تحاليل

الانتخابات التشريعية اللبنانية: نتائجها وانعكاساتها على المنطقة المغاربية

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

أعطت تقييمات أولية للاستحقاق الانتخابي اللبناني بانه رغم تغير المعطيات والنتائج على كل الانتخابات البرلمانية السابقة فإنها لم تغير المعادلات في أي اتجاه ولكنها أقرب للشفافية كما كرست ان لبنان ورغم ازماته المالية والاقتصادية والسياسية يبقى بلدا عربيا رياديا في التجربة الديمقراطية وانه سيبقى نموذجا للمدنية والحداثة بمفهومها الغربي، فما هي أهم مستخلصات النتائج النهائية المعلن عنها أول أمس الثلاثاء وماهي انعكاسات تلك النتائج على المنطقة المغاربية والتي تشترك بلدانها مع لبنان في كثير من المربعات ثقافيا وسياسيا واجتماعيا؟

** قراءة في النتائج: خسارة جُزئية لحلفاء “حزب الله” وتشكيل الحكومة سيكون صعبا وماراطونيا

1- أولا،رسميا أعلنت السلطات اللبنانية أول أمس الثلاثاء 17 ماي الجاري كامل نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت الأحد الماضي ولتكشف تلك النتائج عن برلمان مشتت من دون أكثرية واضحة فيه، خصوصاً بعد فقدان حلفاء “حزب الله” العديد من المقاعد، ليفقدوا الأكثرية في مجلس النواب (61 نائباً من أصل 128)، وفي مقابل ذلك نجح حزب “القوات اللبنانية” (المعارض لـ”حزب الله” وسياساته واصطفافه الاقليمي) في تحقيق تقدّم كبير يسمح له بتشكيل كتلة من أكثر من 20 نائباً مع حلفائه.

2- ثانيا،المفاجأة الأكبر في هذا الاستحقاق الانتخابي اللبناني جاءت عبر القوى التغييرية التي نجحت في إيصال 15 مرشحاً إلى البرلمان الجديد، كان لهم حضور بارز في ساحات التظاهر منذ انتفاضة أكتوبر 2019 بينما في المقابل أنتجت مقاطعة “تيار المستقبل” لهذه الانتخابات (وهو عمليا أكبر ممثل للطائفة السنّية اللبنانية)، تفتّتاً في المقاعد السنّيةوالتي انقسمت بين شخصيات عديدة من دون مرجعية واحدة لها، وطبعا تعني النتائج المعلنة ( وهي نتائج نهائية)، عدم قدرة “حزب الله” وحلفائهوأيضا الكتلة المقابلة التي قد تجمع “القوات اللبنانية” وأطرافاً أخرى، على تأمين أكثرية نيابية واضحة، لتبقى كلمة الحسم لدى النواب التغييريين الذين أيضاً لم تظهر حتى الساعة إمكانية تجمّعهم في كتلة واحدة، علماً أن تشكيل اللوائح الانتخابية قبل استحقاق 15 ماي شهدت الكثير من الجذب والشد بين هذه الشخصيات التي لم تنجح في الاتفاق على لوائح موحدة تخوض بها الانتخابات في مختلف أنحاء البلاد.

3- ثالثا، مستقبلا ستتصاعد المخاوف من اتجاه لبنان إلى شلل مؤسساتي، والفشل في حسم الاستحقاقات المقبلة، ولا سيما تشكيل حكومة جديدة، وخصوصاً أن الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي الحالية ستصبح في حكم المستقيلة مع بدء ولاية مجلس النواب رسمياً، ومن بعدها يأتي انتخاب رئيس للجمهورية بعد نهاية ولاية الرئيس الحالي ميشال عون (أدخل اليوم إلى المستشفى لإجراء فحوص طبية) أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، علماً أن البلاد تعاني من أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، في ظل انهيار سعر صرف العملة الوطنية (تخطى اليوم 30 ألفاً مقابل الدولار) وانعكاسات ذلك على كل القطاعات، مع انتظار التفاوض مع صندوق النقد الدولي في الفترة المقبلة، الذي يطالب بإصلاحات وقوانين مشددة، ومن الواضح أنه يمكن الجزم أن في الوقت الراهنأن تشكيل حكومة بشكل سريعخاصة وأن المجموعات داخل البرلمان الجديد/المستقطبستدخل في نزاعات عند انتخاب رئيس البرلمان وتسمية رئيس الوزراء المقبل والتصويت على اختيار رئيس في وقت لاحق من العام الحال، ومعلوم أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريسسارع الى دعوة في بيان له مساء الاثنين (أي مباشرة بعد اعلان النتائج الأولية) إلى تشكيل حكومة شاملة بسرعة من أجل تحقيق الاستقرار في الاقتصاد، ومعلوم أن النتائج النهائية للانتخابات بينت احتفاظ “حزب الله” وحليفته حركة “أمل” التي يتزعّمها رئيس البرلمان المنتهية ولايته “نبيه برّي”، بكامل المقاعد المخصّصة للطائفة الشيعية (27 مقعداً)، لكن حلفاءهما، وبينهم “التيار الوطني الحر” بزعامة النائب “جبران باسيل” (صهر رئيس الجمهورية ميشال عون)، خسروا مقاعد في دوائر عدّة.

4- رابعا، فعليا سقطت وجوه بارزة موالية لحزب الله منها النواب السابقون “إيلي الفرزلي” و”طلال أرسلان” و”أسعد حردان” و”فيصل كرامي” وغيرهم من سياسيين مثل “وئاب وهاب”، وبذلك فَقَد الحزب -كما ذكرنا ذلك أعلاه الأكثرية-التي كان يمتلكها في البرلمان المنتهية ولايته، وسيلقي الأمين العام للحزب حسن نصرالله كلمة غدا الجمعة يتوقع أن يعلّق فيها على نتائج الانتخابات، وفعليا لم يتردّد الحزب منذ اليوم التالي للانتخابات ( أي الاثنين 16 ماي) ببدء توجيه رسائل إلى النواب المعارضين له، وقد قال رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” (كتلة الحزب في البرلمان) النائب محمد رعد خلال استقباله وفوداً بعد فوزه في الاستحقاق الانتخابي: “نتقبّلكم خصوماً في المجلس النيابي، ولكن لن نتقبّلكم دروعاً للصهاينة والأميركيين، لا تكونوا وقوداً لحرب أهلية. نحن متسامحون جداً، لكننا اقوياء جداً لنفاجئكم بما لا تستطيعون حتى التوهم به”، بل أن نائب الحزب تابع كلامه الموجه للضيوف “إذا لم تريدوا حكومة وطنية فأنتم تقودون لبنان إلى الهاوية، وإياكم أن تكونوا وقود حرب أهلية”. وردّ النائب المنتخب في طرابلس أشرف ريفي عليه، قائلاً: “نحن لسنا عملاء لإسرائيل، أنت عميل لإيران”، داعياً إلى وقف لغة “التخوين”.

5- خامسا، فعليا أحرقت مجموعة من الأشخاص كانت على دراجات نارية وترفع علم “حزب الله” ما يعرف بـ”قبضة الثورة” التي كانت عبارة عن لوحة ضخمة أقيمت في ساحة الشهداء وسط بيروت، وهو ما يعني أن الحزب لا يزال قويا ولم تؤثر فيه بعض التراجعات في النتائج وفعليا يمكن الجزم أن حزب الله ومن ورائه المحور الإيراني تعرضا لضربة قوية ولكن ذلك لن يمهد ابدا لأي تغيير في لبنان خلال المرحلة المقبلةلأن موازين القوى لم تنقلب سلفا على عقب ولأن المحددات ستكون في المستقبل مرتبطة بالوضعين الدولي والإقليمي، والثابت أن الوجوه التغييرية ستلعب في المجلس النيابي الجديد دورا حاسماخاصة اذا حافظت على وعودها بالإصلاح ومحاربة الفساد،خاصة وأن الوضع الاقتصادي سيلعب في مصلحة النواب الجدد الذين سيكون في إمكانهم للمرة الأولى ممارسة ضغوط من داخل البرلمان، والحقيقة أن ذلك سيخلق ضغطاً سياسياً وشعبياً على قوى التغيير والإصلاحيين ليتعاونوا” ومعلوم أن النائب المنتخب من لائحة “توحدنا للتغيير” في دائرة “الشوف-عاليه”، “مارك ضو” قد قال في لقاءاتتلفزيونية مساء الاثنين إنه “سيتعاون مع كل الذين يشبهوننا” في طروحاتهم ومواقفهم، ومعلوم أن الاستحقاق البرلماني في لبنان حظي فعليا بمراقبة كبيرة وقوية من الخارج، وقالت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في بيان أولي أول أمس الثلاثاء إن الانتخابات “طغت عليها ممارسات واسعة النطاق لشراء الأصوات والمحسوبية والفساد” كما حظيت نفس الانتخابات بمتابعات إعلامية كبرى عربيا وأجنبيا…

** انعكاسات نتائج الانتخابات البرلمانية اللبنانية على المنطقة المغاربية

1- أولا،من المهم التأكيد أن من يحلم بعودة المنظومات القديمة في كل العالم العربية للحكم بل وفي أي بلد مغاربي، هو واهم كثيراوقد بينت له طبيعة الاستحقاقات اللبنانية وطبيعة المتابعة الدولية لها أن ذلك امر غير وارد،ومن بين أهم المؤثرات الأولية هو أن المسارات الديمقراطية ستتدعمعربيا وافريقيا وأن الحكم الفردي وتسيير الانتخابات بالطرق الرعوانية والأحادية قد أصبحت من الماضي، وأن التغييريين تحديدا سيكون لهم مجال التقدم والرهان على تحقيق وعودهم الانتخابية…

2- ثانيا، أولى الانعكاسات في المنطقة المغاربية ستكون حول تونس وتحديدا في طرق وآليات رسم المشهد السياسي المستقبلي وخاصة في أفق نهاية سنة 2022وذلك منتظر ومتوقع بناء على تقارب طبائع النخب في للبلدين، وأيضا بسبب أنهما – أي لبنان وتونس- هما نموذجين مهمين للفعل السياسي الغربي، وفي كلاهما لن يسمح بسقوط الدولة الى ما بعد حالة الترنح الحالية والقائمة خاصة ،وأهم المعطيات المرتقبة على الساحة التونسية هو تمسك المعارضين باستحقاقات انتخابية نزيهة وشفافة وأن تكون تحت أعين الرقابة ببعديها المحلي والأجنبي، ويمكن الجزم أن المعارضة التونسية ستتمسك أكثر بمقولاتها ورؤيتها لمستقبل تونس وخاصة الإصرار على حوار وطني جامع لكل التونسيين بغض النظر عن انتماءاتهم أو مشاربهم الفكرية والسياسية…

3- ثالثا، الحضور الإيراني مغاربيا قد يتقلص مستقبلا أو تضعف وتيرة التأثير، وخاصة على المستويين السياسي والإعلامي على عكس السنوات الماضية ومنذ أكثر من عقدين ذلك ان حزب الله كان قبلا للعديد من الفئات والأطراف السياسية وخاصة بعد انتصاراته والمربعات التي اقتحمها ثقافيا وسياسيا واعلاميا ما بعد مرحلتي 2000 و2006، ومن ثم فالحزب سيعطي الأولوية للرهانات اللبنانية الداخلية طوال حوالي السنتين القادمتين وخاصة في ظل ترتبات ما يجري في أوكرانيا من جهة وماجري من مفاوضات حول الملف النووي الإيراني…

4- رابعا،نتائج الانتخابات اللبنانية وأجوائها ستؤثر على تطور الأحداث في الساحة الليبية، وهو ما يعني وقوف الأمريكيين وراء تسارع وتيرة التوافق بين مجلسي النواب و”الأعلى للدولة” ومن ثم الاتفاق على الأسس الدستورية ومن ثم انجاز الانتخابات في ظرف سنة واحدة، وأن رسم ملامح المشهدين السياسي والاجتماعي ستخضعان للمؤثرات التي بدت جلية في نتائج الانتخابات (ظهور شخصيات وأطراف فعلت بقوة إعلاميا وميدانيا – تراجع القوى التقليدية امام قوى التغيير – ترسخ خيار الوحدة الوطنية رغم الفروق ورغم نزعات ومساعي التقسيم ….)

5- خامسا، الجزائر والمغرب وموريتانيا ستكون ساحات تأثر بما جرى في لبنان ولكن بدرجة أقل من تونس وليبيا:

  • الجزائر:ستتدعم فكرة المضي في سياسة لم الشمل وخاصة بعد تغيير رئيس المخابرات خلال الأيام الماضية، ومقابل ذلك سيتدعم دورها كطرف إقليمي وخاصة في الساحل الافريقي وفي الملفين التونسية والليبي وخاصة بعد الاتفاقات الممضاة مع تركيا أثناء زيارة “تبون” الأخيرة لتركيا…
  • المغرب، من المرتقب أن تُمضي الحكومة الجديدة في سياسات تنموية وخطوات لطمأنة الشارع المغربي من أي هزات في الإقليم واستباقا منها لما قد يجري في المنطقة…
  • موريتانيا، أيضا ستُأثر شكل وأجندة الحوار الوطني (والذي طال الحديث عنه خلال الأسابيع الماضية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق