تحاليلتونس

تونس: قرارات المحكمة الإدارية بشأن أعادة القضاة المعفيين وترتباتها و مؤثراتها في هندسة المشهد السياسي المقبل

منية الشواشي–إعلامية وجامعية تونسية

القضاء الإداري في تونس لم يفقد الجزء الأكبر من استقلاليته حتى في حقبتي الاستبداد (حقبة الرئيس الأسبق “الحبيب بورقيبة” بين سنتي 1956 و1987 – حقبة الرئيس المخلوع “زين العابدين بن علي” بين سنتي 1987و2010)،وهو ما يعني أن قَرارات المحكمة الإدارية وان لم تكن مفاجئة للرأي العام فإنها بدت من ناحية ثانية غير عادية وخاصة من حيث لحظتها ومن حيث طبيعة الوضع السياسي في البلد وخاصة بعد حركة 25-07 والتي يوسمها معارضي الرئيس “سعيد” بأنها انقلاب تام الشروطـ، وهي قرارات لم تكن عادية بناء على عدد القضاة الذين رفضت المحكمة اعفائهم (47 من 57 تم اعفائهم)، فماهي عمليا حيثيات تلك القرارات واي ترتيباتوترتبات سياسية لتلك القرارات على المشهد السياسي في تونس والمفتوح أصلا على أكثر من سيناريو مستقبلي في افق تنظيم الانتخابات التشريعية في 17-12-2022؟

** *قرارات المحكمة الإدارية والمعطيات التي حفت بها وحيثياتها وتفاصيلها

1- أولا،من حيث التفاصيل والحيثيات كان المتحدث باسم المحكمة الإدارية “عماد الغابري”قد قال يوم 10 أوات/أغسطس الجاري إن المحكمة قضت بإيقاف تنفيذ قرار الإعفاء الصادر بحق عدد من القضاة من بين 57 قاضيا تم إعفاؤهم بأمر رئاسي،ورفض الغابرييومها تحديد عدد القضاة المشمولين بقرار إيقاف تنفيذ الإعفاء، في انتظار أن تُعلم المحكمة القضاة بقرارها بشكل فردي الا أن مصادر إعلامية قالت أن عددهم يقارب 48 (من أصل 57 قاضيا تم اعفاءهم بمرسوم رئاسي منذ أشهر )، كما أوضح يومها أيضا أن قرار إيقاف التنفيذ يعني تعليق قرار الإعفاء وعودة القضاة إلى أعمالهم، في انتظار النظر في أصل قضية الإعفاء.

2-ثانيا، في نفس اليوم أكد رئيس جمعية القضاة “مراد المسعودي” في تصريح لإذاعة خاصة أن “حوالي 47 ملف طعن قدمها قضاة شملهم قرار الإعفاء تم قبول إيقاف التنفيذ فيها بانتظار تجديد الاستئناف لبقية القضاة (المعزولين)، ومعلوم انه في جوان/يونيو الماضي أصدر الرئيس “سعيد” أمرا رئاسيا بإعفاء 57 قاضيا من مهامهم بتهم، بينها “تغيير مسار قضايا”، و”تعطيل تحقيقات” في ملفات إرهاب، وارتكاب “فساد مالي وأخلاقي”، وهو ما ينفي القضاة صحته واعتبروا أنه تم بناء على وشايات وتقارير مغلوطة وان بعضها ترويج فايسبوكي لا غير، كما أن ذلك المرسوم قُوبل برفض من نقابات وأحزاب ومنظمات وجمعيات تونسية وانتقاد دولي حاد، ولا سيما من الولايات المتحدة ومنظمة العفو الدولية.

3- ثالثا، الإعفاءات والتي الغتها قرارات المحكمة الادارية تمت وتم تفعيلها عمليا في اطار جدل بين الرئيس “سعيد”ومعارضيه حول وجود سلطة قضائية من عدمه خاصة وان انصار والسند السياسي للرئيس يعتبرون مثله أن القضاء وظيفية، ومعلوم أن هناك ازمة سياسية متحدة في تونس منذ بداية جانفي/يناير 2021 وزادت تعمقا اثر حركة 25 جويلية/يوليو2021 حيث فرض الرئيس “سعيد” إجراءات استثنائية من بينها إقالة الحكومة وتعيين أخرى، وحل البرلمان ومجلس القضاء، وإصدار تشريعات بمراسيم قضائية ورغم اعتراض القضاة في مرحلة أولى الا ان الرئيس سعيد كان قد اعلن في خطابه مساء ذلك اليوم أن النيابة العمومية سيتكون تحت سلطته المباشرة…

*** قراءة تحليلية،حول الترتبات السياسية لقرارات المحكمة الادارية 

  • أولا، من المهم القولان ردود الأفعال كتنت قوية محليا وإقليميا ودوليا حول المس من استقلال القضاء وخاصة بعد إجراءات كثيرة من طرف وزيرة العدل سواء داخل الوزارة أو خارجها وأخرى خاصة بالقضاة، ولكن الثابت أيضا ان الرئيس “سعيد” مضى في خارطة طريقه وتم تنظيم الاستفتاء يوم 25-07-2022 ولكن بدأ ان هناك تريث واستعداد لمعالجة كثير من الملفات ولعل التوصل الى امضاء العقد الاجتماعي هو احد تلك المؤشرات ويظهر ان تطبيق قرارات المحكمة الإدارية فعليا ستكون مؤشر ثان خاصة وان هناك ارتباك سياسي في مربعات الحكومة والرئاسية حول كيفية وطبيعة الخطوات القادمة ومن بينها كيف سيتكون فصول القانون الانتخابي والذي على ضوئه سيتم ترتيب انتخابات 17 ديسمبر المقبل وهي انتخابات سيكون لها ما بعدها في ترتيب المشهد السياسي …
  • ثانيا، في سياق مواز، كان وزير الدفاع الأميركي “لويد أوستن” قد عبر عن قلقه بشأن الديمقراطية في تونس، وقال إن حلم التونسيين بحكومة مستقلة أضحى في خطر، وأضاف أوستن في حفل بألمانيا للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا أن الداعمين للديمقراطية والحرية يواجهون قوى الاستبداد في تلك القارة، وفق تعبيره وتلك التصريحات تعني الكثير وسيكون لها ما بعدها وبالتالي فان قرارات المحكمة الإدارية من الصعب ان يتم تجاهلها او التغاضي عن الترتبات السياسية لها خلال قادم الأيام والأسابيع…
  • ثالثا، لا يمكن البتة تغييب أن ما يجري من تطورات وحيثيات لن تكون لها اثر كبير ونوعي على هندسة المشهد السياسي المقبل في تونس وخاصة في افق نهاية سنة 2022 والواقع أن حكومة “بودن”/”سعيد” قد أوقعت نفسها في مطبات كثيرة وفتحت على نفسها كثير من الملفات والجبهات وخاصة بعد فتح معارك مع الاتحاد العام التونسي للشغل (وخاصة في جوان الماضي) قبل ان تنفرج الأمور لاحقا بزيارة “الطبوبي” للجزائر وأيضا منذ يومين بإمضاء الاتفاق الاجتماعي، وما يهمنا هنا أنه أمر سيظهر بل وسيتم وان بتدرج مع القضاة وجمعياتهم ونقاباتهم وممثليهم وخاصة في ظل تراجع موقع وزيرة العدل فعليا بل ان البعض يعتقد أنها قد تحمل وتتحمل أوزار كل ما جرى من جدل مع القضاة ويظهر ان ما كشفته الصحفية كوثر زنتور في احدى الاسبوعيات الصادرة الأسبوع الماضي ليس صدفة ولا هو منعزل عن التطورات في الساحة القضائية خاصة وان احتفال القضاة في ضاحية سكرة قد تم في أجواء احتفالية ودون أي تضييق يذكر من السلطات والتي خيرت عدم الرد او التعليق على قرارات المحكمة الإدارية…

 

  • رابعا، لن تقف الترتبات السياسيةعند هذا الحد بل ستتجاوزه إلى مربعات أخرى وربما من بينها ان يشمل التحوير الوزاري القادم وزيرة العدل الحالية عبر إخراجها من الحكومة (وربما تعيينها في مسؤولية ثانية في القصر او في احدى المؤسسات الإدارية او التخلي عنها نهائيا)خاصة وانها لم تبرز لها أي أنشطة تذكر منذ حوالي الشهرين، ورغم ابتعاد بعض قضاة من هيئة الانتخابات المعينة من طرف الرئيس ومسؤوليات أخرى فان القضاة قد يتم تقريب وجهات النظر مه هياكلهم مستقبلا ويتم دعم وجودهم في الحكومة القادمة أو حتى في المحكمة الدستورية قريبا وبعض مسؤوليات أخرى مما قد يمهد الى انهاء كامل للازمة معهم…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق