تحاليلتونس

سيناريوهات 25 تموز/يوليو 2022 في تونس: غموض ما بعد الاستفتاء

يُسَجِل الاستفتاء يوم 25 تموز/يوليو 2022 محطة جديدة مهمًة في تاريخ تونس. يهدف هذا المقال إلى تحديد السيناريوهات المختلفة، وتحليل نتائجها، ويدرّس دور المتدخّلين فيها ودرجة احتمال حدوثها.

يُسَجِل يوم 25 تموز/يوليو 2022 محطة جديدة مهمًة في تاريخ تونس. فبعد إعلان ذلك منذ عدة أشهر، سيُنَظم الرئيس قيس سعيد  في هذا اليوم استفتاء حول مشروع نص جديد للدستور، لم يُكشف عنه إلا في 30 حزيران/يونيو 2022، أي قبل أقل من شهر من موعد الاقتراع. هذا التغيير الجذري في مسار البلاد، يدفعها برمتها نحو الغموض ويزيد من تعميق انقسامات المجتمع، بين مؤيدي الرئيس الذين يرون فيه البوابة التي تنقُل تونس إلى حقبة جديدة من تاريخها، وبين منتقديه الذين يعتبرون ما يقوم به الرئيس هو إعلان عن نهاية التحوّل الديمقراطي الذي انطلق في عام 2011 وفي الأخير، بقية التونسيين الذين أنهكتهم التوترات السياسية، فضلًا عن تحملهم وطأة أزمة اقتصادية كبرى.

هذا التذبذب في الحياة السياسية التونسية يفتح الطريق أمام العديد من السيناريوهات التي تنطوي كلها على عواقب وخيمة للأسف وتنذر في جميع الحالات بانقسامات في المستقبل، بل واحتمال نشوب أزمات أعمق. يهدف هذا المقال إلى تحديد السيناريوهات المختلفة، وتحليل نتائجها، ويدرّس دور المتدخّلين فيها ودرجة احتمال حدوثها.

لقراءة ملخص هذا المقال بالأشكال: الاستفتاء على الدستور في تونس

رمزية 25 تموز/يوليو وعناصر من سياق الأحداث

يبدو أن موعد هذا الاستفتاء يندرج مرة أخرى، ليست الأولى ولا الثانية، في التاريخ التونسي الحديث. بعد تحديده لأول مرة، كيوم لتخليد تأسيس الجمهورية التونسية، المعلن في 25 تموز/يوليو 1957 بعد خلع باي تونس، عاد هذا التاريخ في عام 2019 لإحياء ذكرى وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي. هذا الأخير، وهو أول رئيس تونسي منتخب ديمقراطيًا، قد توفي أثناء ممارسة لمهامه قبل أشهر قليلة من انتهاء مدّته. فرضت وفاته تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، تمخّضت عنها فوز قيس سعيد ليباشر مهامه في السلطة في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

وقد انتهز الرئيس سعيد نفسه الفرصة لتوظيف تاريخ 25 تموز/يوليو 2021 مرة أخرى لإقالة الحكومة التي عيّنها بنفسه قبل أكثر من سنة، وحلّ مجلس نواب الشعب وترأس النيابة العمومية. وردًا على وضع سياسي واقتصادي وصحي حرج، وضعت هذه القرارات حداً للديناميكيات السياسية والمدنية القائمة منذ عام 2011 وشلت حركة جميع الأطراف السياسية والمدنية تقريبًا. يصادف تاريخ 25 تموز/يوليو2021 أيضًا انطلاقة سلسلة من القرارات والتدابير، تهدف إلى الاستيلاء على مختلف السلطات، وتكميم كل الأصوات المعارضة، وتحقيق استقرار المؤسسات في أعقاب الانقلاب.

في كانون الأول/ديسمبر 2021، أعلن الرئيس إجراء استفتاء على دستور جديد، على أن يتم في 25 تموز/يوليو 2022 بمناسبة الذكرى الأولى للانقلاب، وعن تنظيم الانتخابات التشريعية الجديدة في كانون الأول/ديسمبر 2022. وفي الوقت نفسه، أعلن عن تنظيم استشارة وطنية عبر الإنترنت حول أولويات التونسيين وتصوراتهم. هذه القرارات المعلنة من قبل الرئيس، تم تقديمها من قبل أنصاره ومؤيديه، في آذار/مارس 2022، على أنها نجاح من حيث اشتمالها كافة فئات المجتمع، على الرغم من أن عدد المشاركين فيها لم يتجاوز 520 ألف مواطن فقط، رقم أقل حتى من عدد الناخبين الذين صوتوا لقيس سعيد في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية في عام 2019 (حوالي 620.000 ناخب)، بما يُشكل أقل من 10٪ من الكتلة الانتخابية للبلاد.

منذ بداية عام 2022، ضاعف الرئيس هجماته ضد كل مؤسسة يمكنها أن تعيق قراراته وتُشكل له قوة معارِضة: تم حل المجلس الأعلى للقضاء في شباط/فبراير، وتقديم مشروع نص قانون بالغ التقييد والقمع للحريات لتعديل التشريعات الخاصة بحرية تكوين الجمعيات، فضلًا عن الملاحقات القضائية لنواب سابقين من مجلس ممثلي الشعب (ARP) أو وضعهم رهن الإقامة الجبرية أو منعهم من مغادرة أرض وطن. الملفت للنظر أن عمليات القمع والمضايقات من طرف الشرطة ضد النشطاء والحركات الاجتماعية، هي الأشد من نوعها خلال السنوات الأحد عشر من التحول الديمقراطي، وقد نجم عنها طرد أكثر من خمسين قاضيًا من مناصبهم، معظمهم بسبب رفضهم الانصياع لمطالب السلطة التنفيذية.

في 30 حزيران/يونيو 2022، نشرت رئاسة الجمهورية مسودة مشروع الدستور، الأمر الذي أثار انتقادات كبيرة. نصت المسودة الجديدة على ترسيخ الإسلام كدين للدولة، وتقييد غير عقلاني وغير متناسب للحقوق والحريات الأساسية، وتضمّن هذا النص إخلالات صارخة في السلطات، نجد من ضمنها استحالة محاسبة الرئيس أمام البرلمان الذي تم تحويله إلى مجرد مكتب تسجيل، وسلطة قضائية منزوعة الصلاحيات وتراجعها لتنزل إلى مرتبة “وظيفة” ، والتخلّي على اللامركزية والعدالة الانتقالية، اللذان يشكلان ركيزتان أساسيتان للمرحلة الانتقالية، وما إلى  ذلك. واصل الرئيس سعيد من خلال هذا النص عملية اقتلاع جذور التحوّل الديمقراطي الذي ينوي تفعيله في 25 تموز/يوليو 2022 بالتصويت الشعبي. تم نشر نسخة ثانية من نص الدستور في 8 تموز/يوليو، أدْخِلت عليها العديد من التعديلات التي بررها الرئيس بوجود “أخطاء إملائية وترقيمية”، وقد وصف هو نفسه هذا “النوع من الخطأ” بأنه “عادي جدًا وشائع، ويحدث عند نشر جميع النصوص القانونية، وفي الأحكام والقرارات القضائية”، غير أن المخاطر الرئيسية لا تزال قائمة، في وقت انطلقت فيه الحملة الداعمة للاستفتاء.

وبذلك يكون الرئيس سعيد قد عزم أمره واختار من خلال مشروع الدستور الجديد، ليس معارضة المحتوى فحسب ولكن أيضًا معارضة الاجراءات والتي  اتّبعها المجلس الوطني التأسيسي ANC) في عام 2011): وفي معارضته للمجلس الوطني التأسيسي  المنتخب والمفتوحة أمام المجتمع المدني والمواطنين، والمنظّم للنقاشات الواسعة وعمليات التصويت المنقولة عبر التلفزيون الوطني، وإدارة الندوات والمؤتمرات والمشاورات وجلسات الاستماع والزيارات الميدانية، قدم الرئيس نصًا جديدًا، اعتمدته لجنة الخبراء التي عيَّنها بنفسه، قبل أن يتنصل منها في نهاية المطاف.

سواء تعلق الأمر بالمضمون أم  بالاجراءات، رسخ قيس سعيد على مدى شهور من حكمه، بوعي منه وبشكل لا إرادي، فكرة تفيد بأن هذا الاستفتاء سيكون استفتاءً حول شخصه وولايته أكثر منه سؤال حقيقي حول موافقة المواطنين على الدستور الجديد أو رفضهم له.

آخر عنصر في سياق الأحداث، عيّن الرئيس في 9 أيار/مايو 2022 تشكيلة جديدة للهيئة العليا المستقلة للانتخابات (ISIE). وهذه الهيئة، المكلفة بتنظيم الاستفتاء، مسؤولة مباشرة أمام رئيس الجمهورية. وشرعت هذه الهيئة في شهر حزيران/يونيو بالتسجيل التلقائي لأكثر من مليوني ناخب جديد لم يتم تسجيلهم من قبل، ثم دعت الجهات الفاعلة السياسية والمدنية الراغبة في القيام بحملتها، للتسجيل في الحملة ونشرت قائمة الأشخاص الطبيعيين والمعنويين المخولين للقيام بالحملة، في ظل هيمنة قوية، للمؤيدين لمشروع الدستور الجديد.

السيناريوهات المحتملة ليوم 25 تموز/يوليو

أدى الغموض السياسي القادم، الذي يُغرِق البلد منذ أشهر، إلى صعوبة التكهن بأي تنبؤات، سواء أتعلق الأمر بنتائج الاستفتاء أم بتداعياته. وانطلاقًا من هذا المشهد، يمكن تصور السيناريوهات التالية باعتبارها، مآلات محتملة، لكن لا تحظى كلها بنفس الحظ.

هناك قبل كل شيء عاملين رئيسييَن يجب أخذهما بعين الاعتبار: نسبة المشاركة ونتيجة التصويت. بالنظر إلى حجم كتلة الناخبين، التي تتجاوز حاليًا تسعة ملايين ناخب، سوف تكون رمزية الاستفتاء مختلفة تمامًا بحسب عدد التونسيين الذين سيتوّجهون إلى مراكز التصويت، وهل يقتصر الأمر على أقلية من التونسيين أم الأغلبية. من شأن نسبة المشاركة أن تؤكد أو تدحض فحوى الخطاب الرئاسي المروّج له منذ شهور حول “الدعم الشعبي” للرئيس و”الشعب يريد” التي يشير إليها قيس سعيد في كل خطاباته. وبالنظر إلى خلو الشوارع وهجرانها من قبل المتظاهرين من كلا الجانبين في جميع أنحاء البلاد وانخفاض المشاركة في الاستشارة الوطنية عبر الإنترنت، أصبح هذا الاستفتاء يشكل اختبارًا حاسمًا للرئيس.

وبالمثل، سواء فاز التصويب بـ”نعم” أو بـ”لا”، فلا شك أن قيمة هذه الإجابة من الناخبين سوف تُظهر الفرق الهام في نظر المجتمع والمراقبين المحليين والدوليين. هناك فرق شاسع، على سبيل المثال، بين تصويت “بنعم” وبمشاركة 51٪ من الناخبين، و”نعم” مسجلة بمشاركة حوالي 75٪ من الناخبين، أو “نعم” بنسبة 99٪. في الأخير، يتعلق الأمر بضرورة التفكير في بعض الاحتمالات التي لا تزال قائمة، والتي تتمثل في تأجيل الاستفتاء أو إلغائه.

سيناريوهات “النعم”: احتمال كبير في دفع تونس نحو “طريق التخلي عن التحوّل الديمقراطي”

في ضوء منشورات الرئيس وتدخلاته على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام في الفترة بين شهري أيار/مايو وتموز/يوليو، يبدو أن أنصار سعيد شبه مطمئنين بانتصار “النعم”. في خضم ذلك، يواصل الرئيس الحديث في خطاباته الشعبوية حول أهمية التغيير الدستوري، رغم أن استطلاعات الرأي (سيجما آذار/مارس 2022، وإلكا نيسان/أبريل 2022) تضع هذه المواضيع في أسفل قائمة أولويات واهتمامات التونسيين، في مرتبة بعيدة جدًا عن مسائل الاقتصاد والقدرة الشرائية والديْن العمومي والتضخم.

أي انتصار لـ “نعم”، بصرف النظر عن ظروف تحقيقه، من شأنه أن ينقل البلاد، بحكم الأمر الواقع إلى جمهورية ثالثة، بعد جمهورية عام 1959 (بعد الاستقلال) وجمهورية 2011 (ما بعد الثورة). وقد يسفر اعتماد الدستور الصادر حديثًا عن إلغاء العمل بالدستور السابق الذي تبنته الجمعية التأسيسية في عام 2014 التي تم انتخابها ديمقراطيًا قبل أحد عشر عامًا من قبل أكثر من أربعة ملايين ناخب.

وسيدفع الدستور الجديد باتجاه تغيير شامل للمؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، مع إحداث في الوقت نفسه، (اختلال) توازن جديد بينها. بحكم الواقع وكذلك بحكم القانون، سوف يُعَبِد هذا الاستفتاء الطريق أمام الرئيس لتنفيذ بقية خارطة الطريق الخاصة به، القائمة أساسًا على تغيير قانون الانتخابات (ربما بحلول العام الدراسي في أيلول/سبتمبر) وتنظيم انتخابات تشريعية جديدة في نهاية العام.

تصويت”نعم” باكتساح ومشاركة قوية: السيناريو المثالي للرئيس

يستند هذا السيناريو الأول على نسبة مشاركة كبيرة وانتصار ساحق بالتصويت “نعم” على الدستور الجديد خلال انتخابات، ينتقل فيها جزء كبير من السكان إلى صناديق الاقتراع في 25 تموز/يوليو. ومن شأن هذا الحدث أن يعزز مصداقية الرئيس بشكل كبير، من خلال تقديم دليل ملموس على ما يدَّعيه، الأمر الذي لم يستطع البرهنة عليه منذ (على الأقل) 25 تموز/يوليو 2021: ونتيجة ذلك، يكون الشعب في صفه، دون أدنى شك. يمكن أن نتصوّر في هذه الحالة، أن خيار “نعم” سيُجمع ما لا يقل عن ثلثي الناخبين، وقد يتجاوز ذلك ويصل إلى أرقام قياسية، تذكّر بالانتخابات المنظمة في تونس في عهد بن علي.1

فمن جهة، قد يوّجه مثل هذا الاحتمال الضربة القاضية للنظام الذي تأسس في عام 2011 ويشكل رفضًا لا رجعة فيه للعمل وفق الديناميكيات السياسية والمؤسسية السارية منذ أن وجدت “حركة النهضة” نفسها في صدارة الحقل السياسي في تونس. من ناحية أخرى، سيُتبع الرئيس عمله المستقبلي برمزية مزدوجة، من الناحية القانونية (تكمم أفواه هؤلاء المنتقدين الذين يدينون عدم شرعية قراراته منذ صيف عام 2021) ومن جانب الشرعية (قوي بدعم شعبي واضح).

في ضوء ذلك، سيجد شركاء تونس الدوليون أنفسهم في نهاية المطاف، أمام نظير واحد يمثل البلاد، دون قوى توازن معارضة حقيقية، ولا مجتمع مدني له صوت مسموع، ولا معارضة سياسية ذات مصداقية، ولا جهات فاعلة اجتماعية منخرطة في العمل الميداني بما فيه الكفاية.

يبدو أن هذا السيناريو مُستبعد إلى حد بعيد، ليس لإمكانية التشكيك في محتوى التصويت عليه بـ”نعم”، بل لأن الإقبال الكبير للغاية يبدو بعيد المنال. عرفت الانتخابات الأخيرة في تونس مشاركة أقل من 50٪ من الناخبين (باستثناء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي اُنتِب فيها قيس سعيد رئيساً) وحتى الاستشارة الوطنية نفسها، التي كان يفترض لها أن تكون بمثابة مؤشر له رمزيته، على تأييد الشعب واهتمامه بقرارات الرئيس، لم تفلح في جمع أكثر من 520.000 مواطن. ولا يمكن بحال من الأحوال، ربط هذا الرقم بهيئة الناخبين، لأن الاستشارة هذه كانت مفتوحة أيضًا للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عامًا، والذين لم يبلغوا بعد سن التصويت، وفقًا لقانون الانتخابات التونسي.2

الجدول 1: نسبة المشاركة لكل استطلاع تم تنظيمه في تونس منذ عام 2011

رئيس الجمهورية 2019 مجلس نواب الشعب 2019 المجالس البلدية 2018 رئيس الجمهورية 2014 مجلس نواب الشعب 2014 الجمعية التأسيسية 2011 الانتخابات
48.98% الدور الأول 41.70% 35.65% 62.91% في الدور الأول 68.36% 51.97% نسبة المشاركة
56.80 % الدور الثاني 60.09% الدور الثاني

 

إن مجرد تخيّل حصول نسبة مشاركة عالية، قد يعني، التغافل عن موجة عدم الاكتراث الكبيرة وسط التونسيين إزاء الحياة السياسية، حتى عندما تُقَدم الانتخابات على أنها حاسمة بالنسبة لمصير البلاد. إلى جانب ذلك، من الضروري التذكير بأن الاستفتاء سوف ينظم في شهر تموز/يوليو، أي في أوج فترة الصيف والعطلات المدرسية التي تشهد غالبًا تنقل الناخبين داخل البلاد وخارجها، ومن ثم ابتعادهم الفعلي عن مراكز الاقتراع التي تم تسجيلهم فيها. على الرغم من الحملة الواسعة لإعادة التسجيل وتغيير مراكز الاقتراع، فمن غير المرجّح أن تسجل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات (ISIE) ارتفاعًا في نسبة المشاركة، التي قد تتأثر أيضًا بعودة جائحة COVID-19 في البلاد، مما سيدفع دون شك كبار السن إلى التزام بيوتهم.

يبدو أن معسكر الرئيس قد فهم هذه القضية جيداً: سواء أتعلق الأمر باستخدام وسائل الإعلام الوطنية، السمعية البصرية، أم بتجنيد عناصر الأجهزة الأمنية أو دور الشباب ودور الثقافة، فكل الوسائل مُسَخرة لتشجيع الناخبين على التصويت. وتحقيقًا لهذا الغرض، أخرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ساعات غلق مراكز الاقتراع من السادسة مساءً إلى العاشرة مساءً. ويبقى السؤال المطروح، هل ستؤدي هذه التدابير المبذولة للتأثير على الناخبين، إلى تزوير انتخابي كافٍ للتأثير على النتائج بشكل معتبر.

تصويت “نعم” بنسبة مرتفعة ومشاركة منخفضة: احتمال وارد جدًا، لكن بنكهة ملتبسة

يبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا. ومن شأنه أن يُتوّج انتصار “النعم” بالتداعيات نفسها على المستقبل المؤسساتي للبلاد (جمهورية ثالثة، وإلغاء دستور 2014، والانتخابات التشريعية في كانون الأول/ديسمبر، إلخ)، لكنه سيسجل بالمقابل، مفارقة ذات أهمية، تتمثل في خسارة مؤكدة لشرعية الرئيس سعيد. بالفعل، هذه الحالة ستنزع عن الخطاب الشعبوي كل مصداقيته لأن “الشعب” الذي يتحدث عنه الرئيس، يكون في هذه الحالة قد التزم الصمت في أفضل الأحوال بالنسبة له، وفي أسوئها، قد تجاهل نداءه، وربما يكون قد استجاب لمناشدات معارضي الرئيس.

حتى لو مهّد الاستفتاء من الناحية القانونية الطريق لإدخال الإصلاحات، سوف يجد الرئيس صعوبات كبيرة لتطبيق الدستور الذي وافق عليه خمسة أو عشرة أو عشرين أو حتى ثلاثين في المائة من السكان. أما البرلمان الذي سيتم انتخابه حديثًا، سيستمد سلطة (من معسكر الرئيس) ذات شرعية ضعيفة، مما يؤدي بالتأكيد إلى عواقب، ويؤثر سلبًا في التقييم العام للعمل التشريعي. إلى جانب ذلك، ستواجه الإصلاحات القضائية، بما في ذلك إنشاء محكمة دستورية، والهيئات المستقلة أيضًا، صعوبة في الوجود وفي فرض نفسها على أساس استفتاء قاطعه التونسيون وفي سياق تمرد السلطة القضائية التي دخلت في إضراب عام منذ بداية حزيران/يونيو 2022.

إذا كان الرئيس قد ضمن بهذه التدابير تطبيق بقية خارطة الطريق التي اعتمدها لنفسه، فلن يستطيع ضمان الاستقرار السياسي والمؤسساتي. وخاصة هنا، حيث تجد المعارضة نفسها، سواء أقامت بحملة للتصويت بـ “لا” أم قاطعت الاستفتاء معزة الجانب، وموقف أقوى. وبما أن الأمر يتعلق بـ “جهات معارضة” وليس جبهة واحدة، فمن الضروري أن تتماسك وتوّحد صفها وتقوم بتنسيق قوي فيما بينها، لتخوض معركة قانونية وشرعية داخل البلاد وخارجها.

وهنا أيضًا، لا بد من الإصغاء جيدًا للخطاب السائد بالفعل، الذي يصر الرئيس من خلاله على التحذير من انتشار أفكار تآمرية، واستعمال صيغ تتحدث عن خونة للوطن والتهديدات المستترة التي يحاول عملاء متخفين من خلالها زرع الريبة وسط الناخبين التونسيين. ومن شأن هذا الاضطراب أن يفسر انخفاض نسبة المشاركة.

تصويت “نعم” بفارق ضئيل ومشاركة قوية: سيناريو مستبعد، لكنه جائز

أما السيناريو الثالث لفوز “نعم”، فقد يتمثل في حصوله على أغلبية ضئيلة من الناخبين والناخبات (ما يزيد قليلًا عن 50٪) في الاقتراع الذي كانت حشودهم لتذهب للمشاركة فيه.  وفي حين أن هذا السيناريو يظل مستبعدًا للأسباب ذاتها للمشاركة التي سبق توضيحها، إلا أنه يظل ممكنًا.

ففي واقع الأمر، لم يفوت الناخبون التونسيون أبدًا الفرصة في إحداث مفاجأة انتخابية بل مفاجأت عديدة. ويعد قيس سعيد آخر مثال على هذا الأمر، بكونه مرشح غير منتمٍ إلى حركة أو حزب سياسي، ودون خبرة في تولّي منصب سياسي، كما قام بحملته على المستوى المحلي دون تغطية إعلامية من الاعلام الوطني. ومع ذلك، فإن قيس سعيد ليس المثال الوحيد على ذلك. وبالفعل في عام 2011، شهد المجلس الوطني التأسيسي ارتقاء “حركة العريضة الشعبية” بقيادة الهاشمي الحامدي حتى وصلت إلى مرتبة الكتلة البرلمانية الثالثة بحصولها على 26 مقعدًا في المجلس الوطني التأسيسي وأكثر من 273000 صوت، مع وجود زعيمها في لندن حيث يقيم ويطلق من هناك كافة أنواع الأفكار العشوائية. وكما في عام 2014، عندما تفاجئنا بانتخاب أول مجلس نوّاب للشّعب بنسبة مشاركة تدنو من 70٪، وبــ”فوز” “نداء تونس” الذي أنشأه الباجي قائد السبسي قبل بضعة أشهر، ليحّل محل “النهضة” بالمناسبة ويطيح بحليفيها: حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتّل.

مما يعني أنه إذا كان لا ينبغي التسرّع في استبعاد هذا السيناريو، فمن المؤكد أنه سيكون رمزًا لإحراز الرئيس لفوز فاتر، لكنه انتصار يسهل عليه الدفاع عنه، لأنّه على الرغم من كل شيء، سيكون الشعب قد تحرّك واختار غالبيته التصويت بـ”نعم”، مما قد يعزز من شرعيته ويجعل بالإمكان إقامة النظام الجديد. وعلى الجانب الآخر، ستبدو المعارضة التي تسودها الفُرقة أكثر انقسامًا، لأن النساء والرجال الذين دعوا للمقاطعة ستقوض النتيجة ثقة الناس بهم تمامًا، في حين أن أولئك الذين نظموا الحملات للتصويت بـ “لا” سيخسرون مجرد معركة فقط، وهي على الرغم من كونها حاسمة بالتأكيد، فهي ليست الأخيرة.

تصويت ”نعم” بفارق ضئيل/مشاركة ضعيفة: نتيجة محتملة للغاية ذات عواقب وخيمة على البلاد

غالبًا ما يقدم المراقبون عن كثب للمشهد السياسي التونسي هذا السيناريو على اعتباره النتيجة الأكثر ترجيحًا للاستفتاء؛ ستفوز “نعم” بأغلبية ضئيلة (أعلى من 50٪ قليلًا) على يد أقلية من التونسيين والتونسيات يوم 25 تموز/يوليو.

قد يبدو للرئيس أن هذا الوضع لا يمكن السكوت عنه؛ لأنه هنا أيضًا، سيفقد الخطاب الجماهيري معناه في غياب حركة واسعة النطاق من جموع الناخبين، ولكن علاوة على ذلك، سيكون الرئيس بالكاد قد نجح فقط في إقناع عدد قليل من الناخبين الذين سينتقلون للمشاركة.

وإذا حدث بالفعل انتقال إلى جمهورية ثالثة، ستصاب مؤسساتها بالوهن إلى حد كبير، وسيكون من الصعب للغاية تمرير الإصلاحات الاقتصادية (التي قد تكون مؤلمة للسكان) وتبريرها لجعلها تبدو مشروعة. فمن بين جميع سيناريوهات فوز “نعم”، سيشكل هذا السيناريو بعينه في الواقع انتصاراً للمقاطعة ولكل الأطراف المعارضة للاستفتاء. وسيكون بوسعهم التشكيك في الشرعية، ليس فقط شرعية الرئيس، ولكن شرعية العملية برمتها. وقد تكون العواقب وخيمة على البلاد في هذه الحالة، وليس من المستغرب التشكيك في إجراء انتخابات تشريعية في نهاية العام.

سيناريوهات “لا”: الرفض غير المحتمل للاستفتاء ولقيس سعيد

إن سيناريوهات فوز “لا” كثيرة مثلها في ذلك مثل سيناريوهات فوز “نعم”؛ إذ تعتمد المعايير ذاتها لقيمة “لا” في مقابل “نعم” وكذا معدل المشاركة.

سيكون من المناسب بالفعل استبعاد سيناريوهات الفوز المؤزر لـ “لا”؛ فالمعارضة السياسية منقسمة بين الدعوة للتصويت بـ “لا” وبين مقاطعة الاستفتاء. ويقوم هذا الشقاق من جهة على شرعية العملية ولكن  رفض مشروع الدستور (الدعوة إلى التصويت بـ “لا”)، وكذلك على رفض صريح وتام للعملية برمتها وللمسار السياسي المقترح (الذي فرضه) قيس سعيد (الدعوة للمقاطعة).

إن “جبهة الإنقاذ” هي الجهة الرئيسية الفاعلة في المقاطعة، وهي بمثابة تحالف مؤقت يجمع حركة النهضة (التي أخذت في الضعف منذ قرابة العام على إثر موجة من استقالات كبار ممثلي الحزب)، وأحزاب محافظة أخرى، كانت حليفة للنهضة في السابق مثل: أحزاب “أمل” و”الإرادة” و”الكرامة” و”قلب تونس”، إلى جانب حركات الناشطين التي نشأت في خضم الأحداث، مثل: “مواطنون ضد الانقلاب” وشخصيات عامة مثل أحمد نجيب الشابي وصلاح الدين الجورشي.

وعلى الجانب الآخر، لم تنطلق حملة التصويت بـ”لا” تقريبًا. فمن بين الأحزاب القليلة (البالغ عددها خمسة في المجمل) التي سجلت مشاركتها وقررت القيام بحملة من أجل التصويت بـ “لا”، لم يسبق سوى تمثيل حزب “آفاق تونس” في مجلس نوّاب الشّعب وفي الحكومة. كما سجلت بعض الجمعيات وشبكات الجمعيات وكذلك الأفراد مشاركتها، لكنها لا تزال غير مسموعة على الساحة العامة وعبر وسائل الإعلام. وتجدر الإشارة إلى استنكار ممثلي “آفاق تونس” لمنعهم من تنظيم اجتماع للتحفيز على التصويت ب “لا” في سيدي بوزيد في 3 تموز/يوليو. ويبدو أن المحتجين المؤيدين لقيس سعيد قد طاردوهم بعنف من أماكن الاجتماع ومنعوا المتعاطفين معهم والفضوليين من التجمهر.

من الصعب للغاية في هذه المرحلة تحديد قوة التأثير لدى المعسكر الداعي للمقاطعة، بينما تحبس كل الجهات الفاعلة أنفاسها في انتظار نتائج 25 تموز/يوليو. ففوز “لا” من شأنه إحياء المعارضة المنهارة منذ صيف 2021 وتمهيد الطريق أمام حوار وطني، سواء مع قيس سعيد أم من دونه. كما يجدر أيضًا الاستمرار في مراقبة الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي قد يكسر صمته الذي دام خلال الأسابيع الأخيرة في هذه الحالة لرؤية المركز النقابي يستأنف دورًا أكثر مركزية في المواجهة مع الرئيس.

وإذا كان لا يسعنا سوى الاحتفاظ بسيناريو واحد فقط من سيناريوهات فوز “لا” على اعتباره ممكنًا، فسيتعلق الأمر بالاحتفاظ بسيناريو الحصول على “لا” بفارق ضئيل (أعلى بقليل من 50٪) مع مشاركة واسعة للغاية، لأن هذه المشاركة فقط هي التي بوسعها تفسير رفض السكان للنص. قد يشمل هذا السيناريو العديد من الأمور المجهولة لأن الناخبون سوف يتبرأون أيضًا من الأحزاب والحركات الداعية إلى المقاطعة.

سيكون من المحتمل تخيل أنه في حالة فوز “لا” سيضطر الرئيس للبقاء ضمن إطار دستور 2014 وتنفيذ الإصلاحات التي يأمل في إجرائها، كما يمكنه أيضًا معاودة الكرة باستفتاء جديد حول نص منقح أعد خصيصًا لهذه المناسبة.

وفي جميع الأحوال، سيجد قيس سعيد نفسه في موقف لا يُحسد عليه: فبعدما فقد كامل شرعيته، وتسبب خطابه الشعبوي في إعاقته ومُنع من المضي قدمًا في تقويضه لمكتسبات عامي 2011 و2014، سيكون قوة مستنزَفة سياسيًا. وقد يمكنه البقاء في السلطة حتى نهاية ولايته أي حتى عام 2024، أو اختيار تقديم استقالته، معتبراً أن خارطة الطريق التي سبق له طرحها ستخرج عن مسارها. لكن في هذه الحالة سيُطرح سؤالان: لمن سيقدمها على اعتبار أنه حل جميع السلطات الأخرى وماذا سيحدث لمؤسسات الدولة في الأشهر التالية؟ وهنا، بالطبع، سيتعلق الأمر بالتفكير بمعزل عن منهج الرئيس غير المتوقع في الكثير من الأحيان، بل غير العقلاني.

وفي الأخير، قد يؤدي هذا السيناريو إلى اضطرابات اجتماعية ضخمة في جميع أنحاء البلاد، مما سيجعل الرئيس والحكومة بكل تأكيد يفقدان دعم جميع الشركاء الدوليين.

“نعم” أم “لا”: ماذا عن التزوير والتجاوزات؟

هناك سيناريو آخر يبدو محتملًا في السياق التونسي، وهو ما يتعلق بعمليات تزوير الانتخابات الواسعة النطاق والتجاوزات التي من شأنها أن تجعل نتيجة الاستفتاء غير مجدية. تفترض السيناريوهات الواردة أعلاه إجراء الاستفتاء في جو انتخابي يتسم بالنزاهة والأمانة.

فمنذ عام 2011، شهدت تونس انتخابات تتسم بالنزاهة والديمقراطية والأمانة في مجملها، وفقًا لما ذكره المراقبون المحليون أو الدوليون. وعلى الرغم من بعض الأمثلة على التزوير خلال أعوام 2011 و2014 و2019 مثل حشو صناديق الاقتراع بالأوراق أو إبطال بطاقات الاقتراع الصحيحة أو منع بعض الناخبين والناخبات من التصويت، لم تصل هذه التجاوزات لدرجة أن يتمخض عنها عواقب مباشرة تؤثر على نتيجة التصويت.

لا يقتصر التزوير في الاستفتاء على ما يحدث يوم التصويت فحسب، بل يمكن أن يمتد أيضًا ليشمل فترة الحملة الانتخابية ككل. فعلى سبيل المثال، بدأت بالفعل بعض الشائعات تروج عن قيام بعض ضباط الشرطة بتوزيع منشورات لصالح التصويت بـ “نعم” في مدينتي سوسة والمنستير.  وتشير بعض الملاحظات الأخرى إلى تعليق ملصقات دعائية خارج الأطر التي حددتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات سلفًا لهذا الغرض. وسيتعلق الأمر من ناحية بمراقبة هذه التجاوزات ومداها، ومن ناحية أخرى، حث الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على اتخاذ التدابير والعقوبات اللازمة والملائمة في الوقت المناسب.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن التجاوزات قد تخص أيضًا وسائل الإعلام؛ إذ يتمتع الرئيس بإمكانية الوصول المباشر إلى التلفزة والإذاعة الوطنية، وتحت غطاء التغطية الإعلامية التي تقوم بها المؤسسات العامة، وتساهم هذه الوسائط الإعلامية في تشكيل نتيجة الاستفتاء. وأخيرًا، تعد الشبكات الاجتماعية أيضًا أرضًا خصبة لتكاثر التجاوزات، بما في ذلك الرسائل التي تحض على الكراهية والخطابات العنيفة والحملات غير المنضبطة.

من المؤكد أن قيس سعيد لا يرغب في سيناريوهات التزوير والتجاوزات هذه، لكن الممارسة المعتادة لأجهزة الشرطة ولبعض موظفي الإدارة من شأنها تكرار الممارسات التي تعود إلى عهد بن علي. إنّ حالة شبه التفكك التي تجد السلطة القضائية نفسها فيها (ولا سيما المحكمة الإدارية ومحكمة المحاسبات، وكلاهما منوط بتسوية النزاعات الناتجة عن التجاوزات وحالات التزوير المحتملة)، لا تساعد المراقبين على الاطمئنان، كما أن وضع الرئيس يده على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، كلها عناصر مثيرة للقلق.

قد يؤدي هذا السيناريو أيضًا إلى دفع المجتمع الدولي إلى سحب جميع المساعدات السياسية والاقتصادية المقدمة لتونس وحتى ربما إخضاع البلاد لعقوبات غير مسبوقة. وعندها لن يكون هناك أي داع لقيم “نعم” و”لا” للمشاركة في التصويت؛ كنتيجة لهذا الخداع.

واليوم أيضًا أصبحت مصداقية الهيئة العليا المستقلة للانتخابات باعتبارها حكمًا انتخابيًا موضع لتساؤل جميع الجهات الفاعلة. وينظر المعارضون إلى الهيئة على أنها تخضع لهيمنة الرئيس وأن الحكم الذي ستصدره فيما يتعلق بعمليات التزوير المحتملة سيكون مشوشًا بالفعل. كما ينظر إليها معسكر الرئيس نفسه أيضًا على أنها غير قادرة على التعامل مع محاولات تخريب عملية الاستفتاء التي يتزعمها معارضو الرئيس.

ماذا لو لم يجرى الاستفتاء بكل بساطة؟

هناك مجموعة أخيرة من السيناريوهات تتعلق بالفرضية التي ليس من الصعب تصديقها والقائلة بأنه قد لا يُجرى الاستفتاء، إما لأنه سيؤجل لتاريخ لاحق أو لأنه سيُلغى بكل بساطة.

قد يكون السبب الرئيسي في ذلك هو أن المعسكر الرئاسي قد يقرر عند اللحظة الأخيرة التأجيل أو الإلغاء إذا أصبحت نتيجة الاقتراع غير مؤكدة للغاية، وذلك إذا نجحت ديناميكية المعارضة في إحداث خرق في يقين الرئيس ومعسكره. ففي الأيام الأولى من شهر تموز/يوليو، عقب ساعات قلائل فقط من نشر المسودة الأولى للدستور، بدأت الحملة الإعلامية التي تزعمها الصادق بلعيد وأمين محفوظ، وكلاهما من أعضاء اللجنة الوطنية التي كلفها الرئيس بإعداد نص الدستور، وأدت إلى إحداث البلبلة. وعلى الرغم من أن الرجلان معروفان بقربهما من الرئيس، فقد رفضا المسودة المنشورة في 30 حزيران/يونيو جملة وتفصيلًا، على اعتبار اختلافها التام عن العمل الذي قدماه وعلى احتواءها على أوجه ضعف كبيرة. ومن المستحيل قياس تأثير هذه المعلومات على الناخبين التونسيين.

إذا حدث وتم تأجيل الاستفتاء، سوف يمكن الزج بعدة ذرائع، مثل عودة ظهور أزمة وباء كورونا (فهناك عدة آلاف من الإصابات وعشرات الوفيات حتى منتصف تموز/يوليو وحده)، إلى جانب المخاطر الأمنية (التي لا يفتأ الرئيس ووزير الداخلية يذكراها في خطاباتهما العامة) أو الاضطرابات الاجتماعية.

فعندما يعني التأجيل تحديد موعد لاحق (على الأرجح في أيلول/سبتمبر 2022)، فإن الإلغاء يعني التخلي عن فكرة إجراء استفتاء وربما الحفاظ على النظام الدستوري القائم منذ عام 2014. وفي كلتا الحالتين، سيجد الرئيس نفسه مضطرًا إلى وضع غير قانوني وشرعية في تدهور مستمر. ولن يقبل الشركاء الدوليون بقيس سعيد حتى مع حلول آجال استحقاق مالية مهمة في تونس، بما في ذلك سداد ديونها لصندوق النقد الدولي في عام 2022.

يمكن للفاعلين السياسيين والمدنيين الوطنيين أيضًا اغتنام هذه الفرصة لضم صفوفهم وتوحيد جبهتهم ضد النزعات الدكتاتورية للرئيس التي رفعت باسم شعب صامت للغاية حتى الآن.

توترات وتوقعات ورهانات مؤلمة

كل هذه السيناريوهات كما سبق توضيحها ليست لها جميعًا احتمالية التحقق نفسها: إن الأمر يتعلق منطقيًا بالتعويل على فوز “نعم” باكتساح مع ضعف نسبة المشاركة وفوز بفارق ضئيل لـ”نعم” بمشاركة منخفضة. وعلى صعيد آخر، فإن سيناريوهات فوز “لا” جميعها مستبعدة، في حين أن أولئك الذين يتوقعون اللجوء للتزوير أو تأجيل الاستفتاء يجب أن يبقوا في مرمى النظر.

إن مختلف النتائج المحتملة لن تغير في نهاية المطاف من حالة الانقسام التي يعيشها المجتمع التونسي ومن التفكك المستمر للمؤسسات. فمع كافة الضوابط والتوازنات التي فككها بنفسه، يترك قيس سعيد المشهد التونسي مقفرًا مع قلة الحيز الديمقراطي (مع الأحزاب السياسية الضعيفة، والمؤسسات المفككة المنبثقة عن الانتقال، والمؤسسات الإعلامية المكممة الأفواه، إلى غير ذلك). وفي غضون أشهر قليلة، سيكون قد قوض إنجازات الثورة وأخرج التحول الديمقراطي للبلد العربي الوحيد الذي كان لا يزال على هذا الطريق من مساره.

إن الرئيس الذي دنا دنوًا كبيرًا من “الشعب” خلال حملته الانتخابية وأظهر الرغبة في الإنصات للتونسيين، نجح في وقت قصير في قطع كل صلة له بجميع قنوات الاتصال التي كان من شأنها أن تنقل له صوت الجمعيات الوطنية والباحثين والصحفيين والمحامين والممثلين المحليين وكذلك الشركاء الدوليين أو حتى صوت دائرته الخاصة التي تضم أتباعه. ولن يبقى حوله سوى القنوات الأمنية التي تبدو بصماتها التي تنم على جنون العظمة والقرارات المتهورة جلية في الخطب الرئاسية.

وعلى الرغم من كون البلاد على حافة الهاوية الاقتصادية حيث بلغ الدين الخارجي أعلى مستوياته (100٪ من الناتج المحلي الخام في عام 2021) منذ عام 2011 (40٪ من الناتج المحلي الخام)، فمع معدل التضخم المتسارع الخطى (ما يزيد عن 9٪ في عام 2022)، وتدهور القدرة الشرائية تدهورًا جمًا، والأزمة الصحية الدائمة، وعدم مقدرة الدولة على مواجهة جميع التحديات التي تطرح نفسها (السيادة الغذائية في زمن الحرب في أوكرانيا، والمشكلات الاجتماعية في أنحاء البلاد، والأزمات البيئية، وما إلى ذلك)، يبدو مستقبل تونس أكثر صعوبة من أي وقت مضى. وفي المقابل، يواصل قيس سعيد إقامة سلطة ديكتاتورية من شعبه، والتي من المفارقات أنها ستترسخ بقوة بحيث لن يكون من السهل التخلص منها بقبضة يد واحدة إلا إن باتت هذه القبضة مسلحة.

المصدر : عرب يتاريخ 27 جويلية 2022

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق