تحاليلتونس

تونس : ردود هادئة على أكاذيب و سرديات تقال حول العشرية الأولى لثورة 2011

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 عشية انقلاب/حركة 25-07 وطيلة العشر الأشهر الماضية روجت كثير من وسائل الاعلام (وخاصة تلك التي ترتبط في تمويلها بالمال الفاسد أو تلك التي عادت لمربع التدجين وسياسة الاملاءات أو هي ناطقة باسم الوطد الوظيفي وحلفائه الموضوعيين)، تقييمات لعشرية الثورة (2011-2021)، وهي تقييمات ارتكز أغلبها على تنفيذ استراتيجيا تمرير سرديات من مثل أنها “عشرية سوداء”أو أنها “فشل لأهل الثورة”، والحقيقة أن كل ذلك يدخل ضمن خطة سقطت الكثير من مربعاتها خلال الأشهر والأسابيع الماضية رغم تمسك كثير من ببغاوات السياسة والاعلام بها، ويرد مقال الحال على أطروحات ناشري تلك السرديات وفضحهم وفضح أكاذيبهم، وكيف أنهم جميعا من ذوي السمات النوفمبرية..

1- اولا،بتقييم موضوعي ونزيه العشرية ليست سوداء، وانما سود القلوب والعقلية هم أولئك الذين يدعون ذلك، بل أن ذلك المنطق في وصف مرحلة انتقالية للمسار الديمقراطي و الثوري، هو منطق وظيفي سياسيا وثقافيا، بل هو أعد تخطيطا في المخابر بغاية وأد الثورة وغلق قوسها وهي “ثورة شباب تونس” وليس ثورة أي طرف سياسي أو اجتماعي، والحقيقة أنهم حاولوا وأدها في أكثر من مناسبة عبر وظيفية لقوى في الداخل وعبر تنزيل رغبة دويلات خليجية ودولة عربية أخرى ( الواقع أن تلك الدولة يتركز كل فعلها على تحويل وربط كل مؤسسات الدولة بالفعل الأمني للأجهزة)، ان ما يراد اليوم هو أن تسمي الأجهزة الرؤساء المديرين العامين مثلا وهو الحال في مصر بل أن الخطة أن تشمل التسميات كل المسؤولين (الولاة والمعتمدين بل وحتى النواب وأيضا أهم المسؤولين الإداريين في كل القطاعات وفي كل الجهات)، والحقيقة أن محاولات وأد الثورة بدأت مبكرا ويمكن القول:

  • بدأت محاولات وأد الثورة باغتيال الشهيد “شكري بلعيد”، ثم اغتيال الشهيد “الحاج محمد البراهمي”…
  • تكررت المحاولة عبر خطة محبوكة ثانيةاثناء تنظيم انتخابات 26 أكتوبر 2014 التشريعية (قامت الخطة يومها على توهم حصول نداء تونس على 145 مقعدا أي اكثر من ثلثي المقاعد)…
  • ثم جاءت المحاولة الثالثة عبر توظيف سياسي رخيص لحوادث”الحافلة الرئاسية” و”متحف باردو”و”نزال امبريال سوسة” (وهي عملياتإرهابية جبانة ويكتنفها الكثير من الغموض)، وقد تلتتلك العمليات تغييرات كبرى في الإدارات الأمنية والسيادية (وتم يومها عمل دؤوب وغير عادي في أجهزة الدولة وبشكل غير معلن وبعيدا عن رقابة السياسيين) وهو ما مكن القديمة لاحقا من إعادة الانتشار وبقوة ومن ثم تفكيك الكثير من تجسد عقلية الثورة والديمقراطية في الإدارة وفي دواليب الدولة…
  • وفي مرحلة رابعة تم برمجة وأد الثورة في 01-06-2020 و14-06-2020 ولكن التطورات في ليبيا يومها وخسارة “حفتر” لمدن الساحل الغربي قد ساقط من جديد كل شيء في الماء، واهمية ذكر تلك المحاولات أن العشرية لم تخلو من حيثيات التآمر على الدولة والثورة والمسار الديمقراطي….

2- ثانيا، يمكن ووفقا لتقييمات موضوعية القول أن الفعل السياسي خلال العشرية لم يكن ناجعا – وسببه طبعا هو طبيعة النخبة الانتهازية بكاملها- ومن بينهم السياسيين دون شك، وهنا لا يمكن اغفال أدوار النقابيين وكل الفاعلين الثقافيين والاجتماعيين وفي كل المجالات وحتى المواطن العادي كان شريك في ذلك بسلبيته وعدم لعبه دور الرقيب في كل شبر من تراب تونس، وطبعا تختلف نسب المشاركة و السلبية مع أنه لا يمكن ربط فعل الحكومات بالثورة كمسار ، وحتى بمنطق الإنجازات فإن تلك العشرية انجزت الكثير والكثير ولعل مثال البنية التحتية وخاصة في الطرقات مثال دال ومعبر لمن أراد أن يكون موضوعيا، فقد تم مثلا انجاز طرقات كبرى ومحولات في كل ربوع تونسبل انه بلغة إحصائية أكثر من 23سنة من حكم حزب التجمع ورئيسه المخلوع شعبيا،وان من يروجون مثل هكذا سرديات كاذبة حول الثورة لا يعلمون حقيقة الشخصية التونسية وعليهم أ يعوا جيدا حتى لا يضيعوا أموالهم ووقتهمأن التونسيين لا يمكن استغفالهم ولا مغالطتهم باس شكل من الاشكال  وهم الذين كانوا رياديين وسباقين على نخبتهم في أكثر من محطة (1978-1984-1986-2008-2011) ولم تكن تلك النخبة البائسة ومنذ عقود خلت في مستوى رهانات شعب فريد واستثنائي وصفق له كل العالم، وبمقياس تلك النخبة تم تغييب حقيقة القاعدة السيسيولوجية القائلة “أنه كلما دخل مجتمع في أزمة الا واستنجد بنخبته لتجد له الحلول”

3- ثالثا،“الاتحاد العام التونسي للشغل” طرف رئيسي منذ الاستقلال وهو أكثر من رئيسي في السنوات العشر المعنية، وهو شريك اجتماعي رئيسي لا يمكن تغييبه في أي ملف وطني لا راهنا ولا مستقبلا، وهو من كان يقر تسمية رئيس الحكومة وتركيبتها وأشياء أكثر تفصيلا بين سنتي 2012 و2021 ومن ثم عليه وعلى قياداته واعلامه أن يقلعوا على تمرير سردية ومقولة “العشرية السوداء” فهي ملكه أولا، وثانيا هو شريك فيها عبر فعله الاجتماعي والسياسي خاصة وأن كل وزراء الشؤون الاجتماعية هو من أختارهم إضافة الى بعض وزراء التربية والمالية في الحكومات المتعاقبة …

4- رابعا، وزر المرحلة سياسيا تتحمله أطراف عدة، ذلك أن العشرية كانت ولا شك عشرية تشاركية بين العائلات السياسية والاجتماعية جميعا وفي تناسب نسبي مع نتائج صناديق الاقتراع في بعض محطات وخاصة في مرحلتي 2012-2013 و2015-2019 ففي المرحلة الأولى تتحمل “حركة النهضة”وشريكيها ( المؤتمر – التكتل) وزرها رغم محاولات العرقلة والاغتيالات المدبرة ونتائج وكوارث عقود الاستبداد، بينما في المرحلة ثانية يتحملها حزب نداء تونس وما تولد عنه من أحزاب لأنها سمى واختار  الرئاسات الثلاث وشكل خمس حكومات، كما يتحمل وزر الحقبتين  كل أعضاء الحكومات إضافة الى مسؤولية المعارضة يومها  والمنظمات الوطنية ( الأولى لطبيعة المرحلة والثانية لنهما كانت شريكة سياسيا واجتماعيا) ، وقد كان من بين الوزراء سياسيين من اليسار والقوميين العرب والليبراليين و الدساترة و الاسلاميين وكثير من التجمعيين (تحت لافتة التكنوقراط) وبعض التكنوقراط الحقيقيين، بينما يتحمل الجميع وزر سنة 2011 (رغم أنه اتباع المرحوم السبسي يومها منهج محاولة احتواء ناعمة للثورةوبدفع من قبل بارونات القديمة وحكام الظل يومها)، أما سنة 2014 فكانت في عهدة التكنوقراط والذين سيتحولون بقددرة قادر لاحقا للفاعلين سياسيين، وفي الأخير يكفي تعمير جداول الولاة والمعتمدين و الرؤساء المديين العامين وانتماءاتهم الحزبية والفكرية حتى تتبين الحقيقة للجميع….

5- خامسا،ان التقييمات اليوم والتي يراد تحويلها الى سرديات تتلخص فعليا في حديث غير موضوعي، وما يقال من ترذيل وتجريم للسياسة و السياسيين ليس سوى من باب ترديد كلام مخابرات “السيسي” وسنده في دول التطبيع العربية وبتمويل من عصابات عربية سواء كانت حاكمة أو هي واسعة الثراءوكلا الصنفين ورثا مهمة القذارة الإقليمية بعد 2011 من حكام تم اسقاطهم، وقد ترصدت تلك الأنظمة الخليجية الثورات وإرادات التغيير في كل العالم العربي، ومعلوم أن ذلك الخطاب يصنع ويبرمج في غرف وعبر نشر سرديات وما يعرف بصناعة العقول، وهي سياسات تصنع خطوطها الرئيسية بل واجنداتها الثقافية والفكرية في “تل أبيب” وعواصم أخرى وظيفية لها، والدليل خرافة “الابراهيمية” والتي اقترحها إرهابي مصري في احد السجون الغربية…

6-سادسا، دليل كذب تلك المقولات والتي يراد تحويلها الى سرديات اجتماعية بين المواطنين، هو أنهم يهرفون بما لا يعلمون ولا يفهمون فلا أحد اليوم يرغب او يريد العودة الى مربع 24-07-2021 وما صاحبه من تجاذب فكري وسياسي واصطفاف هذا الطرف او ذلك لأطراف إقليمية، أما من حيث الفعل السياسي في تلك العشرية فان أغلب من يسبونها كانوا شركاء فيها:

  • “زهير حمدي” مثلا كان رئيا لديوان محمد عبو سنة 2012 في وزارة الصلاح الإداري (حكومة حمادي الجبالي)
  • “عبيد البريكي” كان وزيرا للوظيفة العمومية في حكومة يوسف الشاهد سنة 2017 قبل ان يُقال (لم يستقل رسميا بل أقيل)، وهو نفسه من حباه الرئيس المخلوع بتوجيه أحد أبنائه الى كلية الطب رغم ان ملاحظة النجاح كانت متوسطة فقط….
  • أحزاب “المشروع” و”الوطني الحر” و”آفاق” كلها كانت شريكة في بعض تلك الحكومات، وبالتالي فالأحزاب الوليدة عنها والتي تردد وتنشر تلك السمات والاكاذيب تكطب نفسها بنفسها…
  • “حركة الشعب” والتي ركبت موجة شعبية “الصافي سعيد” مما مكنها من كتلة ب15 نائبا فقد شاركت في حكومة “الفخفاخ” (وهي حكومة متهم بعض أعضائها ومن بينهم رئيسها بتضارب المصالح)
  • يجب التذكير ان الوزيرين “البريكي” وناجي جلول هما من الوطد الماوي والوظيفي كما أن وزراء مثل “محمود بن رمضان” و”سمير بالطيب” هما من قيادات حركة التجديد أي وريثة الحزب الشيوعي (“المسار” اليوم) وهي تنظيمات وأحزاب وتيارات تتسابق اليوم في سب العشرية والتوافق والتلميح أن ثورة الحرية والكرامة ليست ثورة وانما هي انتفاضة فقط وتلوك سرديات المغالطة والوظيفية العمياء لتسوق لنا مبررات اقصاء هذا الطرف أو ذاك بحثا منها على التموقع مستقبلا…

7- سابعا، الخلاصة أن من يُروج تلك الأكاذيب والمقولات وباحثا هو أو مشغليه، فهو اما وظيفي مبرمج من قبل مربعات القديمة بأجنحتها المالية والسياسية وبعض متقاعدين منذ سنوات عديدة من الأجهزة (ممن عملوا مع المجرم والرئيس المخلوع)، أو ضمن نطاق وظيفي لأطراف إقليمية ودولية وهم أكثر من أم يتم احصائهم عدديا وكميا، أو هم صهيوني الفكر في العداء لفكرة الحرية والديمقراطية أو لهم عداء مع الفعل السياسي المستقل عن اسيادهم القدامى والحاليين، وبعضهم له فوبيا ضد التدين والمتدينين وضد الأحرار والعروبيين واليسار الشريف والفاعل من أجل الديمقراطية وحرية التعبير، ومع ذلك فيجب أولا وأخيرا دعم التقييمات الموضوعية للعشرية وغير الموظفة لخدمة اجندات قدامى السياسيين والأحزاب الحالية في معارك الحكم والسلطة، حتى يمكن رسم معالم العشريات القادمة وبحثا عن تحقيق اهداف الثورة ومن ثم استكمال مهامها المعطلة….

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق