تحاليلليبيا

ليبيا: تمسك كل من “الدبيبة” و”باشاغا” بالسلطة وخيارات الحل الثالث؟

علي اللافي – كاتب و محلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

الملف الليبي لم يعد منذ نهاية سنة 2013 ملفا ليبيا خالصا بل أن الصراع في البلد الافريقي الأكبر جغرافيا والثرية ماليا والاهم استراتيجيا ما هو في حقيقة الامر سوى حرب بالوكالة خاضتها وتخوضها – منذ ماي 2014 – أطراف ليبية ضيقة الأفق الاستراتيجي وتحديدا لصالح أذرع إقليمية وهذه الأخيرة تلعب بدورها أدوارا وظيفية لقوى دولية ومحافل وشركات عالمية والتي لا هَدف لها سوى ثروات ليبيا الهائلة والنادرة والمرور بيُسر للعمق الافريقي(من خلال سواحل وموانئ وصحار فريدة واستراتيجية)، وكل التطور الذي حدث في محطات مارس 2017 وأفريل 2019 وفيفري 2021 ومارس 2022 هو في الحقيقة تَغيّر وتغيير لللاعبين الوظيفيين (محليا وإقليميا)كما تغيير لتكتيكات القوى الدولية الوازنة استراتيجيا وقد بَقيت الأهداف والسياسات الكبرى هي نفسها وما صراع حكومتي “الدبيبة”و”باشاغا” على الشرعية وعلى التقرب واحتواء ناعم للقوى المالكة للسلاح، سوى تجسيم واثبات لتلك الحقائق والمعطيات والهدف من ادامة تلك التباينات والمناكفة والصراع على السلطة التنفيذية هو السعي الحثيث لتحويل كل ليبيا الى ساحة لصراع النفوذ بين أمريكا وحلفائها الغربيين من جهة وروسيا والصين من جهة ثانية، وبناء على كل ذلك يصح التساؤل اليوم: هل ثمة فعلا بصيص أمل في حل يُنهي التناحر والصراعات في بلد عمر المختار وهل توجد أي خيارات لما قيل انه الخيار الثالث؟

** آخر التطورات والمواقف للحكومتين المتصارعتين على الشرعية

1- أولا،رئيس حكومة الوحدة الوطنية”عبد الحميد الدبيبة”- والذي تم انتخابه في لقاء جنيف في فيفري 2021 – جدد تأكيد “استمرار حكومته في عملها باعتراف دولي إلى حين إجراء الانتخابات…”، مشيراً إلى أن “الحكومة القادمة هي الناتجة عن سلطة منتخبة، ولا تراجع في ذلك”، وجاءت تأكيدات “الدبيبة” أثناء ترأسه ظهر الخميس 25-08 اجتماع مجلس الوزراء العادي (الثاني عشر لعام 2022)، وقد طالب “الدبيبة” رئيس الحكومة رئيسي مجلسي النواب والدولة، بـ”إطلاق سراح الشعب عبر إصدار قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات…”، وأضاف معلقا على التأخر في إصدار القاعدة بالقول: “أبدا لن يصدّق أحد أن الخلاف على مادة خلافية واحدة يستغرق كل هذا الوقت، بعد أن حرموا الشعب من حقه في الانتخابات أكثر من 8 سنوات…”، كما أكد الدبيبة أن “حكومة الوحدة الوطنية واستمرارها هما الضمان الوحيد للضغط على الأطراف حتى يذهبوا للانتخابات، وغير ذلك سيستمرون في صفقة التمديد مرة أخرى…”، مضيفا: “القوة القاهرة التي أعلنها رئيس مفوضية الانتخابات هي بسبب لائحة الطعون، وهي الخلل الكبير الذي استغله من يُريد إفساد الانتخابات. وقد قالت المفوضية بكل وضوح: أعطوني قانونا سليما أنفذ به الانتخابات”، كما أكد الدبيبة “عدم وجود أي انقسام حكومي أو خدمي”، موضحا أن “كل المؤسسات والبلديات تحت حكومة الوحدة الوطنية. وما هو موجود هو خلاف سياسي لن يحل إلا عبر الانتخابات”.

2- ثانيا،أمارئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب “فتحي باشاغا” والذي بقي بدون سند دولي واضح فقد غير من تكتيكاته بعد محاولاته السابقة والتي لم يستطع من خلالها دخةل العاصمة،حيث ناشد من جديد الأربعاء الماضي (24-08) رئيس حكومة الوحدة الوطنية بتسليم السلطة “طواعية”، واكد في خطاب نشره المكتب الإعلامي لحكومته ضرورة الخضوع “لقرارات السلطة التشريعية للدولة الليبية”، وتسليم السلطة، مذكّراً إياه بأنها “من منحتكم الثقة وأكسبتكم الصفة وأنتم ما زلتم تنازعون في ممارستها رغم انتهاء ولايتكم وصلاحياتكم”، وطالب “بشاغا”خصمه الدبيبة بـ”وجوب التسليم طواعية دون مراء أو استمراء لحالة الفوضى التي تؤثر سلباً على حياة الليبيين وتمس أمن الدولة واستقرارها….”، وأكد باشاغا أن خطابه “بيان وبلاغ إبراء للذمة وإقامة الحجة ودعوة وطنية صادقة نتطلع إلى استجابتكم لها بروح وطنية عالية تولي احتراماً لمصلحة الوطن عما دونه من مصالح”، من جانبه رد الدبيبة على خطاب باشاغا، خلال تغريدة على حسابه في “تويتر”، دعاه فيها إلى “ترك أوهام الانقلابات العسكرية”، ويأتي خطاب باشاغا هذا بعد خطاب أصدره أمس، قال فيه: “إلى رجال ليبيا الشرفاء، أنتم عماد الوطن ومستقبله، فلا تكونوا جنوداً للظالمين، فحكومة الوحدة الوطنية انتهت صلاحيتها ومدتها، وليس لها أي شرعية”، وضمن بيانه، نبه باشاغا الجميع بلا استثناء بأنه “لا ظلم ولا قتال مع من اتبع الشرعية واختار الوطن دون سواه”، وطبعا أتي البيانان في خضم معلومات متواترة عن تحشيدات عسكرية تجرى من جانبي الحكومتين، وسط مخاوف أممية وأميركية من انجراف الأوضاع الى مواجهة عسكرية بينهما، ومعلوم أن بيانات صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية والبعثة الأممية عكستا استشعارهما لخطر التوتر القائم في البلاد، إذ أشارت البعثة الأممية لمتابعتها ببالغ القلق “ما يجري من تحشيد للقوات وتهديدات باللجوء إلى القوة لتسوية مزاعم الشرعية في ليبيا”.

** هل هناك فعلا خيارا ثالثا قابلا للتنزيل والتجسيد؟

1- أولا،تعتبر القضايا الخلافية والرؤى المتباينة بين أنصار الحكومتين دليلا على تواصل الصراع وديمومة الأزمة بأوجهها الأربعة (دستوري – سياسي وحكومي – أمني/عسكري-اقتصادي واجتماعي) وينظر اليها المجتمع الدولي كملف من بين ملفات الصراعات في المنطقة العربية وفي الشرق الأوسط وفي شمال وغرب القارة السمراء ولكن صانعي القرار الغربيين يعرفون أنها أزمة مركبة بناء على التعاطي الدولي والإقليمي معها وان توقف الحرب ما هو الا نتاج طبيعي لطبيعة توازن الصعف (وتوازن القوى) محليا وإقليميا ودوليا منذ صائفة 2018 ومن هنا تم التلويح بما سيسمى بالخيار الثالث ورغم ان السند الدولي والاممي هو فعليا لحكومة الدبيبة ولكن ذلك مؤقت وبمني على بعض مؤشرات ومعادلات قد تتغير في ظرف أسابيع ولا يعني ذلك أنها ستتغير صالح بشاغا وحلفائه خاصة وان أولئك الحلفاء ليسوا ثابتين ويلعبون معه لعبة ما فوق الطاولة وأما تحتها فهم على تماش مع الدبيب ومشروعه ومن معه كما يتطلعون الى إمكانيات الذهاب في خيار ثالث أو بالأحرى ملامسة بعض خيارات لحل ثالث عبر طرح أسماء لتراس حكومة انتقالية لمدة اشهر ( وربما لسنة ونصف أيضا كحد أقصى) ورغم ان شروط ومعادلات الخيار او الحل الثالث مرتبطة باسم المدينة التي سيكون مها رئيس الحكومة الجديد ( عمليا تم وسيتم حصرها بين طرابلس ومصراتة باعتبار ان عضوية الرئاسي ورئاسة المجلس الأعلى للدولة هما لمدينة الزاوية) كما ان الشخصية يجب ان تكون قوية وذات قبول شعبي في الداخل وتعرف بتوازن علاقاتها بين المحورين الإقليميين السابقين (المحور القطري- التركي مقابل المحور المصري/السعودي/ الاماراتي) رغم انتهاء جزء كبير من تلك المعادلة وتبيان وجهات النظر المصرية والاماراتية في أكثر من ملف، وكما أن الخيار من حيث اسم الشخص يجب ان يكون مبينا على قبول من طرف كل من المغرب والجزائر أيضا وأن يحضى بقبول كل الأطراف الدولية أو أغلبها في حد أدنى كما يجب أولوية البعد الاقتصادي وقوة الشخصية سياسيا واجتماعيا في السيرة الذاتية لأي مرشح وقد تم سابقا طرح أسماء حوالي سبع شخصيات ابرزها محمد المنتصر – الصديق الصور – إبراهيم دغندا وأسماء اخرى عديدة، ويبدو ان النسب متساوية بين الذهاب في الخيار الثالث وبين ترجيح كفة أي من الحكومتين المطروحتين الحاليتين – أي حكومة الدبيبة وحكومة باشاغا مع ان الأولى اقوى واقرب للبقاء بنسبة تقدر بالثلثين للاولى مقابل ثلث فقط للثانية دون تغييب ان الحكومة مستقبلا يجب ان تكون مصغرة وان لا يتجاوز عدد حقائبها الــــ 15 حقيبة…

2- ثانيا،الخلاصة ان الأيام والأسابيع القادمة في ليبيا حبلى بالمفاجآت وان الذهاب للانتخابات في ديسمبر المقبل او جوان/يونيو 2023 أمر لا مفر منه وان ليبيا وبعد 50 سنة لا تزال رهانا استراتيجيا في صراعات النفوذ بين محورين دوليين كما أن إدارة وترتيب الملف الليبي في حده الأدنى ستعني آليا ترتيبات عاجلة في ملفات بعض دول الجوار وفي الساحل الافريقي تحديدا ذلك أنها بلد مفتاح لكل مربعات الإقليم (متوسطيا –مغاربيا– عربيا – افريقيا – إسلاميا …) والحل في ليبيا ستكون انعكاساته الاقتصادية دراماتيكية على الوضع الاقتصادي في تونس ومصر والسودان وتشاد ومالي والنيجر…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق