تحاليلليبيا

ليبيا : التغيير السياسي والاشتباك الثقافي الفكري..

سراج دغمان : باحث ليبي 

دائمًا ما يسبق أي تغيير سياسي ظاهرة اشتباك الأفكار السياسية والثقافية في حركة المجتمع وثم يأتي التغيير مرتبط بالمرحلة السياسية والفكرية وموقف النخبة منها والمنظومة العميقة للدولة والحدث الدولي العام الذي يأتي لصالح تيارات دون الأخرى ..

فعندما نعود للذاكرة الوطنية في زمن الاستقلال سنجد أن الاستقلال لم يأتي من العدم بل هو ناتج حراك ثقافي وسياسي وعسكري واجتماعي خاضتهُ قامات وطنية عظيمة من كل ربوع الوطن الليبي فحركة المقاومة الوطنية للاستعمار نتج عنها مناخ وطني سبق وتزامن مع المتغيرات الدولية في تلك المرحلة الهامة من تاريخ العالم والتي اتت رياحها بما يخدم قضية الاستقلال

فكانت المفاهيم العامة حاضرة والقاعدة التي يقف عليها مشروع الاستقلال موجودة فلم تولد من العدم وبتالي تزامن التغيير مع وجود مناخ ثقافي وفكري عام صنع الدولة الليبية في ذلك الوقت بنموذج كان هو الأمثل لو استمر مع الإصلاح والتطوير فالإصلاح والعدل هما الدورة الدموية للنظام الحاكم والدولة

وعندما نعود لإنقلاب 1969م الذي قادهُ العقيد القذافي لم يكن ناتج العدم كذلك فقد سبق الانقلاب حراك سياسي وثقافي واجتماعي وأحداث دولية شكلت مناخ جديد أنتج البُنية الشعبية التي باركت بشكل أو بأخر الإنقلاب العسكري الذي أطاح بالشرعية الملكية

فكانت أمواج المد الناصري طاغية في ذلك الوقت ولا يستطيع أي مشروع أن يتصدى للمد القومي الناصري في تلك الفترة حيثُ كانت بنغازي ناصرية الهوى في ذلك الوقت وذلك لعدة عوامل منها الهالة الناصرية الطاغية في الشرق الأوسط في مشروع المقاومة ضد الكيان الصهيوني والمناداة بتحرر الطبقات الفقيرة والمهمشة وما إلى ذلك من شعارات لم ترى حركة التاريخ حقيقتها الفاعلة وكذلك قد عانت ليبيا من الطبقات المالية التي جائت بعد اكتشاف النفط فقد شَكَّلت صراعًا عميقًا في منظومة الحُكم وكانت بادرة للفساد المالي والنزاع مع تراجع الطرح الفكري والتجديدي للملك رحمه الله بينما كان الشارع السياسي في ليبيا ينتهج طريقًا أخر بعيدًا عن العرش الملكي..

والتأثير الفكري الذي جاء في تلك المرحلة من الشرق الأوسط سبب بداية الشرخ في المنظومة الإجتماعية في الوطن الليبي ما بعد الاستقلال فعندما نجح الإنقلاب العسكري في 1969 تحول المجتمع الليبي من الحراك السياسي الحُر الفَعَّال إلى الجمود الذي فرضتهُ البندقية وثقافة البوليس والأمن والقمع التي حالت دون استكمال تطور المجتمع المدني والسياسي في ليبيا بطريقة طبيعية بحيث تتراكم التجربة العامة للمجتمع والنخبة مُتماشية مع تطورات الحدث العالمي الذي لم يتوقف عن التغيير

وفي عام 1973م وبعد خطاب زوارة تغير كل شيء وتوقف العقل الليبي أو بالأصح أُوقف العقل الليبي عن التجديد والتفكير والعمل والتطور فانقسم المجتمع إلى طبقة حاكمة ذات نفوذ قبلي وذات سلطة أمنية شمولية واسعة وتحالفات اجتماعية من منظور القبيلة وإلى طبقة محكومة مضطهدة تم افقارها واسكاتها والسطو على حقوقها

وهنا تأتي مسؤولية نظام العقيد القذافي في عزل الدولة والمجتمع عن التطور الذي يصنعهُ الحراك السياسي الحُر ..
وتمكين ثقافة المغالبة داخل الكيان الليبي والفكر السلطوي الذي تحالف مع المنظومة القبلية والأمنية ليشكل واقع متناقض لمدة تكاد تصل إلى نصف قرن حيثُ عاشَ النظام بازدواجية قاتلة فكان يُصدر دور الأيدلوجية السياسية والفكرية للبُعد الدولي والإقليمي وكان يحكم الداخل بثقافة ما قبل الدولة

فتحولت المدن في الساحل الليبي إلى قِلاع يحكمها المُخبرين تُحيط بها الصحراء من كل جانب فكأنَّها قد سلبتها جغرافية الحاكم من جغرافية المكان والتاريخ فقد ابتعدت عن عالم البحر وثقافة البحر وروح البحر المُتجددة ومع هذا لم تتوقف المدينة في الوطن الليبي من مواجهة الشمولية الحاكمة وكانت بنغازي دائمًا في طلائع المقاومين فهي مَخبأ التاريخ السياسي والاجتماعي الليبي وعنصر مُقاومة عنيد لا ينكسر وكانت وستظل أهم موطن للتغيير السياسي والثقافي في ليبيا ..

وعند الوصول لأحداث ثورة فبراير كان الحدث التاريخي قائم وبقوة فبنغازي قادة باقي المدن للتمرد والثورة وكأنها تُصحح الخطأ القديم فهنا ولد القذافي سياسيًا وهنا سيموت بعد صراعها الطويل مع نظام القذافي فقد رفعت علم الاستقلال على محكمتها المُطلة على المتوسط ورفعت صورة الملك الراحل إدريس السنوسي رحمه الله وجائت بنشيد الاستقلال وكونت المجلس الوطني الانتقالي كجناح سياسي موازي لسلطة العقيد ولكن غاب عنها أن تحفظ هذا المُنجز  بدستور الاستقلال من أيدي اللصوص العابثين

وهذه الأحداث سبقت التدخلات الدولية التي لم تأتي بخير على الوطن الليبي وقَسَّمت أبناء الشعب الواحد إلى منتصرين ومهزومين ومع هذا التقسيم الاجتماعي الخطير لايمكن بناء دولة ولا بقاء وطن فليس في الوطن منتصر ومهزوم

فكانت الأحداث ردت فعل من التاريخ من بقايا المدينة في ليبيا عن أخطاء قاتلة قام بها نظام القذافي إتجاه الدولة والمجتمع الليبي ولم تكن ثورة فبراير ناتجة عن حراك سياسي وثقافي سبق التغيير بل استمرت الحركة السياسية فيما بعد نجاح الثورة بمناخ شبيه لما كانت عليه فلسفة الحكم في زمن ما قبل الثورة بل ربما كانت النتيجة أسوء بكثير مقارنة بوضع ليبيا قبل ثورة فبراير 2011  بل ربما لا مقارنة بين الوضع الراهن والوضع الماضي فقديمًا كانت الغاية في وطن أكثر حرية وأكثر حضارة وتقدم ونمو أمَّا اليوم فالغاية أن يبقى الوطن ..!!

وإذا ما استمر هذا العجز في عدم خلق منظومة قيم جديدة فكرية وثقافية تُسهم في صناعة واقع فكري جديد للمجتمع سنكون في وضع أسوء بعد سنوات بل ربما لو انعدم المنطق الفكري لدى المجتمعات تزول بشكل نهائي

وهناك أخطار حقيقية يعيشها العالم اليوم ناتج صراع أقطاب الأفكار والسياسات والثقافات والأمم الحية والمشاريع الاستراتجية وأخشى أن نكون ضحية لصراع الكبار داخل الوطن الليبي بشكل أكثر حِدة مما شاهدناه من قبل ونفقد حينها استقرار وهدوء الماضي وأمل المستقبل

وإذا ما قارنَّا واقع التغيير لدينا مع محيطنا الجغرافي من الشقيقة مصر والشقيقة تونس فسنجد أن سبب عدم الدخول في الفوضى المُجتمعية وسقوط مفهوم الدولة عائد أن التغيير السياسي سواء في عام 2011 أو ما بعده من مفترقات ومتغيرات مختلفة كان منتوج لحركة فكرية وثقافية واجتماعية هي من شَكَّلت وصاغت التغيير السياسي وبتالي بقى كيان الدولة قويًّا غير مجزء ..

ويبدو أن المرحلة القادمة في ليبيا في ظل غياب المشروع الوطني المحلي المُستقل لن تكون سهلة ولن تكون يسيرة في ظل هذا الصراع العالمي العميق والذي لم نشاهد إلى الآن سوى بداياتهِ ولكي يكون هناك مستقبل للكيان الليبي يجب علينا أن نثور ونهدم ثقافة الصحراء وسلوكها ونجعلها ماضي و نمضي نحو البحر حيثُ الحضارة المُتجددة والمجتمعات الحية والتعددية الفكرية والنمو المعرفي والنُظم الديمقراطية والقيم الإنسانية الحديثة التي تصنع الإنسان ولا تُمِيتهُ ..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق