تحاليل

مستقبل العلاقات التركية السعودية وترتباته على المنطقة المغاربية

بداية من اليوم الرئيس التركي في الرياض لأول مرة منذ مقتل "خاشقاجي"

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

يبدأ الرئيس التركي “رجب طيب اردوغان” اليوم الخميس (28-04-2022) زيارة للسعودية والاجتماع بولي العهد “محمد بن سلمان”، وهي زيارة رسمية بل وتعتبر الأولى من نوعها للمملكة منذ مقتل الاعلامي السعودي “جمال خاشقجي” في العام 2018 داخل القنصلية السعودية في إسطنبول،والزيارة طبعا مبرمجة منذ أشهر بناء على تحول تركي بدأ منذ مدة وكان أولى خطواته التقارب مع الامارات وبداية خطوات في التصالح والتقارب مع القاهرة إضافة لخطوات جس نبض مع النظام السوري، فماذا سيترتب فعليا عن هذه الزيارة وما هو مستقبل العلاقات التركية السعودية في افق نهاية سنة 2022، وما هي المؤثرات والترتبات المرتقبة على المنطقة المغاربية؟

** خلفيات زيارة أردوغان للمملكة ومستقبل العلاقات بين البلدين

1- أولا، السعودية هي الدولة الثالثة ضمن دول المحور الرباعي العربي السابق (المصري/الاماراتي/السعودي/البحريني) الذي تقطع أنقرة تجاهه خطوات من أجل التقارب وبناء علاقات مستقبلية ضمن العودة الى سياسية “صفر مشاكل” (والتي اتبعتها أنقرة في بداية الالفية الحالية)، كما طالبتبها واشنطن أهم حلفائها فيالإقليم منذ عودة الديمقراطيين للبيت الأبيض في جانفي/يناير 2021، وطبعا يعي الاتراك حجم المملكة في العالم العربي وخاصة في الخليج بل وفي كل المشرق العربي وفي الدول الإسلامية في آسيا…

2- ثانيا، هناك شبه اتفاق على حقيقة وأن الأتراك وبناء على تقاربهم الكبير مع الجزائريين منذ بداية 2020 سيعطون أولية للقضايا المشرقية وأنهم سيعملون على ان يكونوا حاضرين بأكثر فاعلية وأكثر تعاونا مع دول الخليجي الكبرى (السعودية – قطر – الامارات – الكويت- عُمان)، وابرام اتفاقيات سياسية ومن ثم المساهمة في حل الملفات الرئيسية التي تكون فيها بعض تلك الدول حاضرة بقوة أو تملك زمام تلك الملفات، ومن المرتقب ان ترتكز زيارة “أردوغان”للسعودية على ملف العلاقات الثنائية وسبل تقويتها إضافة الى الملف اليمني والذي فضلت انقرة تركه في نوفمبر الماضي خارج اجندات اللقاء التركي الاماراتي باعتباره ملفا سعوديا بالأساس، وطبعا قد يتم بدرجة ثانية مناقشة تفاصيل الملفين الفلسطيني والباكستاني وبدرجة ثالثة ملف تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على العالمين العربي والإسلاميكما ستتم مناقشة ملفات ثانوية أخرى سياسيا ولكنها استراتيجية وهي ملفات تتقاطع فيها المصالح التركية السعوديةثقافيا واقتصاديا ودبلوماسيا…

3- ثالثا،قررت تركيا، في وقت سابق من هذا الشهر، إحالة الدعوى القانونية المتعلقة بمقتل “خاشقجي” إلى السعودية، وقد تواصلت أنقرة مع العديد من دول الخليج من أجل الحصول على دعم اقتصادي في وقت تواجه فيه تضخماً حاداً تفاقم بارتفاع أسعار الطاقة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ومعلوم أن يوميات عربية ومواقع الكترونية قد نقلت عن مصادر تركية أن السلطات السعودية تشترط على تركيا إغلاق قضية محاكمة قتلة جمال “خاشقجي” بشكل كامل في تركيا من أجل تطبيع كامل للعلاقات بين البلدين”ومعلوم أيضا أن قضية خاشقجي(والذي قتل في قنصلية بلاده بإسطنبول في 2 أكتوبر من عام 2018)، قد شَكلت نقطة مواجهة كبيرة بين أنقرة والرياض وخاصة بين سنتي 2018 و2020 وتراجعت حدتها خلال السنة الماضية   وقد أعدت النيابة العامة في إسطنبولفي 24 مارس من عام 2020 مذكرة ادعاء بحق مواطنين سعوديين متهمين في الجريمة المذكورةوفي سبتمبر من نفس السنة أعلنت النيابة العامة السعودية صدور أحكام نهائية بحق المتهمين بقتل خاشقجي، وإغلاق القضية بشقيها العام والخاص، حيث ذكرت صدور أحكام قطعية بحق ثمانية مدانين في القضية، لافتةً إلى أن “الحق الخاص بقضية خاشقجي انتهى بالتنازل الشرعي لذوي القتيل.

4- رابعا، تَعي تركيا جيدا أهمية ومحورية الدور السعودي دوليا وإقليميا وأن ملفات على غرار اليمن وفلسطين وسوريا والصومال وليبيا وتونس لا يمكن غلقها نهائيا الا إذا أدلت الرياض فيها بدلوها ولو جزئيا وان إحداث تقارب مع ابوظبي والقاهرة لن تكون لها أي فاعلية ونجاعة الا في ظل دوري سعودي مصاحب وخاصة في ظل التباينات المصرية/الإماراتية الحاصلة في ملفات على غرار الملفين الاثيوبي والليبي وربما حتى التونسي مستقبلا، وبالتالي فانه على أنقرة تقوية العلاقات مع الرياض وتحويلها الى مربع أن تكون ذات طبيعة استراتيجية، ومن ثم يتوجب تقريب وجهات النظر والمقاربات في كل تلك الملفات حتى تضمن تركيا لنفسها أدوارا محورية ومريحة في الشرق الأوسط وشمال وغرب افريقيا، وهو ما يُمكنها لاحقا من لعب أدورا استراتيجية في ملفات دولية أيضا على غرار ملف الحرب في أوكرانيا وفي ملف الصراع العربي الصهيوني وغلق الملف السوري سياسيا في أفق السنوات القادمة وخاصة في ظل استعداد الجزائر وابوظبي للعب دوري وساطة بين دمشق وأنقرة وحينئذ يمكن لأنقرة تمكين حليفها الجزائري أيضا من عقد القمة العربية بأريحية كاملة وبنتائج ناجحة، ومن ثم التكامل معه في إدارة الملف الليبي في ظل توافق مع السعوديين وتكامل وتواصل مع الإماراتيين …

5- خامسا، رغم تراجع العلاقات بين البلدين بعد مقتل “خاشقاجي” سنة 2018 الا أن العلاقات بين البلدين بقيت قائمة بناء على توجد روابط تاريخية وثقافية راسخة،ومعلوم أن العلاقات قد تطورت وتنامت بين سنتي 2016 و2018 حيث أدى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز زيارة رسمية لتركيا في الفترة ما بين 11-14 أفريل 2016، وتم يومها إنشاء مجلس التنسيق التركي السعودي الذي عقد اجتماعه الأول بتاريخ 8 فيفري 2017 في أنقرة برئاسة وزيري خارجية البلدين ومن جانب آخر، أجرى السيد “بينالي يلدرم” رئيس الوزراء السابق زيارة رسمية للمملكة العربية السعودية يومي 27-28 كانون الأول/ديسمبر 2017، وأصبحت تركيا أول دولة أجنبية تتم دعوتها كضيف شرف للمعرض الرابع لدعم الإنتاج المحلي (AFED 2018) في المملكة العربية السعودية والذي نظم في الرياض في الفترة ما بين 25 فيفري – 3 مارس 2018، حيث شارك فيه وفد تركي برئاسة الأستاذ الدكتور “إسماعيل دمير”(رئيس رئاسة الصناعات الدفاعية)، وضم في عضويته أيضاً ممثلي الشركات الدفاعية الوطنية التركية، ومن جهة أخرى، شارك “عادل الجبير” وزير الخارجية السابق في اجتماع القمة الطارئة لمنظمة التعاون الإسلامي حول القدس والذي عقد بتاريخ 18 ماي 2018 في إسطنبول، كما أجرى الأمير الدكتور”منصور بن متعب بن عبد العزيز آل سعود”(وزير الدولة ومستشار الملك سلمان) زيارة لتركيا بتاريخ 9 تموز/يوليو 2018، للمشاركة في مراسم تنصيب “رجب طيب أردوغان” رئيساً للجمهورية….

6- سادسا، الخلاصة أن العلاقات بين البلدين ستعرف مستقبلا وعلى المدى القريب الهدوء والتوافق في ملفات عدة ومن المرتقب ان يتم عقد مؤتمر مصالحة يمني في تركيا بإشراف ثنائي إضافة الى عقد اتفاقيات استثمار وتعاون ولكن في افق نهاية 2022 قد تتطور العلاقات في اتجاه أكثر شمولا واقتحاما لساحات عربية وآسيوية بالأساس، ولكن الثابت أن التباين سيتواصل في التعاطي مع ملفات عدة ومن بينها الملفين السوري واللبناني ذلك أن طبيعة النظامين ورؤيتهما تتطلب فترة طويلة لمعالجة الكثير من تفاصيل الملفات الكبرى وستتوضح معالم وطبيعة ومستقبل العلاقات بين البلدين بناء على طبيعة التطورات الجارية في الاقليم وعلى المستوى الدولي وخاصة في ظل برودة العلاقات بين واشنطن والرياض والتي عرفت في الفترة الماضية الكثير من البرود على خلفية ما يجري في أوكرانيا وملف الغاز والنفط، وهنا قد تلعب انقرة دورا مهما في تقريب وجهات النظر ومن ثم القدرة على إدارة العلاقات بين الرياض وعواصم عديدة وأولها واشنطن…

** ترتبات مستقبل العلاقات التركية/السعودية على المنطقة المغاربية

1- من المهم التأكيد أن تطور العلاقات بين تركيا والرياض سيقلص حرب المحاور السابقة على الحضور في المنطقة المغاربية وخاصة في ظل نجاعة وفاعلية الدبلوماسية الجزائرية والتي عادت بقوة للتعاطي مع مختلف الملفات الاقليمية منذ نهاية السنة الماضية وهو ما تجسد في سرعة التفاعل مع ما يجري في ليبيا، ومعلوم أن علاقات الجزائريين هادئة بل وجيدة مع أنقرة والرياض وخاصة مع أنقرة وهو ما قد يساعد المغارييين على الاستفادة من الاستثمارات السعودية واللوجستيك التركي…

2- التوافق التركي الجزائري وحصول تطور في العلاقات بين الرياض وأنقرة سيسهل حل الملف الليبي والمتعثر سياسيا منذ نهاية سنة 2014 وخاصة في ظل تفكك المحور السعودي/المصري/الاماراتي وهو ما يعني محاصرة فعلية للوجود الروسي في جنوب ووسط وشرق ليبيا وخاصة في ظل تركيز الروس على حرب أوكرانيا، وبتقدم الحل في ليبيا سيمكن التعاطي الإيجابي للبلدين (تركيا والسعودية) مع تطورات الأزمة السياسية في تونس والمتزامنة مع صعوبات مالية واقتصادية والتي يمكن التوصل لحلول لها بجهد وتعاون تركي سعودي جزائري وقد يمتد الأمر لمصاحبة الحكومة الموريتانية أيضا في رفع متلف التحديات المترتبة على تداعيات الازمة الأوكرانية وخاصة في تنمية صادراتها تجاه المملكة ودول الخليج العربية وتنمية علاقتها معر أنقرة …

3- تطور العلاقات بين البلدين سعني محاصرة ظاهرتي تمدد التيارات الجهادية وظاهرة التشيع باعتبار قلق الأنظمة المغاربية من تداعيات تمدد الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الافريقي وخاصة في “التشاد” و”بوركينا فاسو” و”مالي”، ومن ثم سيتكامل الحضور السعودي والتركي في غرب وشمال افريقيا وهو ما ستستفيد منه المنطقة المغاربية في محاربتها للإرهاب وإيقاف عمليات إرباك مسارات الإصلاح الديني الجارية منذ سنوات…

4- تطور العلاقات السعودية التركية قد ينمي أيضا حضور استثمارات البلدين في المملكة المغربية نتاج وجود بيئة استثمارية ملائمة وأيضا للاستفادة من تجربة البلدين القادرين على المساهمة على خفض التوتر بين الجزائر والمغرب وبالتالي دعم المبعوث الاممي في قضية الصحراء بالتوازي في اسناد الجزائر في مراميها الساعية لحل بعض ملفات دول الساحل الافريقي..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق