تدويناتتونس

التكتيكي والاستراتيجي في ما يحدث في تونس منذ بداية 2021 مرورا بالانقلاب

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

تراوح الأزمة الحالية في تونس مكانها، فلا الحوار الوطني نُظم أو تم إقرار تنظيمه، ولا هذا الطرف أو ذاك انتصر في معارك الحال والجارية منذ 22 سبتمبر الماضي تاريخ إقرار ما عرف بالمرسوم 117 وامتداد الأزمة للاقتصادي والاجتماعي والمالي والدبلوماسي، ومن المهم القول أن مَناحي الأزمة مست كل القطاعات بل وكل فئات المجتمع فيما لا تزال النخب تخوض صراعاتها وعبر سقوط مدو منها في أتون الايديولوجي دون تفريق بين التكتيكي والاستراتيجي من تلك المعارك وهو الأمر الذي درجت عليه تلك النخب السياسية والاجتماعية  ولكن بشكل أشد ضراوة وخاصة منذ بداية سنة 2021؟

1- أولا،يَرتبط التخطيط “التكتيكي” بصياغة خطط قصيرة من خلال استخدام وسائل مختلفة وإجراءات محددة تؤدي إلى تحقيق الأهداف المرحلية التي يهدف اليها الطرف أو الجهة المخططة، وفي المقابل يتعلق التخطيط الاستراتيجي بمجموعة الأنشطة المخطط لها لتحديد الأهداف والغايات التي يجب على الجهة المخططة تحقيقها على المدى الطويل، وباعتبار أن موضوع مقال الحال هو الوطن والثورة فانه من المهم التأكيد أن الأهداف التكتيكية هي الأقرب للمرحلي في ذهنية الفاعلين السياسيين والاجتماعيين غير الوظيفيين بينما الأهداف الاستراتيجية هي تلك التي تمكن البلد من تحقيق أهداف ثورته واستكمال بقية مهامها، ولكن الخلاف هو أن كل طرف سياسي أو اجتماعي له تصوّره لكيفية الوصول إلى ذلك وعلى اعتبار أنه لا خلاف في خدمة الثورة والوطن ومن ثم الدين واللغة كعاملين مشتركين لكل التونسيين، فإنه من المهم التأكيد أن الخطاب والممارسة قد يسقطان في أتون “التكتيكي” ومن ثم تضييع الأهداف الاستراتيجية وسط التباس سببه الأيديولوجيا والتي تمثلها في تونس بين مدارس خمس رئيسية رغم التقاطع والتداخل بينها (الدساترة– اليساريون – القوميون – الليبراليون – الإسلاميون)، وسط صراع واقعي ومتواصل بين الثورة والثورة المضادة بغض النظر عن الادعاءات المعلنة في الاصطفاف للثورة من عدمه ووسط تساؤل مطروح منذ سنوات وهو: هل فعلا غادرنا مربع 1955؟ …

2-ثانيا، التبس على الكَثيرين من هو مع الثورة ومن هو ضدها؟ وتجدد السؤال في كل محطة مفصلية ( 2014-2019-صائفة 2021) ذلك أن عقلية الاختباء وراء “التكتيكي” للعديد من مكونات الساحتين السياسية والاجتماعية بقيت قائمة حتى صبيحة 26-07-2021 حيث اعتبر البعض ما حدث قبلها بيوم قتلا للثورة واعتبره البعض تلاخر مأتم للديمقراطية في ما اعتبره البعض الاخر تصحيحا لها، والحقيقة أن الثورة المضادة بدأت في الاشتغال منذ صبيحة 15-01-2011 ان لم نقل منذ الأيام الأخيرة لأحداث الثورة وقبل تتويجها مساء 14-01-2011، وإلا ماذا تعني استقالة “عبير موسى” مثلا يوم 17-02-2011 وتبينها لمقولات الثورة قبل أن تعود صبيحة 08 مارس لتعارض حل “التجمع” ( ولاحقا أصبحت قيادية بل ورقم 2 في حزب “القروي” الناشئ  في صائفة 2013 ثم لتقوده في أوت 2016) بل وليعتبرها البعض مجرد واجهة حتى اليوم للكثير من وجوه الثورة المضادة –وبعضهم لم ينزعوا بعد ما يخفي حقيقتهم وقيادتهم للثورة المضادة وبعضهم لن يفعل ذلك أصلا- والحقيقة أن الثورة المضادة رابضة ومحتمية في مربعات كثيرة – بل هي تلعب أدوار في أغلب الأحزاب والمنظمات والجمعيات-بل هي أيضا تنسق بين مكوناتها بطريقة خافتة وخفية وغير مُعلنة، والحقيقة أن الثورة المضادة أو الدولة العميقة هي نسق ومصالح ومربعات أكثر منها أشخاص محددون بل وهم في ترابط فعلي مع فاعلين في دول الإقليم وخاصة تلك المعادية للديمقراطية وللثورات العربية….

3- ثالثا، غاب عن البعض بين 2011 و2014 وبين 2015 و2018 أن هناك تنام للثورة المضادة ومكوناتها وأنساقها المجتمعية والاقتصادية وربما تم اعتبار كل حديث عن الدولة العميقة والثورة المضادة من باب الترف الفكري والنظري وأن ذلك توجيه للأحداث في غير ابعادها الواقعية ذلك أن ستالينية المواقف في الاصطفاف (مقولة ستالين التي رددها جورج بوش الابن “من ليس معنا فهو ضدنا”)، اعتبرت يومها صراعا وتجاذبا سياسية ومناكفات وبحث عن التموقع والحقيقة أنها سردية كرستها أجهزة الرئيس المخلوع بين سنتي 1994 و2003وأكملتها كثير من وسائل الاعلام حيث لعبت أدوار خطيرة عبر بعض منشطين واعلاميين وخاصة في من لعبوا أدوارا قذرة في توجيه الاحداث عبر ترذيل السياسة والسياسيين ثم الأحزاب وليأتي الدور لاحقا في ترذيل البرلمان والنواب وبخطط محبكة ومعلنة وعبر تنمية الصراعات والمناكفات وصولا لبداية سنة 2021 وتم كل ذلك بعد أن تم في وقت سابق على ذلك ترذيل التدين والمتدينين….

4- رابعا، مع بداية 2021 اختلط الحابل بالنابل سياسيا واجتماعيا واعلاميا خاصة بعد أن تم اقناع جزء الرأي العام وخاصة المتلفز منه عبر الكثير من السرديات أن أغلبية الطبقة السياسية هم من الفاسدين – بينما سيتبين لاحقا وأن الفاسدين هم قلة قليلة جدا-فيما تم تغييب أن الشعبويين والوظيفيين والفاشيين يعملون على نفس الخطة سالفة الذكر وأن ذلك تم ويتم عبر مربعات يقودها “الوطد الوظيفي”والساكن والمتخفي بطبيعته في مربعات الدولة والسلطة منذ نهاية عقد السبعينات وحتى اليوم وأن كثير منهم لعبوا دور المنظر (والمقترح والمستشار) لكل حاكم جديد منذ نهاية الثمانينات وحتى اليوم وأن اغلبهم صُنع وكُون على المقاس وبعيدا عن الأنظار في ترابط كلي مع تطورات الأحداث في الإقليم منذ بداية التسعينات…

5- خامسا،لقد كان واضحا لأساطين الثورة المضادة و”بارونات” الدولة العميقة ومنذ اعلان نتائج انتخابات 06 أكتوبر 2019 أن ساعة الانقضاض على الثورة قد حانت وأن الضربة القاضية قد حان توجيهها،ولكن حدث في الإقليم ما اربك المرحلي والتكتيكي لأولئك فعدم قدرة “حفتر” في السيطرة على العاصمة “طرابلس” وعدم سقوط قاعدة “الوطية” بيده قد جعل الثورة المضادة في الإقليم تُغيّر برمجتها تكتيكيا ولتتعرى الأطراف المنظمة لتحركي 01 و14 جوان 2020 (والذي انسحبت منه عديد الأطراف في اللحظات الأخيرة وخاصة الفاشيين والوظيفيين تحديدا)، وقبل ذلك لم تفهم كثير من الأطراف على غرار بعض أحزاب أنها قامت بأدوار وظيفية للغير وبدون أن تعرف الأهداف وطبيعة الخطط المرسومة استراتيجيا، وهي أحزاب على غرار “التيار” و”الشعب”، لم تفرق بين التكتيكي والاستراتيجي في ما يجري ولترتسم خطط بديلة في الإقليم ولتوضع خطط تنفيذية للداخل التونسي ودون أن تُوضح الصورة في حقيقتها للوظيفيين وكان عنوان الخطة الإقليمية وهدفها الرئيسي هو أن “يجب ألا تحتفل الثورتان التونسية والليبية بذكراهما العاشرة، ولكن الحسابات كانت خاطئة بناء على عدم تماهي المتغيرات الإقليمية والدولية مع ذلك ولتواصل النخب التونسية تخبطها وعدم وعيا الحقيقي والاستراتيجي بما يجري ولم يتم استيعاب ما جرى بين جوان 2020 وبداية جويلية 2021 ولم تفهم النخبة التونسية وأحزابها ومنظمتها مخاطر ما جرى ويجري وتبعاته المرتقبة حتى مساء 24-07-2021…

6- سادسا،سابقا حسب البعض أن معركة التحوير الوزاري وغيرها من معارك التجاذب هي معارك استراتيجية وان انتصاراتهم بالنقاط هي معراك كبرى،بل وظن البعض لاحقا أن حتى حدث الانقلاب في 25-07-2021 هو مفصل استراتيجي بينما هو في الحقيقة محطة تكتيكية – لا في ذهن الرئيس سعيد وبعض مقربين منه بل في ذهنية الثورة المضادة والأكثر قدرة على إدارة المعارك الكبرى-والثابت أن الثورة المضادة بوطدييهاونوفمبرييها ما زالت أهدافها لم تتحقق بعد لان المحطة الرئيسية بالنسبة اليها في الواقع هي الانتخابات القادمة بنسختيها التشريعية والتنفيذية وكيف يجب أن لا تصل لها القوى الديمقراطية والثورة الا وهي متصارعة أولا ومنهكة ثانيا، ثم كيف يجب أن تخسرها بما لا يمكنها حتى من الثلث المعطل، وهنا يجب الانتباه أن بعض أحزاب وحساسيات نهمة في العداء للإسلاميين وأنهم اصطفوا مع الانقلاب لنهم حلموا أن يقبر لهم خصمهم الالد (والذي عادوه وصفوه عبر الدم في مارس 1982 وعبر منصات النظام البرقيبي في 1985 و1986 و1987، قبل ان يعيدوا الكرة داخل مكاتب أجهزة المخلوع سنتي 1991 و1992 وعبر خطط تجفيف المنابع الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية ليعود اليهم طرفا حاكما في 2011 ورغم التآمر واسطوانات “الجهاز السري” صمد في 2014 وحل أولا في 2019)، ولذلك تم اسناد الانقلاب من طرف البعض إعلاميا وسياسيا ليس حبا في “سعيد” بل شماتة في الثورة والديمقراطية والسؤال الأهم أليس مر أغلق المنابر وسمح بعودة منطق “اجلد خصمك ولا تسمح له بالنطق أصلا” أي “اقبره حيا وعيناه مفتوحتان”، اليس هم تلاميذ “عبدالوهاب عبدالله” وربما هو اقل منهم سوءا؟

7- سابعا، لقد توضح للجميع أن “بارونات” القديمة هم من بقوا في الخلف وأنهم حركوا من حركوا عبر حبكة مدروسة وأنهم اتبعوا منهج “دراسة الفعل وردات الفعل” كطريق ممهد للسيطرة والتحكم وان ذلك كان يتم منذ 2014 وأن “نداء تونس” كان مجرد مرحلة اختبار وامتصاص لغضب الشعب من فساد وكارثية “التجمع” ومن “آل نوفمبر”جميعا وأن تحويل النقمة يجب أن يُرحل للغير ولأهل الثورة تحديدا وأن اختراقات عدة حدثت لأحزاب ومكونات الثورة والتي كانت لها القابلية “لا للاختراق فقط بل وللتفكك أيضا”، وتم بناء على ذلك تمرير السرديات العديدة والتي روج لها اعلام باهت قائم على “الباز” و”الفضائحية”(باستثناء اعلاميين قلة رفضوا ذلك وانقسموا بين فريقين، فريق هاجر وآخرين ابتعدوا وبحثوا عن أنشطة بديلة او قبلوا بأدوار ثانية غير مؤثرة)، كما أن الأموال التي هربت في عهد المخلوع عادت حسب البعض من القراءات لتمويل الثورة المضادة واعلامها ومواقعها وتم نشر سردياتها على أوسع نطاق عبر الدفع بتلك الأموال القذرة …

8- ثامنا،الخلاصة وأن ما يجري في تونس منذ بداية 2021 هي أحداث ومعارك تكتيكية الطبيعة والرهان في ما يحسبها البعض استراتيجية ونهائية النتائج، ذلك أن الرهان الحقيقي للبعض وللقديمة تحديدا هو في بسط النفوذ عبر مسارات الانتخابات القادمة سواء كانت بلدية او رئاسية أو تشريعية، ووفقا لأولئك فان المعركة الحقيقية ليست في القانون الانتخابي ولا في تعديل النظام السياسي، بل هي من يتحكم في البلد ومساراته واصطفافه الإقليمي، وفعلا فالسؤال الرئيسي والحقيقي اليوم هو: هل ستنتصر الديمقراطية والتيار الوطني في فرض الحريات وتحقيق باقي أهداف الثورة– بعد تصحيح فعلي لمساراتها- أم تعود منظومة التبعية و”بارونات” المال ورجال المحافل وممثلي الشركات العابرة للقارات بفسادهم ومنطق اعلامهم ورداءاته وسردياته الكاذبة؟…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق