تحاليلشؤون مغاربية

قراءة تحليلية للمسارات التاريخية للتيار الإخواني المغاربي(1937-2020)

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي

** تمهيد

1- أولا،“الاخوان”بُنية فكرية كاملة قامت في البداية على فكرة “التربية” ثم على فلسفة “الاعداد طويل المدى للرفد ليستطيع التغيير” (ويسميها خصومهم “التميكن”) وهي فلسفة/فكرة أَنشأت بناء عليهَا وعلى ضَوئهَا “جماعة الاخوان المسلمين” بداية من سنة 1937 – وربما قبلها أيضا-تنظيما لا في مصر فقط بل وفي كل الأقطار العربية والإسلامية وتم في أوقات لاحقة تكوين فروع لها في بلدان من القارات الخمس،كما تمتأسيس ما قيل أنه “تنظيم دولي”(أواخر عقد الثمانيات من القرن الماضي)،وللإخوان اليوم تَمثُل سياسي ودعوي وفكري وتنظيمي في الكثير من البلدان بل هم في تقاطع كبير مع التيارين السلفي والصوفي مقابل التضارب مع أحزاب وجماعات إسلامية عدة على غرار “الدعوة والتبليغ” و”التحرير” و”الأحباش” ورغم أن علاقاتهم مع “الشيعة” حتى بداية عقد الثمانيات من القرن الماضي كانت ودية وقوية الا أنها ساءت وتحولت الى شبه تضارب وعداوة في كثير من البلدان والأحيان…

2 –ثانيا،كل الحقائق والمعطيات – سالفة الذكر في النقطة السابقة- حَدَّدَت مَعالم وفكر والفعل السياسي والاجتماعي للتيارات الإخوانية المغاربية والتي تمايزت وتميزت على التيار الأم في مصر وفي كل المشرق العربي، ورغم الاختلاف بينها من قطر مغاربي الى آخر فإننااعتمدنا عبارة “التيار الإخواني المغاربي”بديلا عن لفظ التيارات الاخوانية المغاربية في كل ثنايا الدراسة الحالية (وهي دراسة تحليلية وواقعية رصدية واستقرائية للمسار التاريخي للتيار ولواقعه ومستقبله في أفق نهاية العقد الحالي بشكل عام وتحديدا في أفق نهاية السنة الحالية)…

3- ثالثا، تستقرأدراسة الحالة بحلقتيها (على جزئين) المسارات الكبرى للتيار وتمثله السياسي والتنظيمي كما عددنا حسابات الربح والخسارة خلال العقد الماضي (2011-2020)ثم أسهبنا في شرح وتفكيكمؤثواقع نفس “التيار” خلال سنتي 2021 و2022 ثم استشرفنا مستقبله في أفق نهاية العقد الحالي بشكل عام وقبل ذلك مستقبله في أفق نهاية السنة الحالية بشكل خاص إضافة الى تقديم بعض ملاحظات وتوصيات، وعمليا اعتمدنا في قسمي الدراسة الموضوعية والعلمية في ذكر مَناقب “التيار” مثلما عددنا وذكرنا أخطائه الاستراتيجية والتكتيكية بل والقاتلة مغاربيا وفي كل قطر على حده وفقا للمقاربات التحليلية وعرض كل وجهات النظر…

 **الاخوان المغاربي ينوخلاصات/مؤثرات مترتبة على مساراتهم خلال العقود السابقة (1937-2010)

1- أولا،بَعيدا عن السقوط في سرد وقائع التاريخ – وهو أمر متروك للمؤرخين- يُمكن الاتفاق على أنّ ظروفاً متقاربة، أدّت إلى نشوء تنظيمات “الاخوان”في الفضاء المغاربي، بل ويمكن القول والتأكيد أن هناك وحدة عضوية وفكرية قبل ذلك تجمع تلك التنظيمات على مستوى النشأة والفكرة التأسيسية (للحزب/التنظيم أو للجمعيات/المنظمات الخاصة بهموبكل اشكالها وتمظهرها)، كما أن اخوان مصر في العقود الثلاث الأولى من نشأتهم وقفوا مع قضايا التحرر المغاربية وخاصة القضيتين التونسية والمغربية تحديدا حيث استقبلوا التونسيين “الحبيب بورقيبة” و”محي الدين القليبي” (وهما مثالينللذكر لا للحصر) في ديارهم ومكاتبهم وفتحوا لهم صحفهم بينما تفاعلوا  مع القضية المغربية وأفسحوا المجال في صحفهم لتنديد بما يجري فيها خلال عقدي الثلاثينات والأربعينات من بَربرية من قبل المستعمر الفرنسي ضد الشعب المغربي الأعزل يومها، كما استضافوا “علالة الفاسي” و”الأمير عبدالكريم” وقت نفيه حيث خرج الأستاذ الاخواني “الطاهر منير” (رئيس شعبة السويس) لاستقباله وتبليغه تحيات “حسن البنا” بل واستقبلته “جوالة الاخوان”بالترحاب وقت قدومه لمصر، وأرسل له “البنا” نفسه  عدد من البرقيات وهذا يعني الكثير في عمق الشخصيتين التونسية والمغربية وله استتباعاته لا ماضيا فقط بل راهنا ومستقبلا في الفعل السياسي…

2- ثانيا،لا يختلف اثنان أن هناك جملة من الخصائص المميزة للحركات الاسلامية المغاربية نظراً للتقارب الجغرافي وتقاطع الأحداث التاريخية فيها، لعل أبرزها هي تلك السمات المتصلة بنشأتها، والتي تظهر في تأثير الاحتلال الفرنسي على الكثير من رموزها- والذين كان لهم دور في مواجهة الاستعمار إلى جانب نخب وطنية أخرى من مشارب أيديولوجية مختلفة- وفي تلك المرحلة تحديدا كان هناك قدر من التمايز عن الحركات الإسلامية المشرقية رغم تواصل الطرفين مع بعضهما البعض، وتأثر النخب الدينية المغاربية بحركة الإصلاح التي قادها بشكل خاص محمد عبده، غير أنّ استحقاق الاستقلال ومحنة الاحتلال، كانتا أكثر ما يشغل المغاربة، وجل التنظيمات الدينية التي ظهرت في تلك الحقبة، سواء جمعيات أو أحزاب، لم تبد أيّ تأثر على هذا المستوى بالمشرق، ولكن الجيل الثاني من الحركات الإسلامية المغاربيةوالذي تأسّس بعد الاستقلال، كان أكثر تأثراً بالحركات الإسلامية المشرقية، رغم محاولته الارتكاز على الإرث التاريخي للحركات الإصلاحية الوطنية السابقة (رؤية حركة النهضة الفكرية وأدبياتها مثلا ارتكزت من حيث المقولات بإرث “جمعية الشبان المسلمين” وبالزواتنة والي كان بعضهم لاحقا احد المكونات الثلاث في تأسيس “الجماعة الإسلامية في تونس” – أي النسخة الأولى لحركة النهضة الحالية-…)

3- ثالثا،المغالطات التاريخية التي عمدت اليها النُخب بما في ذلك قيادات الإسلاميينأنفسهم (أساسا قياداتهم المتصدرة للمشهد بداية من 1970) وهي مُغالطات عمقتها القراءات بل والأموال السعودية لأسباب كثيرة – ولا يستع المجال لذكرها- ولعل المثال الأبرز والأهمهو القول أن “التيار الاخواني لم يظهر الا مع بداية السبعينات مغاربيا”، وهي قراءة تُربك فعليا أي قراءات ومحاولات فهم لإرث الاخوان المغاربيين ومن ثم تَحيد عن فهم عميق حتى لراهنهم ومن ثم مستقبلهم، ذلك أن كثير من الشخصيات المغاربية التحقت مبكرا بتنظيم الاخوان دون أن تكشف عن ذلك سواء كأفراد لهم موقع مجتمعي مؤثر على غرار الشيخ المصلح والمناضل الوطني والاجتماعي”عمار لبيض” في الجنوب الشرقي من تونس (وهو مثال للذكر لا الحصر) ولم يقتصر الأمر طبعا عن الأشخاص فهناك تنظيمات ظهرت في الأربعينات وكانت اخوانية الفكر والسلوك سياسيا واجتماعيا بغض النظر عن كشفها لأجنداتها وعلاقاتها من عدمه (على غرار تنظيم “البعث الإسلامي” في تونس الأربعينات)..

4- رابعا، تميز الفكر الاخواني المغاربي منذ نهاية الستينات على نظيره المشرقي بقراءات واقعية وأقرب للمتلقي سواء كان نخبويا أو مواطنا بسيطا فقد قطع “مالك بن نبي”(طبعا الرجل مفكر جزائري معروف ولم يكون اخواني لا تنظيميا ولا سياسيا ولكن التيار الاخواني والمغاربي تحديدا تأثر بمقولاته وفكره وتَربَى أنصارهم على كتاباته)، مع مقولة أن “الإسلام هو الحضارة” التي تَبناهَا وآمن بها وروجها القيادي بل ومنظر الاخوان المصريين “سيد قطب”بل وتبناها الكثير من كُتاب الاخوان في مصر والمشرق العربي (“محمد قطب”–”سعيد حوى” وآخرين كُثر في المشرق العربي بما في ذلك في النسخة المعدلة للإخوان الإصلاحيين أو ما يُسمى بالسلفية السرورية/الحركية)، كما أن اخوان تونس والمغرب أساسا استفادوا في مواجهاتهم السياسية والفكرية من قراءات “علي شريعتي” و”محمد باقر الصدر” و”مرتضى مطهري” و”حسين فضل الله” وآخرين مثلما استفادوا من صراعاتهم واحتكاكهم باليسار الماركسي…

5- خامسا،فعليا حضور التيار الاخواني المغاربي وخاصة في تمثلاته السياسية أتى تاريخيا استجابة لعدد من العوامل الإقليمية والدولية، وخاصة خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، وخاصة بعد الانكسار الحاد للمشروع القومي في المشرق العربي، وهم ما يتصل كذلك مع المتغيرات الدولية، فضلاً عن سؤال الهوية؛ الذي تجلى واضحاً إبان خوض دول المغرب العربي تحدي الاستقلال، وبروز الدين الإسلامي كمحدد للهوية، الأمر الذي أدّى إلى تبلور الفعل السياسي للإسلاميين في صيغة “الإخوان المسلمين”، في دول شمال إفريقيا بما فيها الدول المغاربية وهو ما صَنع فعليا  مُقاربة مَعرفية وتَنظيمية، ارتبطت عضوياً بمحددات الأهداف الرئيسية للتنظيم الدوليبناء على ذلك، جاءت قناعة تنظيمات الاخوان المغاربية رغم الاختلافات بينها في البناءبل وحتى التأسيس والاختلاف بينها من عدمه بشرعية الدولة الوطنية (والتي تأسّست عقب مرحلة الاستقلال الوطني)…

6- سادسا،لا خلاف في أن إخفاقات الدولة الوطنية، وقوة الخطاب الرجعي والسلفي المعادي لما راكمته تجارب التحديث المجتمعي في تونس والجزائر وضرورات التصدي للمد التقدمي ولليسار التي انتهجتها سلطات الدول المغاربيةقد أفسح المجال أمام الإخوان، ما ساعدهم على التمكين في عديد المجالات، خاصّة تلك التي هجرتها تلك القوى (والتي تسم نفسها بأنها قُوى تقدمية)، وخاصّة في الحقلين النقابي والجامعي وهنا يمكن التأكيد ان التيار الاخواني المغاربي قد استفاد من صراعاته الفكرية والفلسفية مع تيارات اليسار الماركسي والبعثي وانه ملأ الفراغات التي تركها الشيوعيون ومنظمات اليسار الجديد، وفعليا استطاع اخوان ليبيا وتونس والجزائر وأيضا المغرب وبشكل مبكر ، التمايز عن التيار السلفي (وتحديدا بإثنين من مدارسه: “التيار السلفي الجهادي” و”التيار السلفي المدخلي”)، فيما بقوا مرتبطين عضويا وبطرق تواصلية مختلفة مع مدرستي “السلفية العلمية” و”السلفية السرورية”…

7- سابعا، مثلت القطيعة بين “الاخوان” و”المملكة العربية السعودية” والتي بدأت فعليا ورسميا سنة 2002 (بل وقبل ذلك بسنوات في بعض مربعات بعينها)، ضربة كبيرة لوجستيا وماليا للتيار الاخواني حيث ستُؤثر عليه كثيرا وتجعله ينتقل تدريجا في مربعات بعينها (وخاصة اللوجستي) نحو بعض بلدان في المنطقةوهو أمر استمر تقريبا حتى بدايات سنة 2020 بغض النظر عن الشكل والآليات والواجهات، ولكن تلك القطيعة كانت حتمية نتاج اختلاف المقاربات رغم ان علاقة الاخوان بالسعودية ووديتها دامت عقودا كاملة ولكن كلا الطرفين كان في كل فترة له الاستعداد الذهني لإنهاء التقارب ولا يخفي ان ذلك اصبح اكثر وضوحا منذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا ( بداية من  2002) وحدوث التقارب مع قطر منذ نهاية تسعينات القرن الماضي…

8- ثامنا، يمكن القول إن التيار الاخواني لم يستطع أي نظام القضاء عليه نهائيا في أي بلد عربي بل يُمكن الجزم أنه بقي بأوتار قوية فكريا وسياسيا وحتى تنظيميا بل وتطور فكريا وسياسيا في المنطقة المغاربية وأصبح تيارا براغماتيا وذهبت الأنظمة واختفت تيارات فكرية وايديولوجية وسياسية وانحسرت أخرى وتكيف هو مع التطورات، ولكنه مع ذلك فقد الكثير من اشعاعه وحواضنه الشعبية المفترضة بحساب تواجده عبر عقود خلت- وذلك يختلف من بلد مغاربي الى آخر- ويُمكن التأكيد مثلا أنه انتصر في معركة الأدبيات المكتوبة على حساب خصومه الايديولوجيين والسياسيين وخاصة خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي لكنه خسر معركة السمعي والبصري خلال السنوات الماضية وذلك لا يعني أن ليست له بعض تجارب ناجحة ولو نسبيا (ليبيا مثالا)…

9- تاسعا، بقي “التيار” محافظا على مركزية القضية الفلسطينية وبقيت رهاناته الفكرية الكبرى مرتبطة بمشاغل الأمة الكبرى وهو ما مكنه من الاحتفاظ بأعداد كبيرة على المستوى القاعدي والقدرة على التحشيد الشعبي مقارنة ببقية التيارات الفكرية والسياسية بغض النظر عن الظرفية السياسية والأمنية وهو ما أثبتته التجربة التونسية سواء في قدرة حركة الاتجاه الإسلامي في منتصف الثمانينات في التحشيد ضد النظام البورقيبي حتى سقوطه ثم تحشيد الجناح الطلابي ضد نظام الرئيس المخلوع في بداية التسعينات، وحتى خلال الأشهر الماضية ورغم سيطرة الرئيس “سعيد” على كل الصلاحيات ووضعه كل السلطات تحت امرتهفقد بقي له من الأنصار ما جعله يكون قادرا – أي التيار الاخواني وحلفائه-على تحريك جزء من الشارع– طيلة عشر أشهر (سبتمبر 2021 –أوت 2022)…

10- عاشرا،ارتكب “التيار” الكثير من الأخطاء التكتيكية والاستراتيجية في البلدان الخمس ويمكن تلخيص تلك الأخطاء كما يلي:

أ – بقي “التيار” لمدة عقود في أتون الصراع مع الدولة وحبيس لذلك فعليا في كل مجالات الفعل اليومي لأنصاره وهياكله التنظيمية أو في إطار تسطير رؤيته وسياساته الاستراتيجية (بغض النظر عن الوتيرة)،كما لم يستطعكـــــــ”تيار” أن يكون جزء من فعل الدولة سواء ثقافيا أو سياسيا وهنا يمكن القول موضوعيا أنه يشترك في تلك المسؤولية – طبعا بنسب متفاوتة- مع النخب الحاكمة والدولة العميقة وهذه الأخيرة حاولت الحفاظ على مصالحها وامتيازاتها واستعدته كتيار سواء من حيث تخوفها الأمني من ردات فعله أو هي وضعه في موقع “المشجب”للتغطية على صراع أجنحتها…

ب- لم تستطع قيادات “التيار” التخلص الكلي من أجنحتها السلفية قاعديا ولا أن تقوم بصدمتهم في خطأ تفكيرهم ومن ثم تبني رؤية فكرية مغاربية بالأساس (عدم الاخذ بنصيحة الدكتورين “الترابي” و”مالك بن نبي” وهما الذين حذرا مثلا اسلاميي تونس من خطر السلفية منذ بدايات سبعينات القرن الماضي).

ت- لم يعتمد”التيار” التخطيط الاستراتيجي وسقط أكثر فأكثر في التكتيكي المرحلي والدليل أن الأحزاب الاخوانية الثلاث في ليبيا وتونس والمغرب لم تتجهز للسلطة ولم تخطط على مراحل طويلة ووجدت نفسها في نفس سياق أخطاء النظام الناصري في مصر في الستينات أي اعتماد سياسة “التجربة والخطأ” ولكن خصومهم في الداخل والخارج لم ولن يمهلوهم في ذلك طبعا وكان لذلك ضريبته انهم سيعودون لمربعات المعارضة…

ث- أن ذهنية التيارات الإسلامية والاخوانية لم تتخلص من عقلية “الطيبة” وأنها لم تكتسب الذهنية البراغماتية (بنسب تختلف من بلد مغاربي لآخر) ولا هي اكتسبت عقلية التجاوب والتلاؤم الاجتماعي من حيث البحث عن حلول طويلة المدى للمنوال التنموي ومشاغل وآلام وآمال الناس ومشاغلهم اليومية، كما أن قيادات “التيار” لم تستوعب متطلبات الأمن القومي بشكل كامل واستراتيجي في كل بلد ولا هي فهمت واستوعبت الإرث التاريخي للجغرافيا السياسية للمنطقة ولا هي استوعبت أنه عليها راهنا ومستقبلا إيجاد حلول لكلفة “ألا مغرب”…

11- حادي عشر– يُمكن تلخيص المكاسب التي حققها التيار مغاربيا في:

  • أصبح “التيار” رقما صعبا لا يمكن البتة تجاوزه لا فكريا ولا سياسيا ولا ثقافيا ولا اجتماعيا، بل واكتسب ارثا في كل القطاعات والمجالات وأصبحت له حواضن شعبية وعلاقات ممتدة مع النخب السياسية والفاعلين الدوليين ومراكز البحوث والدراسات، ومن ثم فق تحول الى رقم مهم واستراتيجي في المعادلة السياسية في كل بلد مغاربي على حدهبل والاهم أنه أصبح يؤمن ويقبل بالتداول السلمي على السلطة وبالتشاركية السياسية في الحكم مع أحزاب سياسية من خارج منظومته الفكرية والسياسية بل أن حزبي “العدالة والتنمية” المغربي و”حركة النهضة” التونسية أصبحا نموذجين في البراغماتية السياسية وهو ما توضحه أدبيات مراكز الدراسات حتى قيل في بعضها بغض النظر عن صحة المعطى والاستشراف كيفيا أن “مهمة نظام السيسي في مصر هي فرملة الاخوان وتحويلهم الى نسخة مشابهة للحزبين المذكورين”…
  • كرس “التيار” حقيقة أنه وطني الاهتمامات استراتيجيا في تفكيره السياسيوأنه يقدم الوطن على حساباته الربحية وهو يمكن مثلا أن يتنازل من أجل مصالح البلدان المغاربية- وهو ما أثبتته التجارب في تونس والمغرب وليبيا والجزائر- فقد تنازل الإسلاميون في تونس عن السلطة من أجل الوفاق الوطني سنة 2013 ووافق إسلاميو ليبيا على كل الحوارات (الصخيرات – بوزنيقة – جنيف – قمرت التونسية) وكان رئيس “حزب العدلة والتنمية” واقعيا في امضاء وثيقة/بروتوكول التطبيع بين المملكة والإسرائيليين وتحمل مسؤوليته كمواطن مغربي وكمسؤول تحت سلطة الملك رغم ما يعنيه ذلك سياسيا لحزبه والذي دفع ثمن ذلك انتخابيا كما ان “النحناح” في الجزائر لم يسقط في اتون أخطاء “الفيس” منتصف التسعينات واصطف مع الدولة وأجهزتها وبالتالي جنب الجزائر ويلات أخرى على الويلات الأخرى التي حصلت يومها…
  • اكتسب “التيار” البراغماتية في التعاطي مع ما يَجري في الإقليم وعلى المستوى الدولي وأقام علاقات ممتدة في اتجاه الأمريكيين والأنقليز بدرجة أولي ومع الفرنسيين والصينيين بدرجة ثانية ومع قوى دولية أخرى كلما تطلب الأمر ذلك (تواصل “اخوان ليبيا” مع الروس في أكثر من مناسبة)، والأهم أن ذلك تم – أي التواصل-دون التحول إلى قوى وظيفية للأطراف الدولية رغم الاقتراب المفرط فيه من القطريين والأتراك وهو أمر حري بالدراسة والاستخلاص من قبل الأنظمة المغاربية و”التيار”…

 

12- ثاني عشر-يُمكن القول إنه بموازين الربح والخسارة كسب “التيار” في المنطقة المغاربية مثلما خسر الكثير وفي ذلك الإطار يمكن التأكيد:

أ- سقط “التيار” في أتون التهرئة (نتاج المشاركة في الحكم) حيث خَسر الكثير من شعبيته وغادر مربع المظلومية وتحول الى تيار سياسي كلاسيكي يخضع لغضب الناخب ورضاه بناء على ما يُقدمه ويحوله الى مغادرة مربع”الطهورية السياسية” التي كان يعتقد فيها الكثير من الناس وكثير من قياداته الوسطى، من جهة ثانية دخل “التيار” مربع الانقسامات وحروب الزعامات وباستثناء “المغرب” و”موريتانيا” – حيث كانت الانقسامات محدودة وأمكن احتواء كثير منها- فان اخوان تونس وليبيا قد التحقوا بإخوان الجزائر بحيث أصبحوا يتمثلون سياسيا بأكثر من حزب ولم يعودوا موحدين سياسيا واجتماعيا فحزب “عمل وإنجاز” (بقيادة وزير الصحة الأسبق عبداللطيف المكي) اصبح الحزب الإسلامي الأقرب للاخوان، أما في ليبيا فقد أسس “محمد صوان”،”الحزب الديمقراطي” مباشرة بعد خسارته لرئاسة حزب العدالة والبناء (بقيادة “عماد البناني”) وفي ما يعتبر الحزب الثاني اقرب للدبيبة يعتر الأول أكبر مناصر لمناوئهأي مناصرا لــــــــــــ”فتحيباشاغا”…

ب- تَجنبَ”التيار”في المنطقة المغاربية مصير “اخوان مصر” حيث عاد “العدالة والتنمية” الى مربع المعارضة (نتاج الاستقرار السياسي في المملكة وأهمية المسار السياسي الذي رسمه المرحوم “الحسن الثاني” في نهاية تسعينات القرن الماضي)، ورغم حركة/انقلاب 25-07 فان “حركة النهضة” بقيت حزبا يُمارس أنشطته واصطفافه في المعارضة بل ويقوم بالتحشيد للمسيرات وبغض النظر عن رفع الجزائريين لمقولة “لا سبيل لتطبيق النموذج المصري في تونس…” فان الثابت أن “التيار” مغاربيا قد اكتسب ثقة المجتمع الدولي في حدودها الدنيا على الأقل وأثبت أنه مثال للاعتدال وانه خط احمر حتى لا تنتشر التنظيمات الإرهابية – وهي قناعة أصبحت حقيقة لدى الالمان والاسبان والايطاليين- بل وأيضا الفرنسيين رغم عدائهم الظاهري والعلني للتيار الاخواني ومقولاته في سياساتهم واستراتيجياتهم ….

13 -ثالث عشر،من بين أبرز الأخطاء التي وقعت فيها أحزاب وتنظيمات “التيار” على امتداد العقد الأخير هي استغراق وقت طويل لمحاولة لتثبيت نفسها في المشهد السياسي أكثر من الاقدام على الإصلاح وتنفيذ رؤى تنموية على الأرض، ورغم تراجع شعبيتها فالثابت فأنها ستحافظ على تواجدها القوي نسبياً وبشكل متفاوت في دول المغرب العربي مستفيدين من تشتت وتفكك الطبقة السياسية الديمقراطية واليسارية، وتبدو البيئة السياسية المغاربية عموماً متسامحة مع مختلف التيارات السياسية بما فيها الإسلامية لكن هناك تغير في الميول او التعاطف بات يتشكل ويتضح تدريجيا في المستقبل، ومعلوم أنه تم رصد زيادة براغماتية الإسلاميين في العمل السياسي خاصة في المغرب بتحالفهم مع الشيوعيين لقيادة الحكومة، وكذلك الامر نفسه لحركة النهضة الإسلامية بقيادتهم لتحالف حاكم مع نداء تونس العلماني القائم أصلاً على نبذ الإسلاميين والدولة الدينية،ولكن كلا التحالفين لم يحققا حسب تطلعات شعبية ما يصبو اليه السواد الأعظم من الشعب وهي تحسن الظروف المعيشية والأمر نفسه تقريبا ينطبق على التجربة الليبية او الجزائرية في العقد الماضي.

14- رابع عشر، الثابت اليوم أن الحركات والتنظيمات التي لديها علاقة بفكر الاخوان المسلمين لم تعد تحظى بالشعبية نفسها التي كسبتها في عام 2011 زمن اجتياح الثورات الشعبية في المنطقة المغاربية والتي حازت حينها الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية على أعلى شعبية لها على امتداد نصف القرن الأخير مقارنة بالتيارات السياسية الاخرى وحصدت خلال ذاك الوقت عدد من الأحزاب الإسلامية انتصارات انتخابية في تونس وليبيا والمغرب، ولعبت أدواراً رئيسة في الائتلافات السياسية في العقد الماضي كما في تونس والجزائر والمغرب وليبيا، وقد زادت حدة المزاج الشعبي المنتقد والرافض لهيمنة التيارات السياسية ذات المرجعية الدينية، خاصة سنتي 2020 و2021 مع تسجيل رفض لقطاعات شعبية وقوى مدنية وسياسية في بعض دول المغرب العربي لتدخل تركي في المشهد السياسي المغاربي (تونس خاصة) ومساندته أطرافاً محسوبة على الاخوان المسلمين.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق