تقاريرتونس

تونس : جمهورية قيس سعيد وما بين نظم السلطوية من اتصال

لا تمكن قراءة التطورات الجارية في المشهد السياسي العربي، اليوم، من دون النظر إلى عمليات التفاعل بين وحدات النظم السياسية العربية، بما فيها من أشكال اتصال وتعاون وتساند بين الأنظمة السلطوية التي تشكلت بعد إخفاقات ثورات الربيع العربي، ولا تعنى قراءة العلاقات الدبلوماسية والمؤثرات الخارجية على الأحداث تهميش عوامل الداخلية، والتي تمثل المرتكز الأساسي لصياغة تلك النظم السياسة وتشكيلها، لكن رؤية عمليات التفاعل الخارجي تعطي صورةً مكملة للمشهد العام، بما فيه من تفاصيل وتحالفات وملامح مشتركة للأزمة.

وقد مثلت تدابير قيس سعيّد “الاستثنائية” في يوليو/ تموز الماضي استدعاء للسلطوية، بما فيها تجميد البرلمان الذي حله ليجمع السلطة التنفيذية والتشريعية، وثم لتكون له قدرة تأثير على القضاء من خلال إعادة تشكيل مجلسه. وجرى تسويق تلك الخطوات، تونسيا وعربيا، حلا لتفكيك أزمة سياسية واقتصادية عميقة، لم تستطع مواجهتها حكومات ما بعد الثورة، كما شكّلت القرارات الاستثنائية وما تبعها من ممارسات ضبط المجال العام مقدّمة لتأسيس نظام سياسي جديد، حمل شعار استعاره قيس سعيّد من قاموس دعائي مصري “الجمهورية الجديدة”، وبين ملامحه توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية ودوره، وتحجيم دور الأحزاب والمجتمع المدني. وأمام مقاومة هذا النهج، ولإيجاد غطاء دستوري، سعى قيس سعيّد إلى إعادة صياغة الدستور عبر استفتاء شعبي يجرى في الشهر المقبل (يوليو/ تموز)، ليُشرعِنَ إرادة التغلب والهيمنة، ويوسّع صلاحيات منصب الرئيس، ويحد سلطة البرلمان مستقبلا، بل ويحاول قطع السبل لوصول المنافسين والمعارضين توجهاته، ذلك عبر أدوات ضمنها إعادة تشكيل الهيئة العليا للانتخابات، وإعداد انتخابي جديد، ليكون البرلمان المقبل، والذي ستجرى انتخاباته كما أعلن، نهاية العام، أداةً تسانده لا تعارض توجهاته، أو تنشئ حالة تنازع، أو، أحيانا، توازن بين سلطتي التشريع والرئاسة، أو حسب ما كان يردد خلال فترة أزمة حكم حركة النهضة أن لتونس رأسين، البرلمان والرئاسة، وإن كان تعديل النظام الانتخابي ضرورة لتمثيل أكبر قدر ممكن من القوى السياسية، الا أن مستهدفات قيس سعيّد، كما يتضح، ليس توسيع مظلة التمثيل والمشاركة السياسية، بقدر ما يريد أن يكون مصدر كل سلطة ومتحكّماً في كل مؤسسات الدولة والهياكل السياسة. ولا يقبل الرئيس أن يشاركه أحد السلطات أو القرار، أو حتى يطرح رؤيةً غير رؤيته السياسية بوصفه حاكما فردا.

وليس ذلك منفصلا عن عمليات شيطنة القوى السياسة التي اعترضت أو تحفظت على ممارسة قيس سعيّد، حيث سعى هو، في المقابل، إلى أن يدلل على أن خطواته تحظى بتأييد شعبي، وتجرى بالتشاور مع فئات المجتمع عن طريق الدعوة إلى حوار مباشر يصل إلى العمق الشعبي، على حد تعبيره، سمّاه “الاستشارة الإلكترونية”. والتي من خلالها يدفع بمشروع دستور جديد (شارك فيها نصف مليون حسب موقعها)، ويريد قيس سعيّد شل فاعلية مكونات مجتمع السياسة في تونس، وليس كما يجرى التعميم أنه في مواجهة مع حركة النهضة وحسب. وهذا يتضح يوما بعد الآخر من ردود أفعال معارضة للمسار الذى يتخذه، ومنها ما صرّحت به جبهة الخلاص الوطني والاتحاد العام الشغل، وما أثير عن رغبته حل الأحزاب السياسة. وواضح أن الرجل يصنع سلطويته التي تجمع بين نظم قديمة (فكرة اللجان الشعبية ورفض التحزّب) ويتماس مع خطاب نظم السلطوية في مصر والسودان، وإنْ كان لا يستند، بشكل مباشر، إلى المؤسسات النظامية، ويرفع شعارات وعبارات تتغنى بالثورة والوطنية والاستقلال ومحاربة الفساد، وغيرها من شعاراتٍ دعائية، كما “من الألم إلى الأمل”، الذي يعد بالأفضل والأجمل بعد عهود ألم ما بعد الثورة، وأمل يحمله الرئيس للناس.

تحمل خطابات السلطوية اتهامات عمومية غرضها تشويه الفاعلين في المجال العام عبر تهم الفساد والتخوين والتبعية لقوى خارجية

ويتضح من الخطاب التونسي أن النظم العربية السلطوية موضع تشابه في السمات والمنطلقات والخطاب، وهذا يفسّر مضامينها وكيف تبدو خطواتها متقاربةً إلى حد بعيد، ومؤهلة بما يجمعها من مشتركات للانخراط في تعاون وتفاعل وثيق، وليست التصريحات التي تطلق عن تطابق الرؤى والاتفاق في مختلف الملفات مجرّد صياغة فيها مبالغة أو صياغة دبلوماسية بقدر ما أنها تعبير حقيقي. ويمكن تأمل ذلك في مشاريع للحوار السياسي المشروط في تونس ومصر والسودان، والبلدان الثلاثة تشهد أجواء السلطوية التي تنفي السياسة، وتسعى إلى تامم المجال العام، مع الأخذ في الاعتبار اختلافات السياق ودرجة السلطوية وقوة أدواتها القمعية، كما لا تخصّ هنا عملية نفي السياسة المقترنة بالسلطوية وحكم الفرد، باستبعاد تيار أو مكوّن أيديولوجي محدد، فالسلطوية توجه سهامها وتؤكد سماتها القمعية مع مختلف التيارات السياسة خارجها ومع المنافسين لها، وإنْ حملوا المضامين السياسية ذاتها، لأن القضية الأساسية هي إحكام السيطرة على الحكم، وترسيخ مقاعد الجالسين فيها. لذا تحمل خطابات السلطوية اتهامات عمومية غرضها تشويه الفاعلين في المجال العام، عبر تهم الفساد والتخوين والتبعية لقوى خارجية، أى التشكيك في الهوية والتوجهات الوطنية لكل من هو خارجها، والذين يمثلون للنظم السلطوية خطرا على استقرار الدولة والمجتمع.

وقد أظهرت القاهرة دعما لقيس سعيّد ترجمته تصريحات رسمية بشأن تأييد المسار السياسي، والتأكيد على رؤية مشتركة لقيادتي البلدين في مختلف القضايا، وغير ذلك من إطراء ومديح متبادل، وهذا يبرز دور المتغيرات السياسة وطبيعة النظم في تشكيل العلاقات الدبلوماسية. على جانب آخر، سبق أن أظهرت القاهرة دعما لنظام عمر البشير رغم التظاهرات الواسعة التي انطلقت بداية الثورة عليه، وبدا بعد ذلك أنها تساند الفريق عبد الفتاح البرهان الذي قاد انقلابا مدعوما من الجيش ورديف نظام الإنقاذ، وتنحاز إلى طرفٍ في صراع سياسي. ومع اختلاف المشهد نسبيا في تونس، إلا أن التعبير المتكرّر عن دعم المسار السياسي الذي يقوده قيس سعيّد قد يترك أيضا آثاره السلبية، غير أن العلاقات الدبلوماسية تتأسّس على مصالح مشتركة، لها صفة الاستدامة. واذ ارتكنت إلى ظرف استثنائي، فستكون عرضةً للتذبذب ومحدودة النتائج. ويذكّر المشهد الحالي بسعي نظامي بن علي وحسني مبارك، منذ نهاية الثمانينيات، إلى إيجاد حالة تساند تدعم استقرارهما، وما أنتجه ذلك من لجان التشاور والتنسيق السياسي، واتفاقيات تعاون اقتصادي عدة لم تحقق تغيرا ذا تأثير، لأنها همّشت الجوانب الاقتصادية، كما ارتبطت بوجود المكوّنات السياسة للنظامين. وحاليا، تعود العلاقات بقوة وتتعمّق على أسس سياسية. ويستعين قيس سعيّد بشعارات المسار السياسي في مصر، كما أن خطواته محل ترحيب واحتفاء متكرّر. وفي زيارته تونس أخيرا، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي هذا المعنى، ونقل “تأييد القاهرة حكومة وشعبا” مسار الإصلاح السياسى التونسي. وردّ المضيفون التحية عبر الاحتفاء بالتجربة المصرية في الإصلاح بوصفها ملهمة وعابرة للزمان والمكان، منقذة للدولة والوطن، وتشيد نهضة عمرانية. ذهب مدبولى ليعين تونس فى أزمتها، وكأن القاهرة ليست في المأزق نفسه!

أظهرت القاهرة دعماً لقيس سعيّد ترجمته تصريحات رسمية بشأن تأييد المسار السياسي، والتأكيد على رؤية مشتركة لقيادتي البلدين في مختلف القضايا

يحيل هذا المشهد من التعاون إلى ملاحظة أثر (ودور) تشابه مكونات الوحدات السياسة على بلورة العلاقات الدبلوماسية، حيث يمثل التلاقي أرضيةً لبناء جسور للعلاقات بين النظم، بما فيها تصوّراتها المتشابهة تجاه النظام السياسي الأمثل، وتوجهاتها نحو الديمقراطية وشكل المشاركة السياسة وحدودها، والحوار السياسي، الذي يتصادف أن يكون موضوعا للنقاش في البلدين حاليا، وإنْ يستعير، هذه المرّة، النظام المصري أفكار قيس سعيّد، حيث يجري الحوار عبر منصّات إلكترونية، شكلا افتراضيا، بديلا عن التفاعل في المجال السياسي المغلق من أجل التحسينات وعمليات “تصحيح المسار”، أو ربما اتساقا مع توجهات سلطوية بأن القوي السياسية غير جديرة بالحوار مع السلطة، ولا تتوفر لديها شروط ترضي المُحاور المحمّل بأمانة ورسالة لإنقاذ الدولة والشعب وربما الأمة… هذه كلها مع تصريحات وصور هزلية هنا وهناك، لا يستطيع المتابع أن يأخذها على محمل جادّ، لكنها تؤشّر إلى أن السلطة لا تريد أن تسمع أحدا أصلا، وأنها ماضيةٌ في طريقها لتلعب دورا تراه تاريخيا واستثنائيا في إنقاذ الوطن، عبر تحقيق الاستقرار والحفاظ على الدولة الوطنية، وما تجريه من ضبط المجال السياسي وتأميمه إلا لصالح التنمية والمصلحة الوطنية، وهذا يستدعي بدوره، حسب تصوّراتها، بناء نظام جديد، جمهورية عصرية يُعاد فيها تشكيل المشهد السياسي. لذا مطلوب إغلاق المجال العام وسد الطريق على المنافسة السياسية في البرلمان والشارع، إعادة هندسة المشهد السياسي، وهو ما جرى في مصر. لذا الالتقاء بين النظامين، المصري والتونسي، محصلة لمكوّنات ورؤية سياسية مشتركة بينهما، وخلالها تمكن رؤية أحد أسباب تطور العلاقات الدبلوماسية، بما تتضمنه من مضامين التساند السياسي.

ويمكن القول إن منظور “الأمننة” ومدخلها يمثلان إطارا لتحليل العلاقات الدبلوماسية بين النظم التي تركز على مفاهيم الأمن والاستقرار وتعدّد المخاطر والمهدّدات. وهذا يدفعها إلى إعادة صياغة علاقاتها الخارجية في الوقت الذي تصوغ المشهد السياسي الداخلي. وخلال علاقاتها الخارجية، تسعى إلى تبادل الدعم والتساند، كما يتكرّر في الخطاب الدبلوماسي، كما الخطاب المحلي، الحديث عن المخاطر، والذي يستدعي، بطبيعة الحال، الدور الاستثنائي للسلطوية وشخوصها، وهي تلعب دورا استثنائيا في إنقاذ الدولة من المخاطر وعبور الزمان والمكان، وتحمّل المشاق ضمن عملية تصحيح المسار. وربما يكون هذا النزع الوطني المتلبس بروح إيمانية (رسولية) معبرا عن مركزية دور الأفراد شاغلي مواقع اتخاذ القرار، وكأنهم رسلٌ يحملون دعوةً تبشّر بالخير وتجاوز الألم بالأمل، وتتحمّل المشاقّ من أجل وثيقة للمستقبل، وتستدعي نصوصا دينية وأمثلة تاريخية للتقريب والتشبيه وتثبيت المكانة وإضفاء طابع مقدس على السلطة، وهى سمات وبصمات وخطاب عابر للمكون الأيديولوجي، يتجاوز المقدّس والديني عند تيارات الإسلام السياسي.

المصدر : العربي الجديد بتاريخ 08 جوان 2022

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق