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا “عبدالحميد الدبيبة”حرص المبعوث الأممي “عبدالله باتيلي” في إحاطته أمام مجلس الأمن، على أهمية “إنهاء المراحل الانتقالية عبر الانتخابات، لتجنيب البلاد أي اضطرابات، وإشادته بتمارين محاكاة تأمين الانتخابات التي أجرتها حكومة الوحدة الوطنية قبل أيام”، وقال “الدبيبة” عبر حسابه على “تويتر”، “إنني أضم صوتي لما ذكره باتيلي بأن ما تقوم به بعض المؤسسات لتعطيل الانتخابات يعد خطرا على مستقبلنا…”، واعتبر “الدبيية” أن ‏انخفاض عدد النازحين بنسبة 57 بالمئة وتحسن الوضع الأمني والعسكري الذي أشار إليه المبعوث الأممي في إحاطته مقارنة بعام 2020 “أمور تعزز ما أكده من أهمية دعم جهود الاستقرار وتشجيع التنمية، وعودة الحياة إلى ليبيا”.

2- ثانيا، معلوم أن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا”عبد الله باتيلي” قد قدم الثلاثاء (15-11-2022) إحاطته الثانية أمام مجلس الامن الدولي وتحدث فيها عن مواجهة ليبيا أزمة شديدة تتعلق بالشرعية، معتبرا أن استعادة الشرعية أمر “بالغ الأهمية”، وقال: “إن آمال الليبيين في نيل السلام والاستقرار وإيجاد مؤسسات شرعية تجلّت من خلال تواصلي معهم، غير أنه بات معروفاً وبشكل متزايد أن بعض الجهات المؤسسية تعمل بالفعل على عرقلة عجلة التقدم نحو الانتخابات، وأن الإرادة السياسية الحقيقية لتلك الأطراف ينبغي أن تُمتحن على أرض الواقع مع اقتراب الذكرى الأولى لتأجيل الانتخابات”، واعتبر المبعوث الأممي أن إطالة أمد المرحلة الانتقالية “سيجعل البلاد عرضة لانعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني ومن الممكن أن يهدد بانقسامها”، وشدد على ضرورة التعاضد في تشجيع القادة الليبيين على العمل بإصرار على إجراء الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة، حاثا مجلس الأمن على “إرسال رسالة لا لبس فيها إلى المعرقلين بأن أفعالهم لن تظل دون عواقب”.

3- ثالثا، “باتيلي” أقور فعليا بوجود بعض التقدم في المسار الأمني، من خلال إعادة أعمال اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 إلى نصابها، بعد اجتماعها في نهاية أكتوبر الماضي في سرت برعاية البعثة، لافتا إلى استمرار صمود وقف إطلاق النار، على الرغم من اللجوء المستمر للخطاب التصعيدي وحشد القوات على كلا الجانبين، ولكنه عقب بالقول: “يتوجب على جميع الأطراف أن تمتنع عن أي خطوات قد تقوض وقف إطلاق النار. وبهذا الصدد، أود أن أحث المجلس على التأكيد لجميع الأطراف أن اللجوء إلى العنف والترهيب لن يكون مقبولاً وأن حل الأزمة الليبية ليس عسكريا، وأن أساليب المماطلة لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى لن تؤدي سوى إلى تفاقم الأزمة”، وأعرب “باتيلي” عن قلقه جراء عدم إحراز تقدم في تنفيذ خطة عمل اللجنة العسكرية بشأن انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية، معلقا: “لا بد من أن تعيد الأطراف الليبية التركيز على بدء عملية الانسحاب بموجب خطة العمل هذه”، وأكد أن البعثة ستسعى في الأسابيع والأشهر المقبلة إلى تيسير حوار بين الفاعلين المؤسسين الرئيسيين في ليبيا كخطوة نحو التغلب على خلافاتهم والمضي قدماً نحو تنظيم انتخابات حرة ونزيهة.

** حول الترجيح بين حلي “بقاء الدبيبة” و”الخيار الثالث”

1- أولا، الثابت أن حكومة “باشاغا” ورغم تصريحات من بَقي من أنصارها وايهام بعض أعضائها أنهم يُباشرون مهاهم من “سرت”، فانخيار أرجحيتها في إدارة مما بقي من المرحلة الانتقالية أصبح شبه مستحيل فهي حكومة منقسمة على نفسها أولا وحتى حفتر وعقيلة صالح – أي مرتكزاها في الشرق- بدوا غير راغبين في استمرارها ثانيا -وهم اليوم بين التفاوض سرا مع الدبيبة او البحث عن خيار عسكري شبه مستحيل نتاج توازن الضعف مع خصومهم في المنطقة الغربية أو في البحث عن خيار ثالث يخترقون به من لم يقبل بهم في غرب البلاد- وكل ذلك يعني أن الأرجحية اليوم هي بين الحلين المذكورين أعلاه ( حل “بقاء الدبيبة”–حل “الخيار الثالث”)…

2- ثانيا، يبدو “الديبية”ظاهريا مسيطر على الأرض وعلى أوراق الحكومة وقدرتها في الامتداد سياسيا واعلاميا واجتماعيا وفي قبول كثير من مكونات المجتمع الدولي به وبحكومته، ولعل ظهوره أخيرا في احدى الإذاعات الخاصة التونسية يُؤكد أنه يعمل بجناحين: جناح أنه الأكثر قبولية لدى المجتمع الدولي والثاني الحد من فرص الذهاب للخيار الاثني (والمسوم لفظيا بالخيار الثالث – أي رئيسة حكومة لا هو “الدبيبة” ولا هو “بشاغا”)، ويكتسب الدبيبة قوته في أنه منتخب من لجنة ملتقى الحوار وأنه المعترف به دوليا وأنه يسيطر على العاصمة عسكريا وسياسيا وأمنيا وأنه مسنود من طرف الدولة الأقوى إقليميا أي الجزائر ولعل رفض المقترح المصري في بيان الختام للقمة العربية الأخيرة وقيام الرجل بعملية المحاكاة انتخابية وقطعه للخطوات ووضح الصورة لديه في ما ينبَغي فعله على الأرض ومع الرأي العام الليبي قد أكسبه نقاط قوة كثيرة…

3- ثالثا، ما يُميز الساحة الليبية على غيرها من الساحات الإقليمية – والتي تعتبر ملفات – هو انها مركبة ومتشابكة مع بقية الساحات الإقليمية الأخرى ذلك أنه لا يُمكن اليوم لا تغييب “المصريين” ولا “الجزائريين” (وهؤلاء الأخيرين هم الأكثر قُربا من الملف ويمتلكونراهنا نقاط قوة في التعاطي معه)، ولا يمكن أيضا لا إبعاد “الرباط” ولا “أنقرة” ولا كل من “قطر”و”السعودية” و”الامارات” وحتى دوليا فان “باريس” و”روما” و”برلين” كلها عواصم لها فعل سابق في الملف وهو ما ينطبق على “موسكو” و”بكين” و”لندن” في ما ورطت واشنطن كل تلك الدول والعواصم في مستنقع الساحة الليبية وحصرتهم في مربعات اشكالاتها مما سيجبرهم حاليا على نحت الحل (أو بالأحرى مسكنات الحلول) بعد أن حاولوا من خلال مؤتمرات ولقاء دولية إيجاد مربعات حلول وهو ما تم في “باريس1″ و”باريس2” ولقاء “باريس3″(عُقد في نوفمبر 2021) و”مؤتمر باليرمو” الذي نظمته روما في نوفمبر 2018 ولاحقا تم عقد “برلين1″و”برلين2” و”لقاء برلين 3″…

4-رابعا، الخلاصةأن الحل في لبيا تم تيسيره بعد تعسير 8 سنوات كاملة بحيث سيتحقق هدف تجديد الاجسام وتشبيب المشهد السياسي وأنه سيتم المضي في انتخابات 2023 وستحدد قبل ذلك خارطة طريق توافقية وجامعة وسيجد فيه الجميع طموحاتهم وبناء على أن الصراع بين 2014 و2018 لم يكن سوى حرب بالوكالة مبرمجة على وقع الأزمتين الخليجيتين بين محورين اقليميين وهما الذين تواريا كمحورين بناء على مبدأ صفر مشاكل بين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وهو مبدأ وسياسة خارجية اعتمده “بايدن” منذ جانفي/يناير 2021 وبالإضافة لذلك يتبع الأمريكيون منطق التفاعل ومن يكون له القدرة ان يكون قويا في الساحة مع خطوط ثلاثة حمراء (أهمية تدفق النفط وباستمرار ذلك – ضرب التنظيمات الإرهابية ومحاصرة وجودها التنظيمي وعدم ترك مساحات لها – عدم وجود أي عسكري روسي في بلدن المنطقة) والحل اليوم اضافة الى جاهزيته فانه يتماهى مع مشاريع إيجاد حلول للساحتين التونسية والسودانية ولن يتم فعل أي ترتيب مستقبلي للملفين قبل ترتيبات الحد الأدنى في ليبيا…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق