تحاليلشؤون مغاربية

قصة وتداعيات الترتيبات الجارية في الإقليم وآفاق الوضع مغاربيا في أفق نهاية 2022

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية 

كل الأطراف الإقليمية تقريبا ومنذ بداية عقد الخمسينات من القرن الماضي هي أطرف وظيفية لا غير ذلك أن مجال فعلها تكتيكي مرحليبل أن هامش فعلها محدد مضبوط وحتى هوامش لعبها على بعض تفاصيلفهو مضبوط على غرار احتماء البعض بالسوفيات هروبا من الضغوط الغربية والأمريكية مثلا بين 1955 و1989،بل الأغرب أن تلك الهوامش عادة ما كانت تُمرر منذ نهاية الستينات بضوء أخضر من الكيان الصهيوني أو بعض محافله أو أدواته الناعمة أو عبر بعض غُرفه متعددة الواجهات، ومن ثم فإن كل السياسات العامة والاستراتيجيات عادة ما تُصنع في العواصم الكبرى على غرار واشنطن وباريس وموسكو ولندن وربما أيضا في بكين، ولعل تصريح الأمير السعودي “محمد بن سلمان” في مارس 2018 لصحيفة “الواشنطن بوست” كان دالا ومُعبرا ولا يَقبل التَشكيك وخاصة عندما أكد أن “نشر السعودية للوهابية لم يكن خالصا لوجه الله وانما كان استجابة لمطلب أمريكي وتوظيفا للإسلام لخدمة المصالح الأمريكية”، ولكن الأكثر وضوحا في ذلك التصريح الخطير وغير المسبوق هو عندما أضاف مؤكدا أن “الصفقة اشتركت فيها يومها (نهاية السبعينات) “مصر” و”باكستان” بهدف نشر ذلك الفكر المتشدد وتحديدا لمواجهة الاتحاد السوفياتي”، والخلاصة أن ما يجري في الإقليم ودوله وخاصة في الشرق الأوسط وشمال وغرب افريقيا تحديدا خلال الأربع السنوات الماضية تربطه خُيوط ناظمة مرتبطة أساسا بتنزيل استراتيجيات طويلة المدى مع مرونة كبيرة في التفصيلات مرحليا وعبر سياسة التفاعل مع موازين القوى ودراسة رُدود الأفعال وآليات احتوائها في كل ملف وكل دولة على حده، والحقيقة أن هناك وبناء على أهمية ما سبق ذكره، ترتيبات جارية في الإقليم منذ بداية العقد الحالي وخاصة منذ بداية مارس الماضي، وقد تكون زيارة “بايدن” المرتقبة خاتمة وتتويج لتلك الترتيبات واذن بالمُضي فيها، وما سبق ذكره لا يَعني أبدا عدم وجود صراع خفي ومحتدم بين  سيناريوهات عدة وأن بعضها قد يسقط في خضم التفاصيل رغم كل ما يوفر له للتجسد والسؤال الأهم اليوم وخاصة مغاربياهو: ماهي آفاق الوضع في الدول الخمس في أفق نهاية 2022؟

** أبجديات رئيسية لفهم ما يجري في الإقليم منذ أربع سنوات

1- أولا، لا يُمكن البتة تغييب حقائق أن الغرب يَعيش مرحلة القوة بكل معانيها الظاهرة والناعمة وأن العالمين العربي والإسلامي هما موضوعيا خارج التاريخ والجغرافيا– أي خارج التخطيط ورسم السياسات الدولية في المجالات الثقافية والعلمية والاقتصادية والمالية – -بسبب التخلف الحضاري والقائم طبعا على قصور ذاتي متعدد الأبعاد ونتاج عوامل موضوعية وبناء على تداعيات ومؤثرات الاستعمار المباشر لأراضي دوله-وان يكتسب المسلمون والعرب عوامل القوة الكامنة والقدرة على العودة القوية مستقبلا، فان حقائق الميدان عسكريا واقتصاديا وماليا في الظرف الراهن لم ولن تسمح لهم في المدى المتوسط والقريب بالعودة سريعا للتزعم والقوة والريادة والفعل في رسم مستقبل البشرية جمعاء….

2- ثانيا، السياسات الدولية عادة ما تُوضع على مدى عقود وهناك فرق بين تلك السياسيات وبين الاستراتيجيات العامة والخطط التنفيذية القائمة على ما هو تكتيكي ومرحليوبناء على عمليات وخطط الرصد الاستراتيجي والتفاعل مع موازين القوى والتي توضع وترتب بناء على دراسات وبحوثتمر عبر غرف العميات ومراكز القرار والبحوث والدراسات الاستراتيجيات والتي لا تترك لا شاردة ولا واردة من حيث المتابعة والرصد وقياس ردود الأفعال وسبر الآراء ودراسة الأفكار وفعل المجتمعات….

3- ثالثا،كان مستقبل العالم ومستقبل موازين القوى وطبيعة الصراعاتالمثارة وظيفيا، عادة ما يُرتب عبر الاستراتيجيات ومن طرف واضعي السياسات العامة كل 50 سنة ولكن ذلك الأمر في رأينا الأمر تغير مع بداية الالفية الحالية وأصبح يترب كل بداية عقد، وذلك جلي في كيفية ترتيب الاستراتيجيات والسياسات العام خلال العقدين الماضيين، وخلال العقد الحالي:

  • حدث 11-09-2001 قد رتب مستقبل العالم وكل البشرية بين 2001 و2010 حيث سيطرت فكرة مواجهة التنظيمات الإرهابية وتفعيل قوانين الإرهاب على فعل الدول وتكتيكاتها المرحلية في الاقتصاد والثقافة والرياضة وفي طبيعة وتفاصيل العلاقات بينها…
  • مستقبل العقد الماضي (2011-2020)،رتبته فعليا تفاصيل وتداعيات ثورات الربيع العربي وصراعها المحموم مع القوى القديمة والتي قادت ثورات مضادة بعدم صهيو-استعماري لكبح جماع النزعات الديمقراطية للشعوب والتي بحثت عبر موجتين عن التحرر والانعتاق من الاستبداد ومن الاستعمار الناعم…
  • لا تزال التطورات جارية ومنذ سنتين بحثا عن رسم معالم العقد الحالي وخاصة في ظل ملفات رئيسية كبرى (الملف النووي الإيراني – الصراع العربي الصهيوني-الحرب الروسية الأوكرانية، وعمليا لم تتوضح المعالم بناء على طبيعة المتغيرات الكثيرة التي جرت وخاصة خلال الأشهر الماضية وهي متغيرات غير طبيعية لا كميا ولا كيفيا وخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الاوكرانية…

4- رابعا،البعض يعتقد أن الفعل السياسي لا تُؤطره الا تطورات سياسية أو اقتصادية بحتة وهو أمر غير صحيح ذلك أن الاجتماعي والثقافي والفكري هي محددات فعل كبرى في السياسات وخاصة الدولية بالذات سواء من حيث رسم الاستراتيجيات والسياسيات العامة ولعل ما يسمى بـــــــــــــ”الابراهيمية” والتي تغيب في الاعلام العربي خطورتها على مستقبل العرب والمسلمين بل وعلى البشرية جمعاء ذلك ان الامر في ترابط موضوعي مع منطق تركيع لشعوب واذلالها ونهب ثرواتها كما هي على علاقة غير مباشرة بالدفع نحو مزيد من التطبيع بين الدول العربية والكيان الصهيوني…

5- خامسا، لا تزال دولتي “الامارات” و”قطر” تلعابان أدوارا وظيفية كبرى في كل الإقليم ولن لعبت “قطر” دورا في دعم ثورات الربيع العربي بأشكال مختلفة فان دولة “الامارات العربية” قد قادت الثورات المضادة، ومعلوم أن كل منهما قد كونت والتحقت بمحور إقليمي وقامت صراعات لا هوادة فيها بين المحورين منذ أوت 2014 (أي إثر الأزمة الخليجية الأولى)،أي بين المحور القطري/التركي والمحور الاماراتي/السعودي/المصري، وتعمقتتلك الصراعات إثر الأزمة الخليجية الثانية في بداية جوان/يونيو 2017 ولم تهدأ الصراعات بينهما الا مع بدايات 2020 حيث تم غلق شبه نهائي لقوسها أثناء أشغال القمة الخليجية 42 والتي عُقدت منذ أشهر ولتبدأ لاحقا محاولات التقارب بين دول المحور الثاني مع أنقرة وهي تطورات قامت فعليا وفي جزء كبير منها على رغبة “واشنطن” في المضي في سياسة/استراتيجيا صفر مشاكل بين حلفائها الإقليميين (أي الوظيفيين في تنفيذ سياساتها في المنطقة)، ورغم حدوث التباينات بينهما منذ صائفة 2018 فقد حاولت كل من الامارات ومصر غلق قوس ثورات الربيع قبل احتفال الثورتين التونسية والليبية بذكراهما العاشرة (جانفي/يناير 2021 في تونس و17فبراير 2021 في ليبيا) الا أن ذلك لم يتحقق نهائيا في ليبيا وتحقق جزئيا ومؤقتا بانقلاب 25-07، ورغم ذلك اعتبر الاماراتيون في تقييماتهم أنهم قضوا على ثورات الربيع العربي والتي تفننت وسائل الاعلام الممولة من طرفهم ومن طرف حلفائهم ( شبكة سكاي نيوز – العربية – الحدث – صحيفة العرب اللندنية – الشروق التونسية …) في وصفه بالربيع “العبري” بينما من الواضع لمسات وبصمات “عبرية”في مناحي ومربعات وفعل الثورات المضادة (وهي “عبرية” تمويلا وفكرا ودفعا وروحا وجوهرا)….

6- سادسا، من حيث الاستشراف والاستقراءفانالمجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا سيقلعان وقريبا عن سياسة الاختبار والتريث في التعاطي مع ملفات الإقليمبل ولن يتركا الحبل على الغارب لا في الملف النووي ولا ملفات ليبيا ولبنان وتونس والسودان والصومال بينما قد يتم ارجاء السحم في التعاطي مع بعض ملفات على غرار اليمن وسورياومالي، وسيتين للجميع أن الأمريكيين لم يتركوا تلك الملفات يوما ولكنهم كانوا استراتيجيين في رصد تطوراتها ودخول فاعلين رئيسيين على خطها وانسحاب آخرين وفي تورط أطراف عدة في ثناياها ومربعاتها، ويُمكن التأكيد أن زيارة “بايدن” المرتقبة للخليج والمنطقة وعلى عكس ما يعتقد البعض تؤكد أن وقت الاستثمار والتتويج قد حان خاصة وأن بعض بلدان الإقليم على غرار ليبيا ستكون بالنسبة للأمريكيين وحلفائهم الأوربيين أساساقواعد رئيسية لمواجهة تمدد الروس والصينيين في كل الإقليم…                    

** التطورات الأخيرة في الإقليم وسر التطور الكمي للملفات الحارقة

1- أولا،لا شك أن ديناميكية الإقليم ومنذ بداية سنة 2021 متطورة بشكل متسارع بل وبَرقي من حيث التكيَّف مع تداعيات الحرب الروسية /الأوكرانية، فنظام “السيسي” والذي تنمر على شعبه وعلى دول المنطقة اصبح ومنذ سنتين في وضع غير مريح  سياسيا واقتصاديا(على الأقل مقارنة بما كان الوضع عليه في عهد “مبارك” وقبله السادات) وطبعا يعرف الغرب وواشنطن أهمية مصر في المنطقة ولواشنطن تحديدا  وهو ما يعني ربما العودة للبحث مستقبلا عن رئيس مدني، وفي سياق آخر وفي نفس الإقليم فان بات من الواضح أن كثيرا من المساحات في المنطقة المغاربية بل وفي دول الساحل لن تكون الا للجزائر وهذه الأخيرة أصبحت منذ سنتين تحديدا متماهية في افريقيا مع تركيا وإيطاليا (أكثر الدول قربا من واشنطن مثلها مثل اسبانيا والمانيا)[1].

2- ثانيا، الملف الليبي تحديدا – وهو أكثر ملفات الإقليم تأزما وجلبا لاهتمامات ومتابعة القوى الدولية- ستُنتج له الحلول لأن الامريكيين أيضا يريدون تحويل الملف الليبي لملف “نائم” مثله مثل سائر ملفات الشرق الأوسط ومنطقتي “غرب” و”شمال افريقيا”أي حتى يتفرغوا أولا وأخيرا للصينيين والايرانيين والروس وفي مربعات آسيا وافريقيا تحديدا وجزء من أوروبا بالنسبة للروس، ولا شك أن توازن القوى أو توان الضعف مُسطر وفي حد أدنى مدعوم أمريكيا، لا فقط محليا فقط بل أيضا إقليميا، وحتى ما حدث سابقا كانت معادلاته كثيرة بسبب تطورات الإقليم، فحفترمثلا ذهب للجنوب الليبي وتوغل فيه فعليا بالتوازي مع انطلاق الحراك الجزائري (فيفري 2019)،  وهو أيضا قدم للعاصمة طرابلس في 04-04-2019 أي يومين فقط بعد استقالة “بوتفليقة”، و”بشاغا” ما كان ليلتقي بعض أنصاره في كتائب طرابلس في تونس بل وحاول أن يستقوي بهم على حكومة “الدبيبة”(وما كان ذلك ليقع حسب قراءات البعض في ظل حكومة “المشيشي” وسنده البرلماني  قبل 25-07-2021)[2]

3- ثالثا، المتابعة السياسية لحراك الوضعفي الإقليمتؤكد وقوع متغيرات كمية وخاصة منذ أسابيع،وهي متغيرات تتقاطع بمجملها مع قضية مركزية وهي ترتيب أوراق دمج “إسرائيل” في المنطقة في الجانب الأمني والعسكري بعد انطلاق قطار دمجها اقتصاديًّا وثقافيًّا من بوابة الإمارات واندماجها سياسيًّا عبر اتفاقيات التطبيع مع البحرين والمغرب والسودان، وما يجري التمهيد له من تطبيع مع السعودية عبر سماح السعودية المرتقب لشركات الطيران الإسرائيلية بالتحليق في سماء المملكة باتجاه الإمارات، وربما نقل حجاج المسلمين من مناطق (1948) إلى السعودية، وعبر ملف جزيرتي تيران وصنافير اللتين من المتوقع أن تفتحا قناة اتصال مباشرة بين السعودية و”إسرائيل”. وبخاصة أن ملف الجزيرتين يندرج في صعيد الترتيبات الأمنية للمنطقة برمتها في إطار مواجهة التهديد الإيراني “المزعوم” والذي يتطلب معالجته تكتلًا عسكريًّا أمنيًّا بين “إسرائيل” ودول الخليج ومصر والأردن….، كما أن الملك الأردني في حديثه له مع الجنرال المتقاعد “هربرتماكماستر”(ضمن برنامج “باتل غراوندز” في معهد هوفر/جامعة ستانفورد)، حذّر من نشوء فراغ روسي” في سوريا، تسعى إيران لملئه، وما قد يفضي إليه من تأجيج “حرب المخدرات” ويفتح الباب لعودة “تهديد الإرهاب”، وخلال الأسبوعين الماضيين كثفت “إسرائيل” هجماتها واستفزازاتها لإيران، فاغتالت عددًا من المسؤولين الإيرانيين من بينهم ضباط في الحرس الثوري، وقصفت مطار دمشق وأخرجته من الخدمة بدعوى استعماله من قِبل إيران والنظام السوري لنقل أسلحة لحزب الله، وفي خطوة لافتة ومتقدمة نشرت “إسرائيل” منظومة رادارات في الإمارات والبحرين، أعقبها تهديد من قِبل قائد القوات الجوية الإيراني “علي رضا صباحي” وتحذيره من تبعات ذلك على أمن دول الخليج، وتأتي الخطوة الإسرائيلية متناغمة مع سحب أميركا لمنظومات دفاع جوي من السعودية رغم الهجمات المتكررة من قبل مليشيا الحوثي على السعودية والإمارات و”حرب السفن”، ما يوحي بترتيب أميركي إسرائيلي خليجي مسبق لتغطية “إسرائيل للفراغ الأمني ودمجها في الأمن الإقليمي وتبرير التطبيع والتحالف العربي الإسرائيلي… وفي ضوء هذه المعطيات جميعها يجري الحديث عن حرب مقبلة في المنطقة، تكون إسرائيل والمتحالفون معها من الدول العربية في جهة وإيران وميليشياتها من جهة أخرى. ويرسم بعضهم سيناريوهات لهذه الحرب، من شن ضربات قاتلة على بنك من الأهداف في إيران بينما تشن أدوات إيران في المنطقة كحزب الله وميليشياتها في سورية هجمات على أهداف إسرائيلية. بل إن هناك جهات إسرائيلية تحذر الإسرائيليين من سقوط آلاف الصواريخ من حزب الله على إسرائيل، تقابله “إسرائيل” بضربة ساحقة تطال البنية التحتية في لبنان، غير أن اندلاع حرب محدودة مع إيران لتأكيد التحالف العربي الإسرائيلي وتبريره، ولتقويض الرأي العام والأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة لصالح ائتلافات جديدة أكثر ملاءمة للمصالح الأميركية، هو أمر غير مستبعد لكنه غير مرجح في ظل الأوضاع الدولية والحرب الروسية على أوكرانيا، والأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية عالميًّا. وبالتالي لم يعد خافيًا أن التلويح بهذه الحرب إنما يهدف إلى تحجيم إيران إلى الحد الذي يبقيها فزاعة لدول المنطقة وبخاصة دول الخليج ريثما يصبح اندماج “إسرائيل” في المنطقة واقعًا مفروضًا عبر اتفاقات دفاعية، تسمح لإسرائيل بالإشراف المباشر على قدرات وإمكانات دول المنطقة بما يضمن وجودها ومصالحها الأمنية والعسكرية والاقتصادية[3]

** أي آفاق للوضع في البلدان المغاربية في أفق نهاية 2022

1- أولا، بناء على الحقائق والمعطيات والاستنتاجات الواردة في ثنايا دراسة الحال يمكن الجزم ان مستقبل الملفين الليبي والتونسي (باعتبارهما أكثر الملفات المغاربية المتحركة حاليا) يرتبط أساسا بنتائج الحسم في السيناريوهات التي ترتب للإقليم وهي سيناريوهات قد تكون متكافئة من حيث الفرص كميا في غلبة أي منها على الآخر بغض النظر عن طبيعة السياسات الأمريكية في المنطقة والقائمة على تحويل كل المنطقة المغاربية ( بل والشمال والغرب افريقية) الى ملفات نائمة بحثا عن التفرغ للماردين الروسي والصيني إضافة الى ترتيب الملف الإيراني عبر حرب قصيرة المدى معه أو ترتيب فاوضي طويل وعسير ، وهنا من المهم التذكير أنه سنة 2010 كان سيناريو التوريث قائما في المنطقة وفي الإقليم وتم العمل عليه لسنوات بين سنتي 2005 و2010 ولكنه سقط في الماء ( معلوم أنه تم ترتيبات لتولي “سيف الإسلام” أو “المعتصم” في يلبيا و”كمال مرجان” أو “ليلى الطرابلسي” في تونس وابن علي عبدالله صالح في اليمن و….)، وقد سقط السيناريو واقعيا رغم أن البعض اعتبر يومها أنه اصبح قدرا محتوما…

2- ثانيا، كثيرة هي محاولات جر البلدان المغاربية للتطبيع وهي محاولات بعضها ظاهر والأخر خفي وناعم، ورغم تقييم أولي منذ سنوات وفي “تل ابيب” تحديدا أن التطبيع في ليبيا وتونس والجزائر والكويت غير أولوي إلا أن ذلك لن يُغني على وجود محاولات أخرى في المدى المتوسط والقريب أيضا، بينما معلوم أن المخطط الكبير وعلى المدى البعيد هو ضرب استقرار الجزائر بل أن المشروع هو تقسيمها وضرب استقرارها والحد من قوتها (وقد كتب مسؤول جزائري – في منظمة متوسطية- في فيفري 2019 تدوينة أن مسؤولا غربيا قال له “ياسر عليكم الجزائر الحالية”…)     بينما معلوم للجميع ان محاولات التطبيع مع موريتانيا وتونس قديمة وتعود الي بداية الألفية الحالية ان لم نقل قبل ذلك بسنوات وعقود، أما في المغرب وعلى عكس ما يعتقد البعض فان التطبيع أعطيت له واجهة معلنة لأنه قديم وان كان اقل محدودية من اليوم ولكنه أيضا وفي كل الحالات سيبقى محدودا باعتبار أن للمغرب التزاماته تجاه الفلسطينيين  وهو وكما هو معلوم رئيسا للجنة القدس كما أن الشعب المغربي ونُخبه يرفضان توسيع مجالات ذلك التطبيع ولأن قضية فلسطين ستبقى مركزية في اهتمامات ملك وساسة المغرب ونخبه وطبعا شعبه، ولا يمكن تغييب اهتمامات “تل ابيب” بليبيا خاصة وان مشروع الاستيطان الصهيوني كان قائما في برقة الليبية في بدايات القرن العشرين، والخلاصة في هذه النقطة أن مسارات التطبيع ستتعثر ولن تنجح في المنطقة المغاربية وان الصهاينة سيبحثون على مساحات أكثر في المجالات الثقافية والفكرية لا في المغرب فقط بل بين النخب وفي أوساط المجتمع المدني في البلدان المغاربية الخمس…

3- ثالثا، من المنتظر ان تواجه الحكومتين المغربية والموريتانية تحديات جمة اقتصاديا واجتماعيا ولكن الاستقرار السياسي سيترسخ أكثر في البلدين في أفق نهاية السنة الحالية وستترسخ الوحدة الوطنية في البلدين أكثر فأكثر بناء على انحسار عقلية الاستقصاء وحصول تراكم فكري كميا للتيار الوطني المستوعب لطبيعة التداعيات الدولية والإقليمية ولما يجري في دول الساحل والصحراء…

4-رابعا، في تونس تؤكد كواليس الحياة السياسية أن هناك عمليا أربع سيناريوهات مرتقبة لتطور الأوضاع السياسية في البلد خلال الأشهر القادمة – أي في أفق نهاية 2022 وهي: أولا سيناريو “فشل تنظيم الاستفتاء” مما يعني سقوط الانقلاب بغض النظر عن شكل وتفاصيل رحيل منظومته بينما يتمثل السيناريو الثاني في قدرة “سعيد” وحكومته على المضي في الاستفتاء مقابل عدم القدرة لاحقا على المضي في خارطة الطريق، بينما يتمثل السيناريو الثالث في حدوث أزمة أخرى عشية انتخاب برلمان جديد وتغير المعطيات دراماتيكيا، بينما يرتكز السيناريو الرابع والأخير في قدرة السلطة الحالية على تنزيل كامل مشروعها حتى سنة 2024…

5- خامسا،ستبحث الجزائر على لعب أدوارا كبرى مستقبلا في قضايا المنطقة وذلك ممكن نظريا بناء على عودة فاعلية ونجاعة دبلوماسيتها والتي كانت مشلولة بين سنتي 2014 و2020 وهي دبلوماسية ستتجه أكثر فأكثر نحو دبلوماسية المواجهة رغم وجود تباين بين مربعات أهم الفاعلين الرئيسين الجزائريين في اعتمادها من عدمه، خاصة وأن هناك تيار سيحاول تهدئة الأوضاع حتى نهاية السنة الحالية – بما في ذلك مع المغرب – بهدف إنجاح احتفالات الذكرى الستين للاستقلال (05 جويلية/يوليو) أولا، ثم إنجاح القمة العربية المقرر عقدها في 01 نوفمبر بالجزائر ثانيا (وهي قمة مؤجلة منذ سنة 2020 بسبب كورونا وسبب تباينات بين دول عربية رئيسية)…

6- سادسا، في ليبيا ورغم وجود ازمة في الأفق بعد نهاية خارطة الطريق الأممية في 21- جوان/يونيو الحالي، فانه يمكن القول أن الإشكال راهنا لا يزال قائما في مسارين للازمة (المسار السياسي/التنفيذي– المسار الدستوري) ذلك أن المسارين العسكري والاقتصادي/الاجتماعي متفق حولهما وصعب تحريكهما بناء على توازن الضعف وتوازن القوى القائم محليا وإقليميا ودوليا في البلد الذي تسعى القوى الدولية – كما ذكرنا أعلاه- الى تحويله لمنصة لمواجهة روسيا ومن ثم عدم السماح بتمددها في القارة السمراء لا في الاتجاه جنوبها ولا في الاتجاه شمالها وابقائها في مربعات “مالي”و”زمباوبي” و”افريقيا الوسطى”، ولا ومهرب في ليبيا الا بوجود توافق سياسي واجتماعي واسع والمضي في انتخابات لإيجاد أجسام شرعية ومنتخبة من الليبيين والخلاصة أن هناك في أفق نهاية 2022 خمس سيناريوهات وهي[4]:

  • سيناريو أول، ويتمثل في تشكيل حكومة مصغرة من حوالي 14 وزيرا لتقود نفس البلاد لمدة سنة على أن تجرى الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 2022 والرئاسية في جوان/يونيو 2023
  • سيناريو ثان، وينبني ربما على أحداث وتطورات دراماتيكية من بينها ربما استهداف الحقول من طرف كتائب وقوى اجتماعية وعسكرية بحثا منها على طرد قوات “الفاغنر” الروسية هناك، ثم يتم لاحقا ترتيب السيناريو السابق نفسه تقريبا أي انتخابات برلمانية ثم رئاسية…
  • سيناريو ثالث، ويتمثل في اقناع “الدبيبة” بانتهاء ولايته بانتهاء الخارطة الأممية وتتم دعوته للترشح مقابل إيجاد حل لمباشرة حكومة “باشاغا” مع تعديلها كميا وكيفيا ثم تشرف بنفسها على مسار انتخابي مضبوط بخارطة طريق واضحة المعالم…
  • سيناريو رابع، ويتمثل في أن تتطور الأحداث خلال الأسابيع والأشهر القادمة نحو مزيد من التأزيم ولكن قد لا تتوسع الاشتباكات ويتم الحرص على أن تبقى محدودة ومن ثم تتم المبادرة بدعم خطة إعادة الملكية لليبيا والاعتماد على دستور 51 جزئيا أو كليا…
  • سيناريو خامس والأخير، وهو نفس السيناريو السابق تقريبا مع الدفع الإقليمي والمحلي للتقسيم أو ما شابهه سواء عبر الفيدرالية أو حتى الكونفدرالية المقنعة وهنا سيتم انشاء عملي لثلاث جيوش ولكنها جيوش تابعة لوزير دفاع مركزي (ضمن حكومة مركزية قوية ولكنها أقرب للتبعية للفاعل الدولي) وهنا ستواصل قيادة البعثة الأممية بمهام بعينها الى ما لا نهاية…

[1]أنظرمقال للكاتب في يومية “الصباح” التونسية بتاريخ 19-06-2022 بعنوان ” السيناريوهات المرتقبة وآفاق الوضع في افق نهاية جوان الحالي” – بتصرف-

[2] نفس المصدر السابق

[3]هذه الفقرة هي عمليا تلخيص من الكاتب لورقة مطولة وثرية نُشرت في مجموعة على تطبيق “واتساب” بتاريخ 20-06-2022 تحت عنوان “متابعة سياسية: الحراك الإقليمي في المنطقة” (لم يتم ذكر اسم كاتبها سواء كان فردا او مؤسسة)

[4] يومية “الصباح” التونسية مصدر سابق مذكور في الهامش الأول…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق