دراسات

الصوفيّة في السنغال.. هل ترتبط بحركة التجديد العربي؟ (1من2)

الكتاب: “جهود الشّيخ أحمد التجاني سه في الدّعوة والإصلاح”

المؤلّف: بابا عرفان آدم صار
الناشر: مجمّع الأطرش للكتاب المختصّ
الطبعة الأولى: 2022
عدد صفحات الكتاب: 176

لئن تصدّرت المسألة السياسية قضايا الفكر الإصلاحي على امتداد القرن التاسع عشر الميلادي، فإن القضايا المجتمعيّة وقضايا تجديد الخطاب الدّيني هي التي وسمت مواضيع الإصلاح منذ القرن الفائت. وفيما يؤكّد الباحث المغربي الدكتور محمّد همّام الاهتمام البالغ الذي حظيت به مدارس تجديد الخطاب الدّيني مشرقا ومغربا والتفاعل الكبير فيما بينها، فإنّ محاولات رجال الدّعوة والإصلاح جنوب الصحراء الأفريقية لم تحظ بالقدر الكافي من الدّراسة والنقد.

التفاعل بين مدارس التجديد في الفكر الإسلامي في المشرق والمغرب يؤكده تفاعل المدرسة الإصلاحية التقليدية في المغرب ورموزها، من علال الفاسي إلى طه عبد الرحمن، مرورا بمحمد عابد الجابري مع تجربة الشيخ محمد الطّاهر بن عاشور في تونس، وبنفس الأهمية كان تفاعل مدرسة الشّام في التجديد، على وجه الخصوص محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله، مع فكر الجابري وكتاباته.

ولأنّ التفاعل بين مدارس التجديد في العالم الإسلامي والانفتاح عليها ساهم في تحرير العقل العربي من سجون التاريخ والمذهبية، على حدّ تعبير محمد همّام، فإنّ الدّفع بالخطاب النقدي والفكري إلى أقصاه، بغية الاستثمار الأمثل للدين الإسلامي وتحويل طاقاته الروحية إلى ذخيرة تنموية إنسانية، يدفع الباحث والقارئ حدّ السّواء إلى النبش في أتون المدوّنة الصوفية وتراثها اللاّمادّي، على وجه الخصوص جنوب الصحراء، إثراء للمكتبة الأكاديمية التي ظلّت شحيحة خاصّة فيما يتعلّق بفترة ما بعد الاستعمار الفرنسي.

ولأن الشيخ أحمد التجاني سه عُدّ دعامة مُهمّة من دعائم نشر الثقافة الإسلاميّة والعربيّة في أوساط المجتمع السنغالية، فإنّه كان من الأهميّة بمكان الحفر في تجربته الدعوية والإصلاحية، رغبة في كنه أفكاره ودلالتها والكشف عن مدى أهمّيتها الرّاهنة من أجل تجذير مفهوم التّجديد الدّيني. كما إن الوقوف على إسهاماته المادّية والعلميّة والتربويّة والسياسيّة، وإعادة قراءة تجربته الدّعويّة الإصلاحيّة، طالما مثّل مطلبا بحثيّا مهمّا ومتقدّما داخل السنغال وخارجه.

في هذا الإطار يتنزّل كتاب “جهود الشّيخ أحمد التجاني سه في الدّعوة والإصلاح” للكاتب “بابا عرفان آدم صار”، الباحث في معهد الحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة التونسية، الذي تقصّى الجهود الدّعوية والإصلاحية للشيخ أحمد التجاني سه المكتوم، بوصفه عنوانا بارزا للحفاظ على الهويّة السنغاليّة في أوج الصحوة الإسلامية بجنوب الصحراء والساحل. ثمّ تعدّاها إلى مستوى دراسة الفكر الدّعوي الإصلاحي في السنغال بشكل عام.

هل أحمد التجاني مصلح مثل عبده وابن عاشور؟ 

دراسة قضايا التجديد الديني والإصلاح الديني، ميسم النصف الأوّل من القرن العشرين، في دول الساحل وجنوب الصحراء، يجرّنا في مستوى أوّل، إلى ربط التجربة الدعوية والإصلاحية للشيخ أحمد التجاني سه بالجهود الإصلاحية لرموز الإصلاح والتجديد الديني في المشرق والمغرب نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين ومقارنتها بها. وفي مستوى ثان، إلى تجسيد سيرورة التجديد الدّيني من خلال قراءة أشمل للتجربة الإصلاحيّة في السينغال على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين وما إذا كانت تجربة الشيخ أحمد التجاني سه الدّعوية، تجربة صوفيّة منغلقة ولا تتجاوز جغرافيا السنغال، أم تراها انفتحت على تجربة الإصلاح في العالم الإسلامي؟ ثمّ ما علاقة هذه التجربة الصوفية بما سواها من حراك فكري وثقافي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ميلاديّة؟

فكرة الكتاب

يحفر الكتاب في شخصيّة من الشخصيّات العلمية والاصلاحية السينغالية البارزة في عالم التصوّف والإصلاح في القرن الفارط وهو الشيخ أحمد التجاني سه المكتوم (1925م-2017م)، الخليفة الخامس للطريقة التجانيّة بالسنغال وذلك “استقصاء لجهوده الإصلاحيّة والدّعويّة من خلال دراسة فكره وأشعاره وأعماله التي سخّرها في مواجهة المستعمر الفرنسي وترسيخ مشاعر المحبّة والقرب من الإرث النبوي”. ويكتسي الكتاب أهميّة بالغة من حيث وقوفه على الجهود الإصلاحيّة في مواجهة الكولونياليّة الزاحفة على العمق الإفريقي من أجل نهب ثرواته وسلخ الثقافات المحليّة، وإنّه من الضّروري امتلاك الوعي بخطورة الجرائم العنصريّة التي مورست باسم الحداثة وحقوق الإنسان”، يقول الدكتور جمال بوعجاجة، الأستاذ بمعهد الحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة مقدّم كتاب “جهود الشّيخ أحمد التجاني سه في الدّعوة والإصلاح”.

وفضلا عن كشفه عن الجهود الدعويّة للشيخ أحمد التجاني وما يمثله ذلك من أهميّة بالغة على مستوى “تجذير مفهوم التجديد الدّيني والسياسي من خلال دراسة نصوصه وأشعاره وأعماله التي سخّرها في مواجهة المستعمر الفرنسي للتأكيد على الذّات الوطنيّة السنغاليّة وتجذير الوعي الوطني داخل حدود الممكن من جهة أخرى”، فإنّ كتاب “جهود الشّيخ أحمد التجاني سه في الدّعوة والإصلاح” يستمدّ سبقه المعرفي من حيث تناوله الأكاديمي لمرحلة في أعلى درجة من الأهميّة العقليّة والحضاريّة من تاريخ السنغال الحديث.

هدف الكتاب

إنّ دراسة جهود الشّيخ أحمد التجاني سه في الدّعوة والإصلاح تتيح توسيم تلك الإسهامات المقدّرة التي قام بها الشيخ في المسارين الدّعوي والإصلاحي، في سبيل نشر تعاليم الدّين الإسلامي وإيصالها إلى النّاس بالوسائل والطرق النافعة والمشروعة بعيدا عن الغلوّ والتعصّب.

من جهة أخرى يتيح البحث المذكور إبراز مواقف الشيخ أحمد التجاني سه من الفكر الصّوفي السّائد وقدرته على توظيفه لشعره وأدبه في فكره الدّعوي الإصلاحي، وكشف ما في هذا الشعر من قيم إنسانيّة، وإثبات ثرائه بالموضوعات الاجتماعيّة والحضاريّة المتنوّعة.

بنية الكتاب

بالإضافة إلى المقدّمة التي احتوت الإطار النظري للبحث ومبررات الاشتغال على تجربة الشيخ أحمد التجاني الدعوية والإصلاحيّة ونقد أهمّ المصادر والدراسات السابقة، فقد بنى الكاتب “بابا عرفان آدم صار” كتابه: “جهود الشّيخ أحمد التجاني سه في الدّعوة والإصلاح” على ثلاثة فصول رئيسية، يحتوي كل واحد منها على خاتمة مستقلّة. يتناول الفصل الأوّل منها، والذي جاء تحت عنوان: “الفكر الإصلاحي في السينغال خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ميلاديين”، السياق التاريخي للفكر الإصلاحي بدءا من العالم الإسلامي ككل، مرورا بالغرب الإفريقي، ووصولا إلى السينغال. كما أتى ذات الفصل على تمركز الاستعمار الفرنسي بالغرب الإفريقي، السينغال على وجه الخصوص، من حيث الكيفيّة والأهداف وانعكاسات سياسته على المجتمع. إضافة إلى دواعي الإصلاح في السينغال، بما في ذلك الظروف الاجتماعيّة للبلاد وأحوالها الدّينيّة.

كما لم يغفل الفصل الأوّل الحديث عن الحركات الإصلاحيّة في غرب إفريقيا في فترة الاستعمار الفرنسي، وذلك من خلال تطرق الكاتب إلى المقاومة الإسلاميّة للاستعمار الفرنسي وفق نموذجين هما: مقاومة مسلّحة بقيادة الحاج عمر الفوتي تال، ومقاومة سلميّة بالحركة الفكريّة بزعامة الحاج مالك سه. كذلك تطرّق الكاتب في هذا الفصل الأوّل إلى خصائص الإسلام في السينغال، بما حواه من ظاهرة التشيّخ في المجتمع والإسلام الصوفي الطرقي في البلاد. ليخلص إلى الحديث عن التيارات الفكريّة والإصلاحيّة في السينغال. وهي أساسا التيار العلماني والتيار المسيحي والتيار السلفي والصوفي الإسلامي.

ويتناول الفصل الثاني، الذي جاء بعنوان: “أسس الفكر الدّعوي عند الشّيخ أحمد التجاني سه”، التجربة الدّعويّة من حيثيّات مختلفة كالبحث في أسس الدعوة وأركانها ثم أساليب الشيخ فيها ووسائله. أمّا الفصل الثالث الذي يحمل عنوان “مقوّمات الفكر الإصلاحي عند الشيخ أحمد التجاني سه” فقد تناول فيه الكاتب فلسفة الشيخ الإصلاحيّة من خلال “الوقوف على نزعته الإصلاحيّة في تجربة شعره القومي الوطني وعرض رؤيته الفلسفيّة في المجال الأخلاقي، بالإضافة إلى فلسفته في الحياة”. أما الخاتمة العامّة فقد لخّص فيها الكاتب أهمّ نتائج البحث في الفكر الإصلاحي للشيخ أحمد التجاني وتوصياته.

إفريقيا الصحراء والساحل خزّان روحي وتراث فقهي

على عكس الصورة النمطيّة التي يتمّ تسويقها، يرفع الكتاب الغشاوة عن حقيقة بحثية يفصح عنها الدكتور جمال بوعجاجة، مفادها “إنّ أفريقيا الصحراء والساحل ليست ساحة للرقص الفلكلوري، ولا هي مخازن للنهب العسكري، بل هي خزّان روحي يوقد جذوات الوجد بالإرث النبوي ويحافظ على اللغة العربية والتراث الفقهي والفكري بحكم الفطرة والإيمان”.

بناء على ذلك، فقد ارتكز بحث الكاتب على تبيان الجهود المبذولة، سياحة بين الأدب والفقه والدّعوة والفكر، فكان الاشتغال على نواح عدّة من شخصيّة الشيخ الدّاعية أحمد التجاني سه، الداعية المصلح من جهة نصوصه وتوقفا عند منهجه وأسلوبه وأفكاره وجهوده الاصلاحيّة ثمّ البحث في المخاطب المدعو في مستوى حاجاته وانتظاراته وآفاقه الرّوحيّة والماديّة. كما لم يغفل الكتاب دراسة الخطاب الإصلاحي في عمقه الصوفي والفكري والاجتماعي.

الحركة الصوفيّة في السنغال وصناعة ثقافة المقاومة

بعيدا عن التسليم بالصورة النمطيّة، التي تختزل الصوفية الإسلامية في دول الساحل وجنوب الصحراء الإفريقية على أنّها طقوس وأحيانا فولكلور ليس إلاّ، يكون من الأهمية بمكان الحفر في البعد الحضاري المغيّب عن الإسلام في السنغال وتشخيص الأثر السلبي الذي ترتّب عن تفاعلاته المجتمعية والثقافيّة مع البيئة المحليّة من جهة، ومع الحضارة الغربيّة من جهة ثانية. بحث في الدّور الحضاري المغيّب يتيح الانزياح عن دور التابع الناقل لرؤى الاستعمار والمسوّق لها، عن وعي أو بدونه، والذهاب بعيدا في صناعة وعي بديل يقطع مع الذهنيّة الاستعماريّة التي تصم التديّن الشعبي بجنوب الصحراء الكبرى بـ”الإسلام الأسود”، ولا تدّخر جهدا في سلب قوته المادّية والمعنويّة وتذهب عنه روح الجهاد والتغيير.

بالرّغم ممّا سبق ذكره من العراقيل، فإنّ تشكّل الحركة الصّوفية في السنغال ضمن تيّار الدّعوة والإصلاح قد ساهم في “صناعة ثقافة روحيّة مقاومة تصدّت للاستعمار وجعلت من التصوّف عنوانا لهويّتها ووجودها، على سبيل التحرر من الفرنكوفونية الغازية بمقوّماتها العلمانيّة ومفرداتها الغربيّة المسيحيّة”.

المصدر : العربي 21 بتاريخ 18 جوان 2022

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق