رأي

الثورة الوطنية الديمقراطية وسؤال العلمانية في مشهد الانحطاط العربي الرسمي الراهن

في مرحلة انحطاط الأنظمة العربية الراهن، تعيش القوى اليسارية الماركسية مرحلة هي ليست مرحلتها ولفترة قد تمتد لسنوات، الأمر الذي يفرض على هذه القوى مراجعة كل خطابها وأساليب ممارساتها وإعادة بناء تنظيماتها من خلال الحرص على الانتشار الفعال في أوساط جماهيرها، إذ أنه بدون هذا الشرط الأخير فلا مستقبل لها.

وفي مثل هذه الأوضاع، علينا أن نتحمل سلسلة طويلة من الأمراض الوراثية الناتجة عن بقاء أساليب إنتاج بالية، تخطاها الزمن، مع ما يتبعها من علاقات سياسية واجتماعية أضحت في غير محلها زمنياً، والتي تولدها تلك الأساليب، ففي مثل هذه الأحوال، ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء، وإنما بسبب الموتى أيضاً: “فالميت يكبل الحي”، هذا التحليل الذي قصد به ماركس الدولة الألمانية آنذاك، ينطبق على كل مجتمعاتنا العربية عموماً، وعلى جوهر الأزمة الاجتماعية فيها بشكل خاص، على الرغم من إدراكنا لخصوصية تطور كل من هذه المجتمعات، لكنها خصوصية لا تلغي السمات العامة المشتركة فيما بينها جميعاً من حيث تكريس مظاهر التبعية والتخلف والاستبداد والاستغلال، الطبقي في إطار العلاقات الرأسمالية الرثة السائدة فيها، ما يعني الضعف الشديد للحاضنة الاجتماعية الاقتصادية العربية في التفاعل مع مفهومي الديمقراطية والعلمانية وتطورهما، ما يتطلب من المثقف العربي الماركسي أن يتحمل دوراً رئيسياً في هذه العملية، وهي عملية مشروطة باستيعاب مفهوم المثقف ودوره في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة، فالمثقف الماركسي هو الحامل لرسالة، لموقف، لرؤية نظرية مستقبلية من ناحية وهو أيضاً المثقف العضوي، (في قلب الحزب الثوري) الذي يعمل على إنجاح المشروع السياسي والمجتمعي الخاص بالكتلة التاريخية المٌشَكّلة من العمال والفلاحين الفقراء، وهو “الداعية” “الاختصاصي” “المٌحَرِّض” “صاحب الايدولوجيا” أو حاملها، المدافع عن قضايا الحقوق والحريات، الملتزم بالدفاع عن قضية سياسية، أو قيم ثقافية ومجتمعية أو كونية، بأفكاره أو بكتاباته ومواقفه تجاه الرأي العام، هذه صفته ومنهجيته، بل هذه مشروعيته ومسئوليته تجاه عملية التغيير صوب تحقيق مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والثورة التي يدعو إليها.

وهنا، ارتباطاً بضعف الحاضنة الاجتماعية الاقتصادية العربية، أرى من المفيد الإشارة إلى تجربة المجتمعات الأوروبية في ظل استبداد النمط الإقطاعي فيها لأكثر من ألف عام، امتدت منذ القرن الرابع الميلادي حتى نهاية القرن السابع عشر، سادت فيها الفلسفة الإقطاعية التي كممت الأفواه وأغرقت أوروبا في الظلام عبر ثقافة اللاهوت الرافضة للعقل ولكل مبادئ وآليات البحث عن الحقيقة، حيث لم تتمكن المجتمعات الأوروبية الغربية الانتقال من النمط الزراعي الإقطاعي محدود الأفق إلى النمط الجديد الصناعي الرأسمالي بآفاقه المفتوحة، إلا عبر صراعات وتناقضات متراكمة ومتعددة الجوانب، الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية، تفجرت وتحولت نوعياً في القرن الثامن عشر معلنة ميلاد عصر النهضة والتنوير وبداية عصر جديد للبشرية، بعد أن تم حسم انتصار المعركة الفكرية والتنويرية الديمقراطية العلمانية عبر تلك الصراعات.

لكن ولادة هذا العصر لم تكن عملية سهلة في المكان أو الزمان، ولم تتم أو تظهر معالمها دفعة واحدة، أو اتخذت شكل القطع منذ اللحظة الأولى مع النظام أو الحامل الاجتماعي القديم، إذ أن هذا الانقطاع لم يأخذ أبعاده في الانفصام التاريخي بين العصر الإقطاعي القديم، وعصر النهضة والتنوير الجديد، إلاَ بعد أربع قرون من المعاناة شهدت تراكماً مادياً وفكرياً هائلاً من جهة، وتحولات ثورية في الاقتصاد والتجارة والزراعة والمدن كانت بمثابة المُحَفِّز لانتشار فكر النهضة والإصلاح الديني والتنوير من جهة والتلاحم مع هذه المنظومة الفكرية العقلانية العلمانية المتحررة الجديدة من جهة أخرى، تمهيداً للثورات السياسية البرجوازية في القرن الثامن عشر (في فرنسا وبريطانيا وهولندا وألمانيا) التي أنجزت كثيراً من المهمات الديمقراطية لمجتمعات أوروبا الغربية.

لقد كان نجاح هذه الثورات بمثابة الإعلان الحقيقي لميلاد عصر النهضة والتنوير أو عصر الحداثة والعلمانية والديمقراطية والمواطنة، ففي هذا العصر انتقلت أوروبا الغربية من مجتمع الطبيعة المحكوم بنظرية الحق الإلهي إلى المجتمع المدني، مجتمع الديمقراطية والثورة العلمية الكبرى.

ومع بزوغ عصر النهضة، كان لفلسفة الإقطاع اللاهوتية الظلامية، أن تسير في درب الانحطاط في ظروف بدأ يتعزز فيها انتشار مفاهيم التنوير والعقلانية والعلم والديمقراطية، ترافق كل ذلك مع تغيرات ثقافية وفكرية رحبة، كسرت الجمود الفكري اللاهوتي السائد، وأدت إلى “تهاوي استبداد الكنيسة في عقول الناس” وإخفاق وتراجع نفوذ الكنيسة الاقتصادي والسياسي ، وظهور مجموعات من المثقفين البرجوازيين قطعوا كل صلة لهم بالكنيسة واللاهوت الديني المذهبي ، وارتبطوا مباشرة بالعلم والفن ، وقد سمي هؤلاء بأصحاب النزعة الإنسانية “HUMANISM”، (وهو مصطلح نورده هنا لأهميته إذ أنه دل آنذاك على الثقافة الزمنية في مواجهة الثقافة اللاهوتية الرجعية)، وقد أخذ هؤلاء المثقفون من أصحاب النزعة الإنسانية على عاتقهم، معارضة ونقض المفاهيم والعلوم الدينية الكنسية، عبر نشر علومهم الدنيوية التي كانت بالفعل أقرب إلى التعبير عن مزاج البرجوازية الصاعدة آنذاك، ومن ثم بزوغ النمط الرأسمالي معلناً إشراقة عصر جديد، سُمّيَ عصر البعث renaissance الذي تولت قيادته ووجهت مساره الطبقة البرجوازية الصاعدة آنذاك، وفق قواعد الليبرالية والديمقراطية والعلمانية ومفاهيم الحداثة والتقدم العلمي.

إن غايتي من وراء الإشارة إلى نهوض المجتمعات الأوروبية في عصر النهضة، تتجلى في أن انحياز المثقف اليساري العربي لمفاهيم الحداثة والعلمانية والتنوير والنهوض الديمقراطي، تستهدف الإسهام المعرفي في استنهاض مجتمعاتنا العربية، لكن هذه العملية ستصطدم لا محالة بالواقع الاجتماعي الاقتصادي الذي تتغلغل فيه –حتى اللحظة – الأنماط وأساليب الإنتاج القديمة، الإقطاعية والقبلية، التي تختلط بالعلاقات الرأسمالية الرثة والتابعة، بما يكرس أوضاع التخلف الاجتماعي والثقافي، التي تتيح بدورها كل العوامل والمقومات المطلوبة لاستمرار بقاء الشرائح الاجتماعية الطبقية العشائرية والعائلية والكمبرادورية والبيروقراطية، واستمرار ممارساتها الاستبدادية والقمعية حفاظاً على مصالحها الطبقية وبقائها في الحكم. فعلى الرغم من دخولنا بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، إلا أن مجتمعاتنا العربية ما زالت في زمان القرن الخامس عشر قبل عصر النهضة، أو في زمان ما قبل الرأسمالية، وبالتالي غربة مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والمواطنة عن هذه المجتمعات، وذلك يعود إلى رثاثة العلاقات الرأسمالية في بلادنا وتبعيتها وطابعها التجاري الوسيط – الكومبرادوري والخدمي غير المنتج، علاوة على أن معظم شرائح “البورجوازية” في بلادنا هي وليدة الطبقة شبه الإقطاعية وامتداد لمصالحها، وهي بحكم تبعيتها وطابعها التجاري، حرصت على تكريس مظاهر التخلف الاجتماعي عبر تكيفها مع الأنظمة الاوتوقراطية والثيوقراطية الحاكمة، والشواهد على ذلك كثيرة، فالمجتمع العربي لم يستوعب السمات الأساسية للثقافة العقلانية أو ثقافة التنوير، بمنطلقاتها العلمية وروحها النقدية التغييرية، وإبداعها واستكشافها المتواصل في مناخ من الحرية والديمقراطية، ففي غياب هذه السمات، يصعب إدراك الوجود المادي والوجود الاجتماعي والدور التاريخي الموضوعي للتطور أو التبلور الطبقي، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الوعي بالظلم الطبقي لدى جماهير العمال والفلاحين الفقراء واستمرار هيمنة أوضاع التخلف الاجتماعي في أوساطهم، وتعطيل إدراكهم بوجودهم الطبقي المتميز، إدراكاً ذاتياً جمعياً يلبي احتياجات التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي على المستوى ال قطر ي أو على المستوى العربي العام، ولعلنا نتفق أن السبب الرئيس لهذه الإشكالية الكبرى، يكمن في طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التاريخية والمعاصرة، باعتبارها نتاج وامتداد لأنماط اقتصادية/اجتماعية من رواسب قبلية وعشائرية وشبه إقطاعية، وشبه رأسمالية، تداخلت عضوياً وتشابكت بصورة غير طبيعية، وأنتجت هذه الحالة الاجتماعية/الاقتصادية المعاصرة، المشوهة، والمتخلفة، والتابعة.

ففي هذا الزمن الذي يعيش فيه العالم، زمن الحداثة والعولمة وثورة العلم والمعلومات والاتصال، يشهد مجتمعنا العربي عودة إلى الماضي عبر تجديد وإعادة إنتاج عوامل التخلف فيه، فهو مجتمع غير متبلور طبقياً، مرحلي، انتقالي، تراثي، قدري بصورة عفوية، تتجاذبه حركات اليمين العلماني والرجعي بمختلف مسمياتها، شخصاني في علاقاته الاجتماعية، يعيش حتى الوقت الحاضر مرحلة ما قبل المرحلة الصناعية والتكنولوجية، وبالتالي مرحلة ما قبل الحداثة.

أما على الصعيد الداخلي الاجتماعي، فإن “الفجوات بين الطبقات الثرية والميسورة والمحرومة، تزداد اتساعا وعمقا، وفي ظل هذه البنية الطبقية الهرمية التي تحتكر فيها القلة السلطة وثروات البلاد، تعاني الجماهير الفقيرة حالة تبعية داخلية شبيهه بالتبعية الخارجية ومتممة لها، فتمارس عليه وضده مختلف أنواع الاستغلال والهيمنة والقهر والإذلال اليومي”.

أمام هذا الواقع المعقد والمشوه، وفي مجابهته، ندرك أهمية الحديث عن مفاهيم العلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني، والنضال من أجل تطبيقها وتوعية الجماهير بها، ولكن بعيداً عن المحددات والعوامل الخارجية والداخلية، المستندة إلى حرية السوق والليبرالية، لأننا نرى أن تعاطينا مع هذه المفاهيم وفق النمط الليبرالي، فرضية لا يمكن أن تحقق مصالح جماهيرنا الشعبية، لأنها تتعاطى وتنسجم مع التركيبة الاجتماعية-الاقتصادية التابعة والمشوهة من جهة، ويتم استخدام مضامين هذه المفاهيم في الإطار السياسي الاجتماعي الضيق للنخبة الطبقية ومصالحها المشتركة في إطار الحكم أو خارجه من جهة ثانية.

إن إدراكنا لهذه الفروق الجوهرية، يدلنا على كيفية التعامل مع هذه المفاهيم، وأية مفاهيم حداثية وتقدمية أخرى، وفق خصوصية تطورنا الاجتماعي التاريخي والمعاصر، المختلفة نوعياً عن مجرى وطبيعة التطور في البلدان الغربية، وما يتطلبه ذلك الإدراك من تحويل في المفاهيم بحيث تصبح مقطوعة الصلة مع دلالاتها السابقة، التي تمحورت فقط عند الإشارة إلى الديمقراطية والعلمانية كضرورة في خدمة عمليات التنافس الاقتصادي بين الأفراد على قاعدة حرية السوق في إطار الليبرالية الجديدة وآلياتها المتوحشة في نظام العولمة الراهن.

فالعَلْمانية، بالنسبة لي هي: مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، الدولة لا تمارس فيه أية سلطة دينية، كما أن المراجع الدينية لا تمارس أية سلطة سياسية، بمعنى الفصل بين الزمني والروحي، بين الدولة والدين، أي بين الاختصاصات الدنيوية والاختصاصات الدينية، كما أن الدولة العلمانية ليست دولة لا دينية، بل هي دولة لا طائفية، ليست هي الدولة التي تنكر الدين، بل هي الدولة التي لا تميز دينا على دين، ولا تقدم أبناء طائفة على أبناء طائفة أخرى، ولا تخص بعض وظائف الدولة بأبناء طبقة بعينها دون سائر الوظائف.

هذا من الناحية القانونية، أما من الناحية الفلسفية والمعرفية، فإن أقصى ما تعنيه العلمانية ليس الإلحاد أو نفى وجود الله بل “تأسيس حقل معرفي مستقل عن الغيبيات والافتراضات الإيمانية المسبقة”. وبكلمة واحدة، إن العلمانية ليست نفيا للاعتقاد، بل هي تحرير له من القيود والإكراهات الخارجية. ولا غرو بالتالي أن يكون الفكر الديني الحديث قد عرف في ظل العلمانية تطورا في العمق ما أتيح له أن يعرفه في ظل الأنظمة الثيوقراطية.

ووفق هذه الرؤية، فإن موقفنا الموضوعي تجاه مفهوم العلمانية يقوم على الأسس التالية: 1- تامين الحرية الدينية. 2- فصل الدين عن الدولة. 3- اعتبار الشعب أو المجتمع مصدر التشريع والقوانين. 4- تعزيز المحاكم المدنية العامة لضمان المساواة التامة في الحقوق والواجبات. 5- عقلنة الدولة والمجتمع وتعزيز الثقافة العلمية العقلانية وفق الآليات الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية. 6- تحرير الدين من سيطرة الدولة وإساءة استعماله لأغراض سياسية، وكذلك تحرير الدولة من هيمنة المؤسسات الدينية.

وفي هذا الجانب، نشير بوضوح، إلى أن العلمانية “ليست مذهبا فلسفيا، بل مذهب قانونى – سياسي بالدرجة الأولى، ولكنها غير منقطعة الصلة بالفلسفة، لأنها في جانبها النظري نتاج للنظر العقلي، ولأنها في جانبها العملي تنبثق عن جملة من الممارسات والإشكاليات التي تتصل بالعلاقة بين الدين والدولة، بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية، وبالتالي وفي التحليل الأخير بين الثيولوجيا والانثروبولوجيا، أي بين الإلهيات والإنسانيات”.

في ضوء ما تقدم، فإن العلمانية بالنسبة لي، لا تعني عقيدة لا دينية، ولا استبعاد الدين من الحياة العامة، ولا تقييد الحريات الدينية، فالحرية الدينية والفكرية وحرية الرأي شرط أول ومطلق، وبانتفائه تنتفي العلمانية من أساسها، فالعلمانية والديمقراطية عملية واحدة مترابطة، تضمن المساواة الكاملة بين مواطنيها بصرف النظر عن اعتقاداتهم، ولنا في ذلك مثال صارخ، يتجلى في تجربة المجتمعات الأوروبية الغربية الديمقراطية العلمانية، التي تسمح بالتدين وعدم التدين أو الإلحاد في آن واحد، وهذا هو جوهر العلمانية بالضبط، ففي فرنسا مثلا –كما يقول هاشم صالح- “يمكن لأي شخص أن يمارس طقوس دينه سواء أكان مسيحيا أو مسلما أو يهوديا أو بوذيا، ولكن يمكنه أيضا ألا يمارسها على الإطلاق! ويظل مع ذلك مواطنا يتمتع بكافة الحقوق، فالحرية لا تكون في اتجاه واحد فقط، وإلا فليست حرية، فكل متدين مواطن بالضرورة، ولكن ليس كل مواطن متدينا بالضرورة، ولا يحق مثلا لجاره المتدين أن يعيّره بذلك أو أن ينظر إليه شذرا وكأنه كافر أو فاسق لأنه يختلف عنه، وفي هذا الجانب، ماذا نفعل بطبيب ناجح يداوي الناس بالمجان أحيانا ولكنه غير متدين أو لا ينتمي إلى طائفتنا أو مذهبنا؟ هل نكفره ونعدمه ونخسر كفاءاته؟ وقس على ذلك المهندس والخبير الاقتصادي والعالم الفيزيائي والفيلسوف والصحافي الخ”..

وهنا بالضبط تتبدى الضرورة التاريخية التي تستدعي من القوى اليسارية الماركسية في بلدان مشرق ومغرب الوطن العربي ، تركيز أهدافها ومهماتها النضالية، السياسية والمجتمعية، باتجاه تغيير وتجاوز هذا الواقع، وأن تتحمل مسؤولياتها الكبرى، في كونها تشكل في هذه المرحلة طليعة الحامل الاجتماعي الديمقراطي الثوري على طريق النهوض والتقدم الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، شرط أن تبادر أولاً إلى نشر وتعميق الوعي داخل تنظيماتها، بمفاهيم التنوير والعلمانية والديمقراطية والحداثة، والثورة والفكر الماركسي المتجدد واستخدامه من أجل تغيير الواقع الراهن وتجاوزه.

فبالرغم من نضالنا من أجل تكريس الحريات الفردية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية من منظور طبقي ماركسي، إلى جانب إيماننا العميق بأولوية العلمانية في سياق التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في مجتمعاتنا العربية، إلا أننا نرفض الوقوف عند حدود الديمقراطية السياسية، بمثل ما نرفض استخدام العلمانية بدون الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي معاً، فالعلمانية والديمقراطية، بالنسبة لكافة قوى اليسار الماركسي، هما مفهومان مترابطان لا يجوز فصل أحدهما عن الآخر، لأن استخدام العلمانية وحدها يفتح الأبواب مشرعة أمام الاستبداد والتفرد بالحكم، وبالتالي فإن التطبيق الإكراهي للعلمانية ، لا يعدو كونه مظهراً  بشعاً من مظاهر الاستبداد الدكتاتوري الفردي والشمولي، من هنا يمكن تفسير فشل الأنظمة الشمولية ذات الحزب الواحد، وتفسير كراهية وحقد وتمرد جماهير شعوبنا على أنظمة التبعية والاستغلال والاستبداد والتطبيع، الخاضعة  لشروط التحالف الامبريالي الصهيوني، وبالتالي فإن من واجب القوى الثورية الماركسية في كافة اقطار الوطن العربي، المبادرة الى مزيد من تفعيل دورها في توعية الجماهير الشعبية، وتنظيمها، لمواصلة النضال من اجل تحقيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية، كخيار مرحلي واستراتيجي وحيد، ذلك أن بقاء مظاهر الانحطاط وتراكماتها لا يعني سوى فتح الأبواب مشرعه أمام الثورة المضادة وقوى اليمين، وفي ضوء ذلك أعيد التذكير بشعار المناضلة الشيوعية الألمانية الباسلة روزا لوكسمبورغ: الاشتراكية أو البربرية.

إن إيماني بآفاق المستقبل الواعد للجماهير الشعبية العربية الفقيرة، على طريق النضال من أجل تحقيق الثورة الوطنية بآفاقها الاشتراكية، لا يعني أنني أؤمن بحتمية تاريخية يكون للزمان والمكان دوراً رئيسياً وأحادياً فيها، بل يعني تفعيل وإنضاج عوامل وأدوات التغيير الثورية التقدمية الحديثة والمعاصرة، والاستجابة لمبرراتها وأسانيدها الموضوعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الطبقية الملحة من قلب واقعنا الراهن.

المصدر :  الهدف بتاريخ 31 يوليو 2022

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا       

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق