اقتصادالجزائرتحاليل

الجزائر واشكالية تزايد الضغوط الغربية على منتجي الغاز لدعم العقوبات على روسيا

علي عبد اللطيف اللافي-كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

كلاسيكيا وتاريخيا الجزائر أقرب لروسيا منها للغرب فقطع غيار أسلحتها روسية وهي من أهم دول الصمود والتصدي أي الدول الحليفة للاتحاد السوفياتي والذي روثته روسيا بكل أبعاده كما أن علاقاتها الاقتصادية والمالية قوية مع الروس والصينيين، كما أن تدريب خبرائها وجنودها واغلب أجهزتها خلال العقود الست الماضية روسي الملامح والتفاصيل ولكن واقع وموازين القوى الراهن وما جرى خلال العقود الثلاث الماضية فيه الكثير من التفاصيل ما يوازي تلك المعطيات والحقائق، بل أن بعض حقائق ومتغيرات السنتين الماضيتين قد تنسف تلك المسلمات، فمنذ بداية التسعينات جرت تفاصيل وارتباطات وعلاقات واتفاقيات غربية مع الجزائر نتاج قراءة المتغيرات الجيوسياسية ونتاج المتغيرات الدراماتيكية التي حدثت بعد وصول “تبون” لقصر المرادية وكل ذلك يجعل ويجعل القرارات والتكيف مع ما يجري في سوق الغاز والنفط، لا يَخضع للاعتبارات الاعتيادية ذلك أن الحرب الروسية /الأوكرانية ليست عادية ولا ما سيأتي بعدها دوليا أمرا عاديا، والسؤال هنا: كيف تعاطت الجزائر وكيف ستكون استراتيجيتها وردود أفعالها تجاه الضغوط الغربية على منتجي الغاز وهي أحدهم بل أهمهم عربيا بعد السعودية والامارات وقطر؟،  وهل ستتكيف كطرف إقليمي قوي مع طلب الغرب دعم وتفعيل العقوبات الغربية على موسكو؟خاصة وأن تلك العقوبات ستكون ورقة رئيسية وأساسية للحد من قوة الروس، أو في استراتيجيا الغرب للتصدي لأي متغيرات كبرى في التوازنات الاستراتيجية وهي توازنات قائمة منذ نهاية الأربعينات رغم ما طرأ عليها كميا ونوعيا في الكثير من المراحل والعقود الماضية؟

** ردود أفعال ومواقف الامارات والسعودية وقطر والجزائر

1- فعليانشطت الضغوط الغربية على منتجي النفط والغاز من الدول العربية من أجل مغادرة مربع الحياد والانضمام إلى العقوبات التي تنوي الدول الغربية -وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا-فرضها على روسيا بسبب تدخلها العسكري في أوكرانيا، وفي الوقت الذي تمسكت فيه السعودية والإمارات بالحياد وعدم الزج بقطاع النفط في المعركة، لم تمانع قطر والجزائر في الاستجابة لتلك الضغوط كل منهما بطريقتها الخاصة، وبعد الاتصالات التي أجراها دبلوماسيون أميركيون منذ أيام مع عواصم المنطقة، جاء الدور على الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”والذي اتصل بولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” وبأمير قطر “الشيخ تميم بن حمد آل ثاني”، في خطوة قال مراقبون إنها تظهر تزعّم فرنسا لحملة العقوبات الأوروبية على روسيا وإن “ماكرون يريد من خلالها استثمار علاقاته في الخليج من أجل الحصول على وعود واضحة المعالم، ولكن اتصال الرئيس الفرنسي بولي العهد السعودي لم يثمر نتائج في ظل تأكيد الأمير محمد بن سلمان على أنّ بلاده ملتزمة باتفاق تحالف “أوبك+” حول كميات إنتاج النفط، وهو ما يعني أنها تتمسك بالتحالف مع روسيا في المنظمة، وأنها لا تنوي إدخال ورقة النفط في أي معركة سياسية، خاصة أنها مستفيدة من سقف الأسعار المطروح في السوق، وهو يتماشى مع خطتها

2- وكالة الأنباء السعودية قالت إنّ الأمير “محمد بن سلمان” و”ماكرون” بحثا خلال اتصال هاتفي “الأوضاع في أوكرانيا وأثر الأزمة على أسواق الطاقة”، مضيفة “أكد ولي العهد حرص المملكة على استقرار وتوازن أسواق البترول والتزام المملكة باتفاق أوبك+”، والحقيقة أن الموقف السعودي الحالي يعبّر عن تغير في سياسة الرياض تجاه شركائها الغربيين بشكل لافت، وأن التجارب السابقة علمتها ضرورة تحييد النفط عن الأزمات السياسية، وقد جربت الأمر في السابق ولم تستفد منه وإن كان قد صب في خدمة بعض حلفائها وخاصة الولايات المتحدة.

3- واقعيا تُثير العقوبات التي تفرضها الدول الغربية على روسيا مخاوف من تأثر قطاع الطاقة وارتفاع الأسعار. ومنذ بداية الأزمة لم تبد الرياض -أحد أكبر مصدري النفط في العالم-نية زيادة الإنتاج لخفض الأسعار، ومعلوم أن السعودية تقود إلى جانب روسيا تحالف “أوبك+” الذي يضم 13 عضوا في منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) و10 من خارج المنظمة، وقد قاومت هذه الدول سابقا ضغوطا أميركية لزيادة الإنتاج بهدف خفض الأسعار، وبهذا الموقف تكون السعودية قد لحقت بالإمارات التي نأت بنفسها عن الانحياز إلى هذه الجهة أو تلك في الصراع الحالي كما امتنعت عن التصويت لفائدة مشروع قرار أميركي كان الهدف منه إدانة التدخل الروسي في أوكرانيا.

4- فعليا تتسلم الإمارات بدءا من أول أمس الثلاثاء الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، وهو ما يؤهلها للعب دور دبلوماسي أكبر في موضوع الصراعات، وخاصة النزاع الروسي – الأوكراني الذي يرشحها دبلوماسيون لأن تقود مهمة الوساطة فيه لقربها من الولايات المتحدة وفرنسا من جهة ولعلاقتها المميزة مع روسيا اقتصاديا وعسكريا، فضلا عن التنسيق بينهما في تحالف “أوبك+”، ومعلوم أن الامارات امتنعت يوم الجمعة الماضي إلى جانب الصين والهند، عن التصويت على مشروع قرار أميركي وألباني في مجلس الأمن يدين الغزو الروسي لأوكرانيا ويطالب موسكو بسحب قواتها، واستخدمت روسيا -كما كان متوقعا- حقّ النقض (الفيتو) ضدّ مشروع القرار، وقد قال مستشار الرئيس الإماراتي للشؤون الدبلوماسية “أنور قرقاش” في تغريدة الأحد 27 فيفري الماضي”نؤمن بأن الاصطفاف والتموضع لن يفضي إلا إلى المزيد من العنف، وفي الأزمة الأوكرانية أولوياتنا تشجيع جميع الأطراف لتبني الدبلوماسية والتفاوض لإيجاد تسوية سياسية تنهي هذه الأزمة”، وأضاف “قرقاش” في تغريدته “من واقع تجربتنا في منطقة مليئة بالأزمات نرى بأن الحلول السياسية وخلق توازنات تعزز الأمن والاستقرار هي الطريق الأفضل لمواجهة الأزمات والحد من آثارها”.

5- مقابل تمسك السعودية والإمارات بالحياد في الأزمة، تسعى قطر إلى إظهار موقفها الداعم لموقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية من الهجوم الروسي على أوكرانيا، وقد قال وزير الخارجية القطري “الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني” الإثنين الماضي (28-02) إن بلاده “تتابع بقلق بالغ التصعيد العسكري في أوكرانيا، وتؤكد على احترام سيادة واستقلال أوكرانيا ووحدة أراضيها في حدودها المعترف بها دوليًا…”، وأضاف “الدوحة تدعو في هذه المرحلة الحرجة إلى ضرورة انتهاج الحوار والطرق الدبلوماسية لحل الأزمة … وأكثر ما يقلقنا إزاء هذه التطورات هو الوضع الإنساني الصعب الذي سيواجه ملايين اللاجئين في حال استمرار التصعيد والتوتر….”، والسؤال هنا هل تريد الدوحة إظهار تسجيل موقف إلى جانب الولايات المتحدة في هذه الأزمة للتغطية على عجزها عن ضخ الكميات المطلوبة من الغاز لتعويض أوروبا عن فقدان التزود بالغاز الروسي؟ أم انه اختيار سياسي قطري بحت بغض النظر عن طاقتها الراهنة في تصدير الغاز وهوما ألمحت إليه الدوحة على هامش زيارة “الشيخ تميم” منذ أكثر من شهر إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي “جو بايدن”، على أن بعض مراقبين يعتقدون أن الدوحة ستسعى فعليا إلى المناورة بإظهار موقف داعم لأوكرانيا ومن ورائها الغرب بدل أن تغامر باتخاذ خطوات تغضب روسيا، أحد أكبر منتجي الغاز بصحبة قطر.

6- الجزائر بدورها وصلتها طلبات غربية متعددة من أجل زيادة الكميات التي تنتجها وتصدرها باتجاه أوروبا ورغم أن إمكانياتها اللوجستية حولها تساؤلات وخاصة بعد وقف العمل بالأنبوب الذي يمر عبر المغرب باتجاه إسبانيا، فإنها أرسلت إشارات بشأن قدرتها على توفير ما تطلبه أوروبا، وتأتي زيارة وزير الخارجية الإيطالي “لويجي دي مايو” إلى الجزائر بصحبة رئيس مجموعة الطاقة “إيني” كاختبار لقدرة الجزائر على تنفيذ الوعود التي أطلقها الرئيس “عبدالمجيد تبون” حين عبر عن استعداد بلاده لضخ كميات إضافية من الغاز لتلبية طلب الأوروبيين، والأمر نفسه صدر عن رئيس شركة سوناطراك النفطية الحكومية الذي أكد استعداد الشركة لضخ كميات إضافية من الغاز الجزائري في السوق الأوروبية، وفي الأخير لا خلاف أن التوجه الجزائري الجديد قد يكلفها رد فعل غير محسوب من طرف الروس، الذين يدرجون الجزائر في خانة الشركاء الاستراتيجيين في المنطقةوبناء على طبيعة العلاقات القائمة دبلوماسيا خاصة وان قطع الغيار العسكرية الجزائرية ….

** حقيقة وخلفيات الموقف الجزائري الحالي وتبعاته المستقبلية

1- أولا، الإشكال فعليا قديم وليس مرتبطا بالحرب في أوكرانيا، ومعلوم أنه منذ أكثر من تسع سنوات تعارض الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الاتحاد الأوروبي الاعتماد على الغاز الروسي وعدم تشغيل أنبوب “نورد ستريم 2″، وكان “ترامب” قد طالب ألمانيا بالتقليل من الغاز الروسي والاعتماد على استيراد الغاز الأمريكي رغم كلفته العالية وفعليا تستورد أوروبا قرابة 50% من احتياجاتها من النفط من روسيا، كما أن هناك فعليا استراتيجية قديمة/جديدة يجري تداولها بين الحلف الأطلسي ومدريد بل أن تلك الاستراتيجية لا تعتبر جديدة بل تعود إلى سنوات، وبدأت كاتفاق بين مدريد وباريس لتعزيز ربط الطاقة بينهما وتوسيعه نحو باقي الاتحاد الأوروبي لاحقا، وقد جرى تجميد المشروع لأسباب منها استمرار ألمانيا بالرهان على الغاز الروسي وعدم اهتمامها بالمبادرة الإسبانية-الفرنسية ثم بسبب ارتفاع الاهتمام بالطاقة المتجددة في الاتحاد الأوروبي على حساب مشاريع الطاقة الكلاسيكية من نفط وغاز قبل إعادة المفوضية الأوروبية النظر في سياستها والعودة إلى الرهان على الغاز بل وتشجيع استعمال الطاقة النووية.

2- ثانيا،تعتمدالاستراتيجية الغربية – سالفة الذكر -والمعتمدة على الجزائر على شقين:

-أ- تولي إسبانيا الدور الرئيسي في استقبال الغاز من الجزائر عبر الأنابيب الحالية وتعزيزها…

-ب- الرفع من قدرة موانئها في تخزين الغاز المسال. وتتوفر إسبانيا على قدرة تخزين 30% من الغاز المسال في مجموع أوروبا…

3- ثالثا،يبقى التحدي الكبير هو مدى إقناع الغرب الجزائر بهذه الاستراتيجية، ومدى تكيف الجزائريينمن حيث مواقفهم معها وأيضا من حيث قدراتهم اللوجستية،صحيح ان الجزائر بلد تتوفر على احتياطات كبرى من الغاز لكنهأيضا لا يمتلك الأنابيب الكافية للرفع من التصدير بشكل كبير للغاية لا سيما بعد إغلاق أنبوب الغاز الذي كان ينطلق من الجزائر عبر المغرب وينتهي في إسبانيا، ويبقى العائق الأكبر موضوعيا هو نوعية العلاقات بين روسيا والجزائر إذ يعتبر البلدان حليفين بشكل استثنائي. وعندما كانت الجزائر متخوفة من مخططات غربية لتفتيتها وإطاحة النظام الحاكم فيها بعد سقوط نظام ليبيا، قامت روسيا بتزويدها بأسلحة استثنائية ما بين سنتي 2013 و2014، وكانت أول بلد يحصل على نظام الدفاع الصاروخي إس 400 لمنع أي هجوم بالطائرات، ثم رفعت من القدرة القتالية لغواصاتها لمنع أي إنزال مستقبلا لقوات أجنبية وزودتها بصواريخ ك “البير” و”إسكندر”.

4- رابعا، تدرك”الجزائر” رغبة “روسيا” في جعل الغاز سلاحا مثل النفط في السبعينات، وكانت موسكو قد ارتأت تأسيس “أوبيب” خاص بالغاز للتحكم في الكميات التي تطرح للبيع، لكن الجزائر لم تتحمس كثيرا نظرا لارتباط اقتصادها بالغرب بينما سياسيا تميل إلى روسيا، وبدون شك، كما ابتعدت الجزائر بهدوء عن مخططات روسيا في الغاز، ستعمل على الرفع من صادراتها إلى الدول الأوروبية ولكن دون السقوط في مخططات الحلف الأطلسي.

5- خامسا،الخلاصة أن الاتحاد الأوروبي يستورد قرابة 50% من احتياجاته من الغاز من روسيا، و18% من النرويج وأن الجزائر تُعد الممول الثالث بالغاز بـ 13%، في حين لا تتجاوز الولايات المتحدة 6% وقطر 5%، ولهذا تعد الجزائر بلدا استراتيجيا للاتحاد الأوروبي الآن وفي المستقبل، أما الجزائر كدولة فهي ومنذ أكثر من ثلاث سنوات بصدد دراسة التطورات المستقبلية وفقا لقراءات متأنية أيضا للتطورات في شمال وشرق المتوسط، والى أين يمكن أن تؤدي؟ ولا شك أنها ستحافظ على التوازن في سياساتها تجاه كل من الغرب والروس فتستفيد من الأوروبيين والأمريكيين وتكون حليفا لهم في ميادين بذاتها وبما يقوى اقتصادها ويجنبها سياسيا مزالق العراق وليبيا وسوريا واليمن وفي نفس الوقت تواصل الاستفادة من علاقاتها التاريخية والكلاسيكية مع الروس وطبعا لو استطاع بوتين البقاء قويا في المشهد بعد حرب أوكرانيا وما سيحف بها وبعدها من تداعيات

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق