الجزائرتحاليل

الجزائر: رهانات التوغل في العمق الافريقي وعقد القمة العربية وانجاح اجتماع للفصائل الفلسطينية

علي عبداللطيف الافي – كاتب و محلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

عندما تحدثنا منذ أشهر حول عودة الفاعلية والنجاعة للدبلوماسية الجزائرية اعتبر البعض ذلك تفاؤلا مفرطا فيه ربما باعتبار أن تلك الدبلوماسية كانت شبه مشلولة بين سنتي 2014 و2020، وها هي تتحرك في بداية 2022 في كل الاتجاهات سوى تعلق الأمر بالملفات الإقليمية أو بعض قضايا دولية من خلال تسهيل ودعم جهود المنظمة الأممية، ورغم تعدد الملفات والتحديات الداخلية وخاصة الاجتماعية منها أمام الحكومة المشكلة عقب انتخابات 12 جوان/يونيو  فان ذلك لم يمنعها من الرهان على ثلاثة ملفات رئيسية ولها مؤثراتها المباشرة على قضايا اقليمية ودولية وهي:

  • رهان عقد القمة العربية المؤجلة منذ أكثر من سنة بسبب فيروس كرونا وبسبب الخلافات العربية العميقة ولأرث تاريخي يعود لعقود خلت…
  • رهان إنجاح اجتماع الفصائل الفلسطينية الخمس الرئيسية التي دعيت للاجتماع في الجزائر يوم 30 جانفي/يناير الحالي تحت اشراف مباشر للرئيس “تبون”…
  • رهان تحقيق تقدم نوعي في ملف التوغل في العمق الافريقي بناء على المستجدات الحاصلة في دول القارة وخاصة في شمالها وشرقها وغربها مضاف اليه التطورات الخاصة منذ أكثر من سنتين في صراع النفوذ بين روسيا والصبن والولايات المتحدة والأمريكيين وبعض أطراف دولية وإقليمية أخرى عديدة…

ويجيب مقال/تقرير الحال على سؤال: هل يستطيع الرئيس الجزائري “عبدالمجيد تبون” ومساعديه التعاطي مع قوة تلك الرهانات خاصة وأنها ستواجهها بصفة متزامنة؟

** رهان إنجاح عقد القمة العربية وعبر مخرجات استثنائية

1- يعلم الجزائريين قبل غيرهم عمق الخلافات العربيةرغم نتائج القمة الخليجية 42 التي عقدت منذ أسابيع ذلك أن العرب يعيشون مشكلات لا حصر لها بين دولهم الــ 22 إضافة الى تعدد التجاذبات العديدة في ملفات عدة كميا وكيفياوهي خلافات وتجاذبات لها امتداداتها التاريخية وهي حقائق يعيها الجزائريون مثلما يعيها المصريون والقائمون على ملفات الجامعة العربية، ورغم وصول وفد من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بقيادة الأمين العام المساعد “حسام زكي”بداية الأسبوع الحالي إلى الجزائر في زيارة دامت يومينبغاية متابعة الترتيبات المتعلقة بعقد القمة العربيةالمقبلة المقررة في شهر مارس/ آذار المقبل، الا أن الجزائريين يعون صعوبات ترتيب عقد القمة وأجنداتها وطبيعة المخرجات الممكن التوصل اليها وهو أمر بدا واضحا من خلال التقارير السياسية والإعلامية التي نشرت حول جولات  وزير الخارجية الجزائري “رمضان لعمامرة”في جولته العربية الأخيرة لإجراء سلسلة مشاورات حول أجندة القمة وملفاتها السياسية.

2- رغم أن بيانات لوزارة الخارجية الجزائرية قد أفادت أن المباحثات في العواصم العربية قد تطرقت إلى “عوامل لضمان نجاح هذه القمة وجعلها محطة فارقة في مسيرة العمل العربي المشترك، فان الجزائريين بدوا حريصين على تبيان عقلانية مقاربتهمواحترافية المشاورات التي قام بها “لعمامرة” لصالح الجهد الجماعي العربي وهم يعرفون قبل غيرهم الألغام المزروعة والتي قد تزرع أمام نجاحات القمة وأمام مخرجاتها، ولذلك سعوا أيضا إلى الحصول على دعم مصري وإسناد لتحقيق حد أدنى من التوافقات العربية حول جملة أفكار سياسية تتعلق بأجندة القمة ومخرجاتها المرتقبة تتمحور حول أن تكون القضية الفلسطينية النقطة المركزية وعلى رأس أجندة القمة وإعادة تقريب الموقف العربي بشأن الحقوق الفلسطينية بناء على المبادرة العربية لعام 2002، إضافة إلى ملف عودة سورية إلى مقعدها في الجامعة العربية، وهو الملف الذي يطرح تباينا لافتا في المواقف بين داعم لعودة دمشق ورافض لذلك.

** رهان إنجاح اجتماع الفصائل الفلسطينية نهاية جانفي الحالي

1- عادة ما يفكرك الجزائريون في كل حديث معهم عن القضية الفلسطينية بمقولة عرفات التي وجهها لكل الفلسطينيين يوما والتي نصها “إذا ضاقت بكم الدنيا اذهبوا إلى الجزائر”، وهي مقولة جاءت طبعا في ظرف وسياق غير الظرف والسياق الراهنين، ومع ذلك فإن الجزائر لم تتغيّر محددات علاقتها بالقضية الفلسطينية نصاً وروحاً، تحاول مجدداً تدوير العجلة باتجاه غير الذي تدفعها إليها الرياح والأحداث والتحولات الحاصلة في الأطراف والمواقف، وواقعيا في نهاية شهر جانفي/يناير الحالي سيعقد في الجزائر مؤتمر الحوار الفلسطيني برعاية الرئيس عبد المجيد تبون، ويمكن أن يأخذ ذلك عناوين كثيرة على غرار التمهيد للقمة العربية المقبلة واستعادة الدور المتقدم في المسألة الفلسطينية وسيبحث الجزائريون فيها عبر القيام بعمل عكسي إزاء هجمة التطبيع ونقل اللعبة السياسية إلى داخل مربع الجغرافيا الفلسطينية.

2-عمليا لا شيء يمنع الجزائر من المحاولة على صعيد توحيد الصف الفلسطيني، أو تحقيق تقارب نسبي بشأن خيار إنهاء الانقسام الداخلي والعودة إلى مربع المشروع الوطني المشترك خاصة وأنها بلد لا يزال يتكئ على رصيد متجدد من العنفوان والمواقف الثورية، ذلك انه لها تاريخ وسوابق ناجحة في التمكين للفلسطينيين منذ احتضان أولى كتائب فتح وتسليحها إلى غاية دورة المجلس الوطني لإعلان قيام الدولة في نوفمبر 1988، أو في محافل دولية (خطاب عرفات في الأمم المتحدة عام 1974) وهي فقط امثلة للذكر لا الحصر  وطبعا يعي الجزائريون المصاعب في هذا الامر  ذلك أن الإرادات الفلسطينية غير ممسكة بزمام أمورها، فيما قرارها موزع بين عواصم عربية متباينة هي الأخرى في المواقف والخيارات ومن المهم القول أن الجزائر تؤمن وتدرك جيدا أن إخفاق الفلسطينيين في بناء برنامج وطني والتوافق على مشروع تحرير موحّد، سيصعب المعركة مع المحتل ويعقد ظروفها ويضعف عوامل تحقيق إنجاز فلسطيني على صعيد استعادة الحقوق التاريخية وأولها حق مقاومة الاحتلال، بل حوّل هذا الإخفاق المعركة إلى الداخل الفلسطيني نفسه ولذلك هي دعت الفصائل الخمس الرئيسية للاجتماع…

** العمق الافريقي بين التكتيكي والاستراتيجي

1- منذ أكثر من ثلاث عقود ابدت الجزائر اهتماما بمحيطها الافريقي بل أن ذلك تعود جذوره الى الأيام الأولى لثورة الفاتح من نوفمبر، وهو أمر تجدد وبقوة منذ انتخاب الرئيس الحالي في 12 ديمسبر 2019 حيث تم بعث رسائل واضحة مضمونها الأساسي العودة القوية إلى العمق الأفريقي، ولم يبق ذلك مجرد رغبة نظرية بحتة بل تم تجهيز آليات البلد الدبلوماسية وعبر استحداث مناصب جديدة من المستشارين والممثلين لرئيس الجمهورية، ولكن الاهتمام الجزائري وفي مؤسسة رئاسة الجهورية بالذات لا يعني سهولة الرهان ذلك أن العمل السياسي والدبلوماسي المؤثر في أدغال افريقيا وفهم تعقيدات ملفات بلدانها ومن ثم استحضار الاستراتيجي في التعاطي مع العمق الافريقي لم ولن يكون مفروشا بالسجاد الأحمر في ظل وجود منافسة قوية من طرف قوى إقليمية ودولية أكثر من أن تحصى خاصة وأن الإمكانيات المادية واللوجستية متاحة لتلك الدول والأطراف بشكل أضخم بكثير ما هو متاح راهناامام الجزائريين، وتلك القوى الدولية والإقليمية حوّلت أفريقيا إلى شريك بعروض من مليارات الدولارات…

2- رغم صعوبة الأمر – وبالشكل الذي أشرنا اليه أعلاه- فان الدبلوماسيين الجزائريين بدوا مستعدين للتعاطي مع درجات الصعوبة وتذليل كل المصاعب والعوائق حتى أنه عندما سُئل وزير الخارجية الجزائري السابق “صبري بوقادوم” عن دور الجزائر الجديد في القارة السمراء وهل بالإمكان أن يكون منافسا حقيقيا للمنافسين الإقليميين والدوليين، ردّ بأننا “نحن جزء من أفريقيا، ولا يمكن أن نفكر بمنطق الشراكة كما يفكر به الآخرون” وهي إجابة اقرب للتكتيكية والمناورة، ولما سُئل وزير الخارجية الحالي “رمضان لعمامرة” عندما كان في نفس المنصب خلال حقبة الرئيس الراحل “عبدالعزيز بوتفليقة”، عن المديونية التي ألغتها بلاده على بعض الدول الأفريقية، ردّ بأن بلاده لا “تستعمل دبلوماسية مكبرات الصوت”، ورغم أنه تم في فترة سابقة تخصيص حقيبة وزارية للشؤون الأفريقية والمغاربية إلا أنه تم تحميل القيادة السياسية السابقة مسؤولية تراجع الدور الجزائري في أفريقياخاصة خلال السنوات الأخيرة وهو أمر ترتب على شلل دبلوماسيتها بين 2014 و2020 وسمح بدخول مريح لقوى أخرى في مربعات القارة السمراء، وفعليا كان دخول إسرائيل على خط القارة الأفريقية كاف لاستفزاز دوائر القرار الدبلوماسي الجزائري وهو ما دفعها لتحريك جهازها الدبلوماسي على مختلف المستويات من أجل العودة إلى المشهد القاريولكن طريقها وكما بينا أعلاه لن يكون سهلا بالنظر إلى نفوذ القوى المنافسة.

3-نهاية السنة الماضية ضمنت الجزائر دعمها من طرف عرب القارة الأفريقية، في الملف المتعلق بعضوية إسرائيل في الاتحاد الأفريقي كعضو مراقبولكنها أيضا لم توفق في وقف التغلغل الإسرائيلي المدعوم من طرف عدد من الدول الأفريقية ولذلك جرى ترحيل المسألة إلى قمة الرؤساء القادمة، وهي في نفس الوقت تحتفظ ببعض حلفائها التقليديين في القارة السمراء على غرار جنوب افريقيا ونيجيريا وفي نفس الوقت لازالت الأذرع الناعمة غائبة فعليا عن الانتشار الجزائري في أفريقياذلك أن المشروع التاريخي المتمثل في الطريق الأفريقي العابر للصحراء انطلاقا من حوض المتوسط إلى غاية نيجيريا لا يزال متعثرا خاصة في مقاطعه الأفريقية الحدوديةولأسباب مختلفة على غرار الإمكانيات المالية لتلك الحكومات والأوضاع الأمنية في دول الساحل، وحتى أنبوب الغاز من نيجيريا إلى الجزائر يكتنفه الغموض رغم ما أنفق عليه وتجاوز مليار دولار، وحتى الطريق الصحراوي مع موريتانيا والخط البحري نحو نواكشوط المعلن عنه مؤخرا لا يزالان بعيدين عن طموحات الإنشاء المنشود.

4- فعليا،لم يُفض الاهتمام الجزائري بالملفين الليبي والمالي إلى نتائج ملموسة في ظل تداخل المصالح والأطراف فرغم تحركها لمنع التدخل العسكري في ليبيا، إلا أنها فشلت في وضع بصمتها على مخارج الأزمة المذكورة، وحتى بالنسبة إلى الجار الجنوبي لم توفق في المضي باتفاق السلام المبرم على أراضيها العام 2015، إلى إحلال السلام في باماكو والمساهمة في إخراج مالي من الأزمة التي تتخبط فيها ذلك أن التحرك الدبلوماسي الجزائري والذي لا يزال يستند إلى آليات تقليدية تغيب عنها البراغماتية والآليات الناعمةوهو سيبقى مرهونا بما تستطيع الجزائر بذله من مال واستثمار في القارة السمراء ذلك أن العروض الواردة من الصين واليابان وفرنسا والولايات المتحدة مغرية ولا تترك مجالا للالتفات إلى خطاب جزائري يستحضر مفردات القومية الأفريقية ومظالم الاستعمار والاستغلال فقط دون خطوات عملية أخرى محفزة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق