تحاليلتونس

التطبيع التونسي مع الكيان الصهيوني،ما بين الوهم والفرضيات المستحيلة…

علي اللافي – كتب ومحلل سياسي

مهما كانت الخلفية التي دفعت بالكيان الصهيوني ومربعاته الإعلامية والاتصالية لتكتيك القول أن التطبيع في تونس مسألة وقت فقط وبغض النظر عن طريقة وزمن التسريب فإن الثابت أن التطبيع تونسيا أمر غير وارد بل يكاد مستحيلا لاعتبارات متعددة، ولكن ماهي أسباب الضجة الإعلامية -والتي قد تكون هدأت مؤقتا بعد صدور بيان النفي عن وزارة الخارجية -ولماذا يبقى ذلك الرفض مشتركا بين كل الشرائح الاجتماعية وبين كل الفرقاء السياسيين والايديولوجيين؟

1- أولا، يبدو أن خلط الأوراق وتصدير أزمة الكيان الغاصب بعيدا عن مربعاته هو أحد عوامل اثارة الموضوع وبشكل سريع وبرقي وتحديدا من زاوية التشكيك واثارة البلبلة في ساحة سياسية مغاربية متحركة وغير موحدة بطبعها وخاصة من حيث مواقفها من قضايا كبرى ورئيسية، ومعلوم أن ذلك الكيان يعيش أزمة في تحريك ملف التطبيع نحو العمق الافريقي بل أن التطبيع ترنح عمليا بعد أن نجح مع بلدان عربية وخليجية بالأساس وخاصة في ظل تقييمات خاصة وسياسية وأمنية واقتصادية بالأساس أن التطبيع لم يتقدم بأي دولة عربية انتهجته…

2- ثانيا،يَعي الكيان الصهيوني قبل غيره أن الساحة التونسية لم ولن تقبل خيار التطبيع معه ككيان حتى أن تقييمات ودراسات سابقة له أكدت أصلا أن التطبيع غير مرتقب مع الكويت وليبيا وتونس والجزائر، ولذا يبدو أن خسارة حلفاء وحكام له في منطقتي شمال وغرب افريقيا قد فرملت فعليا اختراقاته السابقة وان ما جرى ويجري في التشاد والسودان ومالي وبوركينا فاسو قد أربكته مثلما أربكته طبيعة وقوة التحضيرات الأولية للقمة العربية والذكرى 60 لاستقلال الجزائر والتي تتضمن فعليا مساحات كبرى للقضية الفلسطينية والتي ستكون ولا شك على رأس اجندات القمة العربية في بداية نوفمبر القادم وفي الجزائر تحديدا وهو – أي الكيان- يعي كنه مقولة عرفات المشهورة “اذا ضاقت عليكم الدنيا فاذهبوا للجزائر..”، وهو يعلم أيضا قبل غيره أن عمق الجزائر هي تونس وأن تونس هي عمق رئيسي للجزائر، وبالتالي فهو يستهدف الجزائر استراتيجيا من خلال الاثارة الإعلامية الخاصة بتونس، وهي محاولة ايضاللعب على هشاشة الساحة الداخلية التونسية سياسيا نتاج طبيعة الأزمة القائمة ومتعددة الأبعاد، وهو يعرف أيضا أن العلاقات بين تونس والجزائر أثيرت حولها تفصيلات وجزئيات في مربعات بعينها (حضور تونس لاجتماع المانيا– الملف الليبي – تطور العلاقة مع مصر كميا على حساب الجزائر…)

3- ثالثا، الساحة التونسية ملقحة ضد التطبيع لطبيعة تكوين النخب والتي نمت وتطورت سياسيا على تطورات قضية فلسطين وتشبعت فكريا وسياسيا بتفاصيلها وذكرياتها وابجدياتها وكل سياسي تونسي لا يمكن ان تمحى من ذهنه “مجازر صبرا وشاتيلا” و”حصار بيروت” و”قصف حمام الشط” و”اغتيال أبو جهاد” ثم لاحقا “اغتيال أبو اياد وأبو الهول” وصولا لنضالات الفلسطينيين في جنين وغزة الصامدة ورام الله والقدس واحداث حي الشيخ الجراح السنة الماضية، وقد اختلفت النخب في رؤيتها للحكم وللقضايا السياسية والإقليمية والدولية ولكنها لم تختلف يوما حول ان تكون كل تونس سندا لفلسطين، وقد كانت تلك النخب معارضة لبورقيبة ونظامه ولكنها دفعته وأيدته لاستقبال الفلسطينيين في صائفة 1982 وتوحدت تلك النخب بطلابها وعمالها ونسائها وشبابها بطريقة غير مسبوقة في مسيرات التحرك من اجل التفاعل مع تطورات نضالات المقدسيين وكل نضالات الشعب الفلسطيني وذلك ليس الا استمرارا لما اقدم عليه مئات التونسيين سنة 1948 عندما ساروا على الأقدام مرورا بالأراضي الليبية والمصرية وصولا لأرض فلسطين اثناء حرب 1948 واستشهد عشرات منهم هناك والجميع يعلم مثلا أن الجنرال “سكيك” ورفاقه/اخوانه العسكريين قد شاركوا في حرب 1973…

4- رابعا،يرفض كل التونسيين سلطة ومعارضة التطبيع ولن يقبلوا به وكان الرئيس “سعيد” واضحا في قوله أثناء حملته الانتخابية أن “التطبيع خيانة عظمى” وهي مقوله كانت مرجحة ان يكون رئيسا أكثر من غيرها،وواضح أنه لم لن يقبل التطبيع في أفق نهاية عهدته الحالية كما أن حلفائه السياسيين تونسيا هم أقرب فكريا وسياسيا لأطراف إقليمية عربية تتبنى منطق الممانعة،كما أن معارضيه لا يختلفون معه أبدا بل هم سابقين له في تبني مركزية قضية فلسطين وفي رفض التطبيع (مكونات”جبهة الخلاص”–”جبهة الأحزاب الديمقراطية والاجتماعية”- مربع المنظمات الوطنية الرافضة للحوار الوطني بشكله الحالي ذلك ان المنظمة الشغيلة واتحاد الفلاحين وكل مكونات المجتمع المدني التونسي)،ومعلوم أن كل الأحزاب والمنظمات سالفة الذكر عادت ما نظمت فعاليتها ومؤتمراتها على أوتار الحدث الفلسطيني والأحداث في القدس ولبنان والعراق وكل القضايا القومية..

5- خامسا، كل ما سبق يؤكد أننا أمام زوبعة مفتعلة ومركبة لغايات بعضها تكتيكي وبعضها الآخر استراتيجي الطبيعة والأهداف وبعضها الآخر لن يفهم ولن يكشف سره الا خلال الأسابيع والأشهر القادمة، والخلاصة ان التطبيع في تونس وهم في ذهن البعض من نخب المهانة والالحاق الحضاري وبعض مُنبتين ووهم في ذهن الفاعل الصهيوني المرتبك والمرعوب من مسيرة الاعلام الفلسطينية،كما هو مرتبك من عودة الجزائر بقوة إقليميا وقوة حضورها في منطقة الساحل كما هو مرتبك من أن الأزمة في تونس ومهما تعقدت وطالت فإنها ستحل عبر الحوار والتدافع وآليات دستورية لتعود تونس عمقا لكل فلسطين لا سياسيا فقط بل فكريا وثقافيا واجتماعيا لطبيعة أواصر الأخوة والمصاهرة والتاريخ والدماء الزكية المشتركة في تونس، وهناك في القدس “باب المغاربة” يشد كل تونسي- وهو باب أقام به “محي الدين القليبي” والذي بعث رسالته يوما مؤكدا قبل وفاته في دمشق “اننا كتونسيين وان كنا فخورين باننا تونسيون فإننا أيضا فخورين بأننا أقرب لبيت المقدس ولكل فلسطين من بحرها لنهرها…”

المصدر : الصباح التونسية بتاريخ ١٢ جوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق