الجزائرتحاليل

دفع المخاطر أم كسب أرضٍ جديدة.. أي أفق لـ«لم الشمل» في الجزائر؟

منذ التاسع من شهر مايو (أيار) 2022 وقصر «المرادية» في العاصمة الجزائرية يشهد توافد أطراف ممثلة عن مختلف الأحزاب السياسية المعترف بها في البلاد، إذ تستبق هذه اللقاءات الثنائية لقاءً شاملًا للأحزاب السياسية، في إطار مبادرة أطلقت عليها وكالة الأنباء الرسمية في الجزائر اسم مبادرة «لم الشمل» وسماها الجيش الجزائري مبادرة «اليد الممدودة».

وحول هذه اللقاءات قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إن عقْد «اللقاءات الفردية التي أجريتُها أخيرًا مع قادة الأحزاب سمحت بمناقشة وتقييم عدَّة قضايا خاصة في العلاقة بالجبهة الداخلية في ظل التحديات التي تحيط بالبلاد».

وشارك في المشاورات المتواصلة إلى اليوم أكثر من 20 شخصية سياسية أبرزها: رئيس حزب حركة «مجتمع السلم» عبد الرزاق مقري، والأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي الطيب زيتوني، والأمين العام لجبهة التحرير الوطني أبو الفضل بعجي، ووزير الاتصال السابق عبد العزيز الرهابي، وعبد العزيز بلعيد زعيم حزب جبهة «المستقبل»، وجيلالي سفيان زعيم حزب «جيل جديد»، وعبد القادر بن قرينة رئيس حزب «حركة البناء».

وعلى الرغم من أن الكثير من الأحزاب أعربت عن مباركتها لهذه الخطوة، فإن بعضها عبَّر عن توجسه من أن لا تكون مبادرة «لم الشمل» على قدر حجم انتظاراتهم وحجم التحديات التي تعيش على وقعها البلاد داخليًّا وخارجيًّا، فيما عبرت كيانات سياسية أخرى عن تشككها في جدوى ومغزى المبادرة، فلماذا جاءت هذه المبادرة أصلًا وما مدى فرص نجاحها؟

هل يستوجب الوضع الداخلي «لم الشمل»؟

تأتي هذه مبادرة «لم الشمل» ثلاثة أشهر بعد إحياء الجزائريين الذكرى الثالثة للحراك الاجتماعي الشعبي الذي أطاح بالرئيس الراحل بوتفليقة، كما تعيش الجزائر على وقع أزمة اقتصادية واجتماعية، زادت من حدتها الحرب في أوكرانيا وما خلفتها من ارتفاع في مستوى الأسعار العالمية، على الرغم من انعكاسات الحرب الإيجابية على أسعار المحروقات التي توفر 90% من مداخيل الجزائر من العملة الصعبة.

الحرب في أوكرانيا

وتظهر هذه الأزمة من خلال ارتفاع معدل التضخم الذي بلغ 9.8% في مارس (آذار) 2022 بعد أن كان في حدود 7% خلال الفترة نفسها من عام 2021، وكذلك ارتفاع أسعار المواد الأساسية، بالترافق مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، مع تفاقم مشكلات البطالة والهجرة غير الشرعية، وأخيرًا التراجع التاريخي لقيمة العملة المحلية.

وتنتظر الجزائر خطوات مرتقبة من الحكومة لرفع دعم الدولة للمواد الاستهلاكية، وبالتالي زيادة أسعار عديد المواد الأساسية، خصوصًا بعد تنصيب الرئيس عبد المجيد تبون لجنةً لمراجعة سياسة الدعم، وتشير تقارير عديدة بأن هذه الخطوة ستنتج حراكًا اجتماعيًّا رافضًا لها.

وبالإضافة إلى الاحتجاجات الاجتماعية، يحتج الجزائريون من أجل تكريس ديمقراطية حقيقية تؤسس لحكمٍ مدني ينهي حقبة الفساد والتسلط، كما يطالب عدد من المنظمات بوقف محاكمة الناشطين على خلفية آرائهم ومواقفهم السياسية، وتشير تقارير حقوقية إلى أرقام كبيرة حول عدد الاعتقالات في صفوف ناشطين لمجرد ممارستهم حقهم في حرية التعبير أو التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.

زحام من القلق.. محيط إقليمي يهدد الجزائر

تحيط مخاطر أمنية من مختلف الجهات بالجزائر، حيث تعرف الجارة الشرقية، تونس، حالة من عدم الاستقرار والتحركات السياسية والاجتماعية المتواصلة منذ أكثر من 10 أشهر بفعل انقلاب 25 يوليو (تموز) الذي نفذه الرئيس التونسي، قيس سعيد، على المؤسسات المنتخبة.

الحرب في ليبيا

كما تشهد ليبيا، التي تجمعها بالجزائر ما يقارب الألف كيلو متر من الحدود البرية، عودةً للنزاع المسلح على أراضيها، فيما تعيش مالي والنيجر نشاط مجموعات إرهابية تسببت خلال شهر مارس (آذار) 2022، في استشهاد ثلاثة جنود جزائريين خلال مواجهة مع إحدى المجموعات الإرهابية على حدودها مع مالي.

وتعد الأزمة مع المغرب من أهم التحديات المقلقة للجانب الجزائري؛ إذ تصاعدت الأزمة السياسية بين البلدين منذ تطبيع المغرب العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وإعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، فضلًا عن الاتهامات المتبادلة بين البلدين باستهداف كلٍّ منهما لأمن الآخر، وكذلك تشير تقارير عدة إلى تصاعد فرضية التصادم العسكري بين البلدين.

ومنذ الحرب الروسية في أوكرانيا تعرف الجزائر ضغوطات مزدوجة من أوروبا من جهة وروسيا من جهة أخرى، فيما يتعلق بطلب الغرب بزيادة إمدادات الغاز الجزائري نحو أوروبا لتعويض جزء من الغاز الروسي، وتعد الأزمة الدبلوماسية المستجدة مع إسبانيا نتيجة لهذه الضغوط.

ويذكر أن العلاقات الجزائرية الإسبانية تشهد أزمة متصاعدة انطلقت بموقف إسباني يدعم مبادرة المغرب حول الحكم الذاتي في قضية الصحراء المتنازع حولها، وعدت الجزائر أن هذه الخطوة تمس أمنها القومي، وبعد فترة من الانتظار لم تستجب فيها إسبانيا لطلب الجزائر بمراجعة موقفها، أعلنت الرئاسة الجزائرية تعليق اتفاقية التعاون وحسن الجوار مع إسبانيا، بالإضافة إلى إيقاف كل وارداتها منها.

الجيش الجزائري يدعم «لم الشمل».. والأحزاب منقسمة

وفي انسجام وتطابق مواقف بين الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الجزائري الفريق السعيد شنقريحة، عبَّر الأخير عن دعمه لمبادرة الرئيس، وأطلق عليها اسم مبادرة «اليد الممدودة»، ودعا شنقريحة الجميع إلى تغليب المصلحة العليا للوطن والانخراط بقوة في هذه المبادرة الصادقة، حسب قوله، معتبرًا أنها تهدف إلى جمع القوى الوطنية ولم شملها.

وجاء في افتتاحية مجلة «الجيش» الصادرة عن وزارة الدفاع الجزائرية بتاريخ يونيو (تموز) 2022 أن مبادرة «اليد الممدودة» التي أطلقها الرئيس «تهدف إلى لم شمل كل فئات الشعب الجزائري دون تفرقة وتمييز لخدمة بلادهم مع طي صفحة الماضي» ونصت الافتتاحية على أن: «يعد تغليب المصلحة العليا للوطن ورص صفوف الشعب، من بين الشروط الأساسية لتمكين البلاد من التصدي للأعداء والحاقدين ووضع حد لمحاولات تمزيق نسيج المجتمع»

كما جاء في نص مجلة الجيش: «أن المبادرة ضرورية طالما أنها ترمي إلى تكوين جبهة داخلية متماسكة، تقف في وجه كل الحملات التشويهية التي تستهدف الجزائر وتساهم من جهة ثانية في النهوض بالبلاد والدفع بعجلة التنمية الوطنية».

ومن ناحية أخرى تختلف الأحزاب السياسية في الجزائر حول تطلعاتها من مبادرة «لم الشمل» (خاصةً في ظل الغموض المحيط بها) بين أطراف مؤيدة تأمل في أن تحقق المبادرة «جبهة داخلية» تحمي الجزائر من المخاطر المحيطة بها، وأخرى متوجسة من نتائجها في حال عدم التزام السلطة بالشروط الضرورية لإنجاحها، وبقية مشككة في خلفيتها ورافضة لها، لا تأمل نتائج مفيدة منها.

وفي هذا الصدد صرح سعد بغيجة، النائب عن حزب «جبهة التحرير الوطني» – الممثل في الحكومة –  وعضو لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات بالبرلمان الجزائري لـ«ساسة بوست» بأن «مبادرة لم الشمل اقتضتها الضرورة الوطنية نظرًا لما يحيط بالجزائر من مخاطر محدقة» وعد بغيجة أن «جميع حدود الجزائر معرضة للخطر مضيفًا أن بلاده مستهدفة في الفترة الأخيرة بفعل موقعها الحساس في الأزمة الأوكرانية، وما يتوفر فيها من ثروات بالإضافة إلى حضورها الدبلوماسي».

ويرى النائب بأن «رئيس الجمهورية ذهب في هذا الخيار من أجل حماية البلاد من المخاطر المحيطة بها عبر جدار وطني متماسك مرجحًا نجاح مبادرة لم الشمل انطلاقًا من حرص الرئيس، وجميع الأحزاب السياسية على وحدة البلاد وحماية أمنها وحقوقها».

وأكد النائب عن جبهة التحرير الوطني أن «جميع الأطراف في الجزائر معنية بهذا الحوار ولا تعارضه مستدركًا أن الأطراف التي تشارك في الحراك الشعبي أقصت نفسها من هذا الحوار وأن التعامل معها يكون بشكلٍ قانونيٍّ باعتبار ما اقترفته من تجاوزات تمس أمن البلاد ووحدتها» حسب تصريحه.

وفي المقابل عد رئيس كتلة حركة «مجتمع السلم» (حمس) – المعارضة – أحمد صادوق، في تصريح لـ«ساسة بوست» أن «مبادرة لم الشمل ما زالت عنوانًا غامضًا بدون مضامين ولا تفاصيل حول دلالاتها وأهدافها والمعنيين بالمشاركة فيها» مضيفًا: «الظرف الذي تمر به الجزائر يستوجب اجتماع أبنائها حول ما يوحدهم».

ويرى رئيس كتلة «حمس» في البرلمان أن نجاح مبادرة «لم الشمل» يتطلب أن تكون السلطة جادةً في أن تكون هذه المبادرة فرصةً لاتفاق الجزائريين على رؤية موحدة لمستقبلهم؛ لا أن تكون فقط من أجل ملف رفع الدعم دون صعوبات، كما تقول بعض التسريبات، حسب تعبيره.

وتشترط المعارضة لنجاح مبادرة «لم الشمل»، حسب رئيس كتلة حزب حركة مجتمع السلم، أن تتخلى السلطة عما دأبت عليه من التحكم وفرض الأمر الواقع، وأن يكون الحوار شاملًا وأن تكون من مخرجاته سياسات اجتماعية عادلة ومزيد من الانفتاح السياسي والشفافية وتكريس الحريات.

أما مؤسس حركة «رشاد» – المحظورة – والمعارض الجزائري المقيم بلندن محمد العربي زيتوت فصرح لـ«ساسة بوست» بأن «المبادرة ليست للم الشمل؛ إنما مخادعة أخرى بهدف ترسيخ الحكم العسكري بواجهة مدنية» حسب قوله.

ويرجع زيتوت إطلاق المبادرة إلى «محاولة السلطة احتواء الحراك الرافض لها بالإضافة إلى ما تعيشه من صراعات داخلية والتأثيرات السلبية المتوقعة للحرب الروسية في أوكرانيا»، ويرى زيتوت أن النظام الجزائري قد ينجح في ضم بعض وجوه المعارضة التي تبحث على التموقع في الحكومة لكن لن ينجح في «لم الشمل»، حسب قوله.

فعلى الرغم من حاجة الجزائر الملحة لمبادرة تنهي حقبة انعدام الثقة بين السلطة والنخب السياسية، وتبني جبهة داخلية قوية تواجه ما يهدد البلاد من مخاطر تستهدف أمنها، وتعيق مساعي إعادتها إلى موقعها الطبيعي في طليعة الدول المؤثرة أفريقيًّا وعربيًّا، فإن النظام الجزائري ومن خلال الغموض المحيط بمبادرته، بعد أكثر من شهر من إعلانها، يبدو أنه لم يتجاوز بعد أساليبه القديمة في حكم البلاد والتعاطي مع قواها الحية، بما قد يؤثر سلبًا في مسار هذه المبادرة وجدواها.

المصدر : sasapost بتاريخ 15 جوان 2022

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق