الجزائرتحاليلشؤون مغاربيةليبيا

ليبيا/الجزائر:دعم الدبيبة، حياد أم بدايةإدارة لملفات المنطقة المغاربية؟

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

الأزمة السياسية المتفاقمة في ليبيا وسط وضع إقليمي ودولي حذر ووضع داخلي متلبد وخاصة خلال الأيام الماضية (تحشيد متبادل وتجاذب متنام بين رؤيتين وفي ظل حكومتين تتنافسان على الشرعية واحدة في الغرب وأكثر مقبولية دوليا وشعبيا وأخرى في الشرق ومسنودة من برلمان طبرق)، جعل الدبلوماسية الجزائرية والرئيس “تبون” تحديدا يتحركان بقوة وبناء على معطى أن المنطقة المغاربية ستصبح اشراف ومتابعة جزائريتين في ما سيكون المشرق العربي تحت مربعات اشراف وتداخل تركي/اماراتي/مصري/سعودي/قطري، وتأتي الخطوة الجزائرية والتي قد تتطور لعقد مؤتمر دولي حول دعم الانتخابات في ليبيا بناء على أن الوضع في ليبيا رغم سوداويته الظاهرة  يدفع للتفاؤل في المستقبل بناء على ارتفاع أسعار النفط وتقدم المشاورات في القاهرة وترتيبات أممية مدعومة أمريكيا لإنهاء المرحلة الانتقالية الأخيرة ومن ثم اجراء الانتخابات، فهل ان الجزائر طرف محايد بين الفرقاء الليبيين أم هي داعمة ضمنا للدبيبة والذي استقبلته بحفاوة الأسبوع الماضي أم انها تنزل بداية تنفيذ سياسية امتلاكها الكامل للملفات المغاربية في المستقبل خاصة في ظل عودة نجاعة وفاعلية الدبلوماسية الجزائرية منذ جوان/يونيو 2021 بعد ان كانت مشلولة بين سنتي 2014 و2020؟

1- أولا،من المهم التأكيد أن ليبيا قد خيضت على أراضيها حرب بالوكالة لصالح أذرع إقليمية وقوى دولية وان الوظيفيين فيها هم ليبيون ضيقي الأفق الاستراتيجي وانهم ساهموا في تأزيم الوضع حتى أن البلد لم يتمكن بين سنتي 2015 و2020 من تَسريع تطوير صناعتها النفطية بسبب عدم الاستقرار السياسيوهو ماعرقل مشاريع البنية التحتية التي من المفترض أن تعزز موقع البلاد الاستراتيجي، أما في المستقبل فإنه وفي ظل وجود السيناريوهات الأربع للأزمة السياسية الحالية:

 

  • السيناريو الأول: ويتمثل في مواصلة الدبيبة حتى اجراء انتخابات متوافق عليها
  • السيناريو الثاني: ويتمثل في تمكن حكومة “باشاغا” من مباشرة مهامها قسرا أو توافقا (اساسا بعد يونيو/جوان القادم)
  • السيناريو الثالث: ويعرف بالحل الثالث وهو قد يتم بترتيب ودعم أممي وذلك عبر القضاء-
  • السيناريو الرابع: ويتمثل في تفعيل مبادرة للرئاسي ومسكوت عنها حاليا، وذلك عبر اتخاذ خطوات وإجراءات استثنائية لصالح هذا الطرف او ذاك او عبر تنزيل مبادرة وخارطة مدعومة أمميا مع انهاء فعلي للمؤسسات القائمة وخاصة التشريعية منها….

2- ثانيا،يَعي الجزائريون قبل غيرهم أن الحل في ليبيا قادم -ولو على مهل-وأنه زمنيا وفعليا لن يطول وسيتجسد بسلاسة خلال الأسابيع والأشهر القادمة وبالتالي سارعوا الى إيقاف تدخل اطراف أخرى وفعلوا دورهم ومن ثم تنزيل مقولة تبون السابقة “لن نسمح بان تمس العاصمة طرابلس”، وبالتالي سارعوا الى بتني خيار انجاز الاستحقاقات الانتخابية في اقرب فرصة وهو ما سيكون رهانا للمؤتمر الدولي الذي سيعقدونه (قد تنجز الاستحقاقات بين شهري جوان/يونيو وسبتمبر القادمين)، ويتكامل الجزائريون مع رَغبة غَربية وأمريكية بالأساس باعتبار انه ليبيا هي من ضمن 10 دول بنت واشنطن لها استراتيجيا الاستقرار[1]، وسينبني ذلك النجاح في الوصول لحل في بلد عمر المختار هو ان الليبيين ملوا من المعارك والمناكفات والتجاذبات والاصطفاف مع هذا الطرف الإقليمي أو ذلك، اما ايرادات النفط فستتنامى بشكل مطرد بتماه مع تنزيل الحل (أحد السيناريوهات الأربع سالفة الذكر)، أو حتى بمعزل عتها وحتى لو تعذرت التوافقات والحلول وذلك أمر ثان من حيث الشروط والتفاصيل…

3- ثالثا، تؤكد التصريحات المتفائلة لرئيس الحكومة الليبية المنتهية ولايته عبدالحميد الدبيبة في الجزائر، عقب استقباله من طرف الرئيس عبدالمجيد تبون، أنه قد تم دعمه وأنه قد افتك دعما جزائريا له، لاسيما في ظل التوافق بين الطرفين على عقد مؤتمر دولي حول الانتخابات الليبية في الجزائر خلال الأسابيع التالية لعيد الفطر المبارك رغم أن الجزائر تشدد على ضرورة العودة إلى انتخابات قاعدية تكرس اختيارات الشعب الليبي لفرز مؤسسات شرعية تنبثق عن إرادته، وفعليا أوحى الحديث الذي أدلى به الرئيس الجزائري لوزير الخارجية الأميركي “أنتوني بلينكن” بأن الجزائر تدعم بقوة خيار الانتخابات كمخرج سياسي وحيد للأزمة الليبية، وشدد حينها على ضرورة فرز مؤسسات تمثيلية في البلاد تجسد إرادة الليبيين، كما انتقد المؤسسات القائمة  في ليبيا سواء في شرق البلاد أو في غربها…

4- رابعا،الرئيس الجزائري يعي دقة الوضع في ليبيا وتعقد جزئياته وبالتالي لم يغص في تفاصيل العملية الانتخابية التي تظل محل خلاف ليبي – ليبي، خاصة وأن الصراع لا يكمن في الاستحقاق الانتخابي، بقدر ما يكمن في توجيه الأرضية الانتخابية لصالح تيار سياسي معين على حساب آخر، وهو ما تتكتم عليه الجزائر إلى الآن ولا تريد البوح بنواياها في هوية ومخارج المؤسسات الجديدة في طرابلس، ومعلوم أن الجزائر ظلت تتمسك بخطاب الحياد في الأزمة الليبية، رغم الانحياز الذي أبدته لصالح المؤسسات الانتقالية المعترف بها من طرف المجموعة الدولية، مقابل خلافها الذي طفا على السطح في أكثر من مرة مع الجنرال المتقاعد خليفة حفتر وحلفائه في شرق البلاد بل ومع الأطراف الإقليمية الداعمة له ماديا ولوجستيا وسياسيا، ومعلوم أيضا أن الجزائريين يرفضون بشكل قطعي وجود مسلحين أجانب على التراب الليبي مهما كانت جنسياتهم، وهو ما أكده الرئيس تبون في حديثه لبلينكن…

5- خامسا، رغم أن الدبيبةوالمسؤولون الجزائريون لم يكشفوا عن طبيعة وهوية المؤتمر الدولي حول الانتخابات الليبية، ولا التفاصيل المتصلة بالعملية، غير أن الانتخابات تبقى الرهان الحقيقي أمام الفاعلين المحليين والإقليميين لرسم مخارج للمشهد الليبي، وأن الاستحقاق هو عبارة عن جولة جديدة من الصراع الناعم حيث تحاول كل الأطراف الفاعلة فرض خياراتها، والجزائر واحدة من تلك الأطراف التي تريد ميلاد مؤسسات تكون على توافق معها في المستقبل بل ونسخ للنموذج للجزائري ما بعد انتخابات 2019 الرئاسية والتي أتت بــــــــ”تبون” نفسه في كل من تونس وموريتانيا لاحقا، وقد تم علميا التمهيد لعلاقات جزائرية/ليبية قوية في المستقبل عبر امضاءاتفاقيات اقتصادية وتجارية، فبعد الإقرار بفتح خط بحري بين طرابلس والجزائر، كشف الدبيبة عن استعراضه مع الرئيس الجزائري تبون لفرص “زيادة التعاون الاقتصادي، خاصة النفط والغاز والتحكم في الأسعار وتسويقها، خاصة مع الظروف الاقتصادية العالمية الحالية، كما حاول في تصريحه إعطاء الانطباع للرأي العام الليبي وللقوى الفاعلة في المشهد الليبي أن زيارته إلى الجزائر حققت دعما واسعا لحكومته، حيث ذكر بأنه تطرق إلى العديد من الملفات الهامة أبرزها الانتخابات، وأنه قدم للرئيس تبون تصور حكومته لتنظيم الانتخابات والمرور بليبيا من المرحلة الانتقالية إلى الاستقرار واختيار الشعب الليبي.

6- سادسا، “الدبيبة”لفت أيضا إلى أمله في “دور جزائري هام في دعم المسار الانتخابي الليبي، والعمل على تنظيمه في أقرب وقت”، كما حملت مرافقته من طرف مسؤولين عسكريين وأمنيين في زيارته، رسالة إلى خصومه السياسيين ومنافسيه عن بوادر تعاون أمني مع الجزائر، وهو ما يكرس تخطيط الدبيبة لتثبيت دعائم مشروعه السياسي انطلاقا من الجزائر، وهو ما جعل المتابعين يتساءلون على طبيعة الاستراتيجيات الجزائرية في المستقبل تجاه ليبيا وتجاه محيطها المغاربي أولا وحول محيطها الافريقي والمتوسطي خاصة وان الدستور الجزائري قد تم تغييرها سابقا بناء على افق استراتيجي رحب للدبلوماسية الجزائرية وحتى للجيش الجزائري أيضا ويمكن الجزم أن الجزائر لا زالت تدعم الهامش الضيق الذي تبقى للدبيبة للتحرك في إطار الشرعية الدولية، ولذلك جاء استقباله من طرف كبار المسؤولين الجزائريين (رئيسا الجمهورية والحكومة) رسالة للدلالة على أن المسك بآخر خيوط الشرعية، والتمسك بالمسار الانتخابي أفضل من تضييع كل الخيوط، خاصة وأن الفتور واضح على علاقتها مع وريث شرعية شرق البلاد.

7- سابعا،الخلاصة أن انزعاج الجزائر من تراكمات الملف الليبي كان واضحا في كلام الرئيس تبون لوزير الخارجية الأميركي، خاصة فيما يتصل بانتشار السلاح بما يمثله من تهديد صريح لأمن واستقرار ليبيا والمنطقة، ولذلك فهي تدفع بقوة للذهاب إلى الانتخابات في أسرع الأوقات، ولو أنه يهمها كثيرا هوية المؤسسات التي ستفرزها لحاجتها إلى توافق إقليمي خاصة في ظل التوتر الذي يخيم على حدودها في الجنوب وأزمتها الدبلوماسية المعقدة مع المغرب، كما ان الجزائريين لم يسمحوا لأي طرف إقليمي مستقبلا بالعبث بالملفات المغاربية واساسا الملفين الليبي والتونسي والدليل أن “بشاغا” قد خفتت لهجته بمجرد تصاعد وتيرة اهتمام الجزائريين بالملف وقد يكون أيقن ان الانتخابات يجب ان تكون من أولوياته عوض التمسك بدخول حكومته للعاصمة طرابلس، والثابت أن الجزائريين لم يهدأ لهم بال اا بنجاز الاستحقاقات الانتخابية وفي افق قريب وانهم لن يسمحوا لأي اطراف إقليمية باي مربعات قريبا من جوراها…

 

[1] أنظر مقال الكاتب حول ذلك في مقال له تحت عنوان “واشنطن والملف الليبي ومؤثرات الحرب في أوكرانيا“، تم نشره في

موقع مركز “امية” للدراسات بتاريخ 19-03-2022 وصحيفة “الرأي العام” العدد 248 بتاريخ 17-03-2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق