تحاليلتونس

تونس : هل قارب الدور الوظيفي لعبير موسى وآخرين من أمثالها على الانتهاء؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي                           

** تمهيد

1- انتشرت فكرة “الوظيفية” رغم قدمها بعد الحرب العالمية الثانية ولم تقتصر على الأفراد والأجهزة والجماعات والأحزاب والمنظمات بل تعدت للدول بما في ذلك الأوروبية والخليجية، وفي تونس تحديدا لعب الكثير من المثقفين والجامعيين أدوارا وظيفية للسلطات خلال حقبتي الاستبداد(1956-2010)إضافة الى وظيفية اليسار الثقافي والتي كانت مفضوحة بشكل صارخ، فيما أصبحت الوظيفية بعد الثورة سمة أساسية للكثير من الأحزاب والفاعلين السياسيين والاجتماعيين…

2- “عبيرموسى“هي أحد العناصر التي كانت تُؤثث حفلات وتجمعات “الزغرطة” والمديح لنظام الرئيس المخلوع، وهي تحديدا طالبة الحقوق التي كانت أحد الأعضا الناشطين في خلايا الحزب الحاكم في كلية حقوق اريانة(ـJuridique)، وفي وقت لاحق على ذلك في خلية المحاماة قبل أن تلعب أدوارا وظيفية في حزبها وخارجه على غرار الاعتداء أو تشويه الحقوقيين وتعطيل اجتماعات المحامين كما مُنحت مربعات فعل سياسي واجتماعي بأمر من أعلى هرم السلطة السياسية (الرئيس المخلوع ووزير داخليته “رفيق الحاج قاسم”) حيث ترأست “جمعية ضحايا الإرهاب” حتى سنة 2010 كما كانت مستشارة أولى في بلدية أريانة ثم لاحقا مستشارة للوزير الأول يومها “محمد الغنوشي” بعد أن شغلت منصب أمينة قارة في المقر المركزي للحزب الحاكم يومهاإضافة الى مهام أخرى عديدة بعضها خفي وبعضها معلن رغم أنها برزت وعرفت سنة 2005 في الطابق الخامس من دار التجمع المنحل حتى أنها كانت مقربة من الأمين العام يومها “محمد الغرياني”بعد سنة 2008 والذي كانت تخط له التقارير قبل وبعد ذلك التاريخ قبل أن تَنعته بعد الثورة بخصمها الرئيسي وعدوها الألد…

3- يعرف الجميعتاريخ “عبير موسى” في الحزب الحاكم الذي كرهه التونسيون طوال عقدين، كما يعرف الجميع تنامي وظيفيتهاالسياسية وعدم مبدئيتها، فهي من تسببت قانونيا في تسريع عملية حل التجمع (شهادة “الحذيري” في أحد برامج قناة “حنبعل”) بعد أن استقالت منه يوم 17-02-2011 عبر بلاغ مُطول نُشر في الصحف اليومية بل أنها أشادت بثورة الحرية والكرامة قبل ان تعود الى مربعات منطق وأسلوب التجمع المنحل فاصطفت مع محور “حامد القروي”وأسست معه حزب منافس لنداء تونس في اوت 2013 وهو الحزب الذي شغلت فيه منصب الأمين العام، ولكنها لم تبرز إعلاميا الا في اوت 2016 بعد انعقاد المؤتمر الثاني للحزب والذي زكت فيه رئيسة للحزب خلفا للقروي وهنا تدرجت في الوظيفية السياسية داخليا وخارجيا بشكل غير مسبوق بالتوازي مع لعب دور السلفية الدستورية السياسية عبر العودة الى تبني البورقيبية والتخلي مؤقتا على الاشادة بحقبة المخلوع بسبب تقييم داخل مربعات مشغليها مفاده أن كارثية تلك الحقبة لا تزال حية في الأذهان ,أنها يجب ان تلعب ورقة بورقيبة…

4- لا يختلف اثنان على “وظيفية” عبير موسى السياسية داخليا وإقليميا ودوليا ولكن السؤال المطروح اليوم هو: هل قاربت تلك الوظيفية على نهايتها ونهاية دورها سياسيا ام انه ستسند لها أدوارا وظيفية جديدة؟خاصة وأن هناك اجماع في الكواليس أن مهمتها شارفت على النهاية وان لاعبين بارزين سيعوضونها في الساحة السياسية وربما على رأس حزبها -الذي شغلت فيه كل المناصب القيادية وأعطت لنفسها فيه كل الصفات بعد أن اقصت كل الشخصيات الرئيسية فيه-ومعلوم أنها اقصت أمينين عامين وألزمت كل نواب حزبها بان لا يُبادروا ولا يُصرحوا الا بإذن منها؟

** وظيفية متنامية في الساحة التونسية بين سنتي 2016و2021

1- عمليا لم تستطع شخصيات سياسية تونسية حاقدة على الثورة وأحزابها التي كانت محضورة في الحقبتين البورقيبية والنوفمبرية لعب دور المُرذل للحياة السياسية بين سنتي 2016 و2021 ومحاولة تنزيل للكثير من السرديات، فتم عمليا ابراز “عبير موسى” وتماهت مع الدور وخاصة ضد خصومها الإسلاميين رغم أنها انتمت لحزب أسس في البداية لإضعاف “نداء تونس”(أي خصم “حركة النهضة” يومها وأهم منافسيهم السياسيين)، ومن ثم اعتمدت مقولات العداء للثورة وللنهضة وكل الإسلاميين وكل معارضي المخلوع وان بدرجات متفاوتة بحيث أنها تحالفت مع حزبي “التيار” و”حركة الشعب الناصرية” لتعطيل نشاط البرلمان ثم عمدت لفضح ذلك التحالف لاحقا والانقلاب على الحزبين كما أنها مارست منطق السب والشتم ضد عديد الأحزاب السياسية والشخصيات التي كانت تنتمي للعائلة الدستورية على غرار حزب المبادرة وبعض ندائيين و”القلال” و”الجريبي” و”الغرياني” وآخرين…

2- قامت“عبير موسى” بدور وظيفي كبير في ترذيل السياسة والسياسيين بغاية تَشويه مرحلة ما بعد الثورة وخاضت معارك هتشكوكيةمن أجل تعطيل عمل البرلمان وقادت معركة سحب الثقة من رئيس البرلمان في صائفة 2020 ولكنها أصيبت بالخيبة فاعتمدت منطق الفضائح والصياح وحاولت جلب الاهتمام فجلبت مكبرات الصوت وادعاء انها مستهدفة، ورغم أنها خسرت الكثير من معاركها على غرار فشل الاعتصام ضد جمعية العلماء المسلمين،إلا أن تحالف بعض قوى سياسية معها دفع الأزمة السياسية الى مُنتهاها ونتج عن كل ذلك طبعا حركة/انقلاب 25 جويلية بقيادة الرئيس “سعيد”، الا أن “عبير” نفسها وقفت يومهاعلى حقيقة أنها كانت مجردوظيفية معترفة بأنها من رذلت النواب والبرلمان وأنها سَاهمت في الوصول لتجميده…

3- الثابت أن “عبير” لم تنجح فيما أوكل إليها من مهام وأدوار وظيفية والتي ولا شك أنها تتماهى مع قناعاتها وتاريخها وأنها خسرت الكثير من الوقت والمال واللوجستيك ولم تحقق أي شيء مما حلمت به ولكن لا يُمكن اغفال أنها ساهمت في تجريم السياسة في أذهان الكثير من التونسيين ورذلت البرلمان في أذهان النخب والإعلاميين والمواطنين بنسب مهمة ورغم ان أرقام “الزرقوني” (عضو لجنة تفكير التجمع المنحل لسنوات) ليست صحيحة ولا علمية، فانه يمكن الجزم بحقيقتين:

  • الحقيقة الأولى: وتتمثل في أن “عبير” وان أخفقت فإنها نجحت في تسميم الأجواء سياسيا…
  • الحقيقة الثانية:أن دورها– أي عبير-قد قارب على نهايته وأنها سرعت في ذلك بنفسها سياسيا واعلامياعبر تمهيد الطريق للآخرين ليخلفوها على رأس حزبها أو في اكمال ومواصلة الأدوار التي لعبتها…

**التقاء موضوعي أو وظيفية واعية لقوى إقليمية ودولية

1-أولا، من الشروط التي تطلبها دوما جهة التشغيل أي وظيفي بوعي منه أو بدون وعي هو أن تكون لديهجزء جنيني على الأقل في قناعاته الفكرية والسياسية للدور المناط به وهو ما ينطبق على “عبير”تحديدا على غرار مربعات العداء للثورة والديمقراطية وللإخوان المسلمين خاصة وللمتدينين عموما، والدليل أنها تؤمن بتجريم التعامل مع الإسلاميين بكل اختلافاتهمحتى أنها صرفت أموالا طائلة على اعتصام لم ولن تربح منه شيئا، كما أوقعت نفسها في فخاخ لا حصر لها وهو ما يعني انه يتوفر فيها شروط موضوعية بحث وتبحث عنها أطراف إقليمية (مكونات المحور المصري/الاماراتي/السعودي كمثال للذكر لا الحصر)، وأطراف دولية (الفرنسيون وأطراف دولية أخرى ومحافل قد تكون عبير ارتبطت بها منذ سنة 2005)

2-ثانيا، بحث المصريون والكثير من الخليجيين على أمثال “عبير موسى” لتحقيق اهداف وأدوار بهدف غلق قوس ثورات الربيع العربي ولتشكيل حزام كبير للثورات المضادة التي مولوها ودعموها بأشكال بعضها معلن وبعضها الآخر خفي وتحت يافطات المؤتمرات الدولية (مؤتمر “شرم الشيخ” الذي حضرته”عبير” والجامعية “بدرة قعلول”) وماس سمي بفعاليات واحتفالات الشباب العالمي السنوية إضافة الى وكالات شركات إقليمية ودولية عديدة وفروع أخرى أجنبية الواجهة، والثابت هنا أن “عبير” تؤمن بالاصطفاف لمحور إقليمي تتماهي معه في المطامح والأهداف والغايات والوسائل والدليل هو طبيعة القنوات الإقليمية والعربية التي تظهر فيها باستمرار وتنقل أنشطتها بشكل دائم واشادة اطراف وظيفية ليبية لتلك الأطراف الإقليمية بها والدليل هو التقاء اجنداتها مع أجندات حفتر واشادة كل منهما بالآخر في قنوات الآخر وصفحاته على الشبكات الاجتماعية…

3- ثالثا، كثيرة هي الأطراف في الداخل التونسي التي أعانت “عبير” سرا وعلنا في القيام بأدوار وظيفية لقوى إقليمية ودولية (يختلف الأمر من دور لآخر عبر الوعي وغير الوعي في أدائه)، ومعلوم أن كثير من الاجتماعات التنسيقية التي عقدتها “عبير” مع أطراف أخرى ومثلها فيها مثلا “بوذينية” قد تم تغييبها اعلاميا، كما أنها وجدت سندا في الكثير من رجال القديمة على غرار منظر المخلوع “الصادق شعبان” أو بعض أمنيين متقاعدين والذين شغل بعضهم دور المستشار لها أو في ترأس بعض هياكل حزبها وخاصة جهويا إضافة الى مئات من قيادات هياكل التجمع المنحل وكثير من رؤساء الشعب المهنية ومديرين اداريين سابقين (خاصة من الذين كانوا ذوي حضوة في حقبة المخلوع)، واضافة الى ذلك فان المشغل الوظيفي الإقليمي/الدولي قد يكون لعب دورا تنسيقيا مع أطراف وظيفية أخرى في الداخل وما أكثرها في المستويين السياسي والاجتماعي والدليل هو في تماهي وتزامن خطوات “عبير” وأنشطتها مع خطوات فاعلين سياسيين في أكثر من مناسبة وهو ما أثبتته أيضا تسريبات تك كشفها عبر حديث للنائب “محمد عمار”…

** هل قاربت الأدوار الوظيفية لعبير موسى على نهايتها وهل انتهى دورها او ستتغير طبيعته؟ 

1- مؤشرات عدة في تونس تُؤكد نهاية دور “عبير” والكثير من الوظيفيين، أولا لفشلهم في الكثير من أدوارهم وثانيا لانتهاء المرحلة السابقة موضوعيا، ذلك أن الثورات المضادة لا يمكن لها ان تؤدي أدوارا أخرى بعد ترذيل الثورات وخاصة في ظل فشل أولي لخطة غلق قوس الثورتين التونسية والليبي، والدليل أن الإدارة الأمريكية مثلا قد مرت في ليبيا الى وضع استراتيجيا الاستقرار بينما تؤشر المعطيات في تونس الى نهاية مرحلة وبداية أخرى…

2- المشغل للوظيفيين عادة ما يستلم الدور بنفسه عند نهاية كل مرحلة، وبالتالي فان الذين قد أسندوا “عبير” بطرق مباشرة وغير مباشرة سينسحبون من مواقعهم السابقة وسيظهرون للعب أدوار راهنة ذلك أنهم دفعوا أثمانا باهضة ليقوم وظيفيون أمثال “عبير” بأدوار سابقة، أما السبب/العاملالثاني فهو أن “عبير” اقصائية التفكير والطبيعة السلوكية سياسيا وهو أمر يتناقض مع طبيعة المرحلة عالميا فهي لا يستغرب منها أن تضع كل خصومها في السجون لو تمكنت من السلطة وتمارس التطهير الفكري والسياسي وهو ما يعني الاضرار لا بمصالح البلد فقط بل أيضا الإضرار بشركائه الدوليين، وهو ما لن تسمح به قوى الداخل والخارج ولا حتى القوى الصلبة في تونس أيضا وخاصة لطبيعة ما يجري في الإقليم من تطورات ومتغيرات دراماتيكية ودولية وخاصة بعد الحرب في أوكرانيا وكل ذلك يعني ان “عبير”ما هي الا زَعيمة مؤقتة للحزب الدستوري أولا وثانيا ان أطرافا محسوبة على المنظومة القديمة حزبيا وسياسيا ستظهر للعب أدوارا متقدمة ولعل “الزنادي” و”الشعري” و”الخبثاني” سيُمهدون موضوعيا لذهاب “عبير” وخروجها من الساحة وهو ما سيتزامن مع رؤية اطراف اقليمية ودولية ستقول لـــــــــــ”عبير” وأمثالها انتهى دوركم، ولن يتطلب الأمر اكثر من بعض إشارات ورسائل لتنسحب “عبير” وبعض وظيفيين في هدوء…

3- الخلاصة أنه من حيث الزمن والآليات قد لا يكون مغادرة عبير وبعض وظيفيين قريبا وقد يتم الأمر بعد الانتخابات القادمة،على غرار أن يَتحصل حزبها على كتلة معتبرة (المرتبة الثانية أو الثالثة) ثم يأتي من يخلفها في قيادة الحزب أو الكتلة وربما يتم إخراجها لدور وظيفي آخر ومستقبلي ولكن خارج مربعات الحكم، وسيرتبط كل ذلك بنسقية المتغيرات والتطورات في الإقليم فالتماهي بين التطورات في تونس وليبيا أمر ثابت ويقيني وقد يتم التماهي مع الدول المغاربية الخمس فمغادرة “عبير” و”حفتر” ستكون في نفس الوقت تقريبا كما أن تطورات الملف الإيراني وتداعياته إقليميا والوضع في مصر ستكون محددة لمربعات “عبير” المستقبلية وأن خساراتها السياسية ستتنامى وتتعدد وأن مغادرتها للساحة هي وآخرين ستتحدد وفقا للكثير من التفاصيل في الداخل التونسي وفي دول الإقليم أولا وأخيرا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق