تحاليلتونس

تونس : المشهد الحزبي بين واقع 2021 وآفاق 2022

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي 

 

يرتكز“الحزبي” في تونس إلى منطق تصنيف واسقاط ما هو فكري وثقافي على ما هو سياسي ومن ثم حزبي وبالتالي فكل اقتراب فكري من أي حزب يتم وضعه صمن سياقه وبالتالي تنتفي موضوعيا في تونس وخاصة منذ نهاية الثمانيات الاستقلالية الحزبية بناء على ذلك ولا يصدق أي كان لو قال أنه مستقل سياسيا، وهو أمر تكرس وخاصة بعد انتخابات 2014 ولتتكرس بأكثر دراماتيكية  بعد انتخابات 2019، وفعليا  أصبحت الظاهرة الحزبية منذ بداية 2021 مثقلة بالتجاذبات والهنات إضافة الى سياسية إعلامية قائمة على ترذيل الأحزاب وخاصة في ظل شعبوية المشروع السياسي للرئيس “سعيد” والذي كرر مرارا قبل وانتخابه سنة 2019 بأنه من المبشرين بنهاية الأحزاب وانه لا مستقبل لها، فأي مشهد حزبي سنة 2021، وما هي حصاد الفعل السياسي والاجتماعي للمدارس الفكرية وللأحزاب السياسية، وأي آفاق مرتقبة له في أفق نهاية 2022 خاصة في ظل وجود حوالي 238 حزبا من بينها حوالي 35 حزبا فقط لها أنشطة سياسية وإعلامية وتنظيمية في ما ليس هناك سوى 7 أو 8 أحزاب مهيكلة وموزعة فعليا على كل ولايات الجمهورية الــــ24؟

1- من المهم القول إن عالم الاجتماع والوزير السابق المرحوم “عبدالباقي الهرماسي” قد أكد في دراساته المنشورة وغير المنشورة وتحديدا في بداية الثمانينات أن”ليس في هناك في تونس من أجسام سياسية فعلية وفاعل الا الاسلاميون والدساترة واتحاد الشغل”، ومعلوم أيضا أن هذا الأخير – أي “الاتحاد” قد ضم في هياكله كل المدارس الفكرية والسياسية والأيدولوجية والتي يمكن تقسيمها الى خمس مدارس رئيسية وهي فعليا ووفقا للتواجد التاريخي: الدساترة والليبراليون واليساريون والقوميون العرب والاسلاميون…

2- في بداية 2021 وجد الدساترة أنفسهم امام حقيقتين رئيسيتين وهما:

  • الحقيقة الأولى: أنهم مشتتون وفرقا وشيع لا يجمعهم الا ارث تاريخي مثقل بوقائع وارث حقبتي الاستبداد وأنهم ليسوا وحدة متكاملة لا أمس ولا اليوم ولن يكونوا مستقبلا أي جسم سياسي صلب جامع لهم ومتمايزة على بقية المدارس الأربعة الأخرى خاصة في ظل توظيف لهم من طرف اليساريين ومعلوم أن هؤلاء الأخيرين اخترقوا الدساترة في كل مراحل تطورهم وكان كل طرف منهما موظف ومخترق للآخر…
  • الحقيقة الثانية: أن “الدستوري الحر” على فاشية أفكاره وزعيمته، هو أكثر الأطراف تنظيما وقدرة على التحشيد ولكن مشكلته أنه وظيفي لأطراف اقليمية ودولية بغض النظر ان تكون كل قيادته واعية فردا فردا بتلك الوظيفية وخاصة في ظل مسك “عبير موسي” بكل السلطات والمناصب والصفات داخل وخارج الحزب…

ولا شك أن الحقيقتين ستربكان الدساترة بل وشلتا فعلهم السياسي سنة 2021 سواء قبل انقلاب 25-07 وبعده، حيث لم يبرز سوى منظر المخلوع “الصادق شعبان” وفقط عبر تدوينات اقرب للفاشية السياسية منها للراي والطرح، كما برزت بعض وجوه انتهازية هي اقرب للوظيفية فكريا وسياسيا ولا يمكن الجزم في قدرة اجسام أخرى اعتبرت ثورة 17/14 أمرا واقعيا،,انها اجسام قد تكون قادرة على التطور مستقبلا على غرار حزب “شكري البلطي” الموسوم ب”الحزب الاشتراكي الدستوري” أو مجموعة الناصفي أو مجموعة “الخبثناي” وهذه الأخيرة غطت أنشطتها وتحركاتها في كل اتجاه بلافتات “منتدى الجمهورية” ومسميات أخرى عديدة وحافظت موضوعيا على علاقات في كل الاتجاهات بما في ذلك مع قيادة “الاتحاد” و”الطبوبي” أساسا وأيضا مع قيادة “النهضة” المركزية وان بدرجة اقل من “الاتحاد”…

والثابت اليوم أنه لا مستقبل يُذكر لــــ”الدساترة/”التجمعيين” خارج تشكل جديد يكون جامعا ومبنيا على تقييم علمي وموضوعي وضرورة التمايز على “الدستوري الحر” والذي سينحصر مستقبله السياسي في الحصول على كتلة محترمة بعيدا عن ارقام “الزرقوني” المزيفة والمصنوع بعقلية المخابر أكثر منها حقيقية كما أنه مرشح للانفجار من الداخل وفقا لأجندة والفعل السياسي لشخصيات سياسية وازنة على غرار “منذر الزنايدي” وآخرون مثله أو حتى “الاميرال العكروت” وان بدرجة أقل وأيضا بالمستقبل السياسي لما سمي بتنسيقيات الرئيس “سعيد” الأقرب للتنظيمية البالية منها للحزبية، كما أن تفكير مجموعة “الخبثاني” وفعلها السياسي سيكون محددا في مستقبلهم ومستقبل “عبير” وحزبها ومقولاتها الكلاسيكية والفاشية والشعبوية والوظيفية للإقليم أيضا…

3- كانت سنة 2021 سنة غير عادية للإسلاميين أولا لأن ما تجنبوه أربعة عقود قد حدث الا وهو اختيار قيادات وازنة ورئيسية للفعل اما بعيدا عن السياسي المباشر أو تأسيس جسم سياسي آخر (الحقيقة ان فكرته لا تزال غير جدية ولا واضحة)، إضافة الى أنهم قد دفعوا ضريبة الحكم لسنتين ومشاركة فيه لمدة 6 سنوات أخرى وخاصة بعد تحلل النداء وتنامي العقلية الاقصائية ثقافيا وفكريا وسياسيا للتيار القومي ولنخبة تشبه في العقلية الانقلابية والتصفوية، ولكن “حركة النهضة” وباعتبارها التشكل السياسي الأبرز للإسلاميين في تونس، قد واصلت أيضا فعلها المناور سياسيا وفي القدرة على التكتيك والتفريق الفعلي في الخطاب والممارسة بين الاستراتيجي في قراءة مستقبل تونس والمنطقة وبين الأدنى في الفعل السياسي المرحلي ولو حل حساب تراجع الحزب شعبيا وتنظيميا مع أنها ارتكبت أخطاء كان يمكن تداركها ولو انتبهت مبكرا لانتهازية البعض في صفوفها المركزية بالأساس…

والحقيقة أن الكثير من المتابعين للمشهد السياسي التونسي وخاصة لرصد فعل التيار الإسلامي والنهضة خصوصا، يعرفون أن مستقبلها يرتبط دوما بواقع الإقليم وطبيعة المعادلات الفكرية والثقافية والسياسية فيه -وهو ما أثبتته تجربة العقود الثلاث الماضية-والثابت أن “حركة النهضة” ستكون رقما صعبا في المعادلة السياسية التونسية حتى نهاية 2022 وأن الانتخابات القادمة ستحدد لاحقا طبيعة مستقبلها ووزنها بعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ومدى شعبيتها…

4- في تقييم سابق لإحدى الدويات التونسية منتصف التسعينات أكد ضيوف ملف تلك الدورية انه “لا يسار في تونس وانه ليس هناك سوى اليسار”، وبغض النظر عن جمالية فكرة “اليسار” والتي جعلت المفكر الإسلامي الشيعي “حسين فضل الله” يقول “اننا – أي الإسلاميون- نعتبر انفسنا يسار التاريخ في ما الماركسيين هم يسار الدولة…”، فان الثابت أن واقع اليسار الذي لا يسر في تونس مبنية على فكرة بؤس اليسار الوظيفي الأقرب للفاشية وخاصة اليسار الثقافي منه وهنا لا نتحدث عن اليسار الشريف على غرار “الحزقي” و”الزمزمي” و”جلبار النقاش” وآخرين كثر…

والواقعأنه تم تسييل اليسار كقوة فاعلةوسابقة كما أرهقته مرحلة المخلوع والسرور النخبوي اليساري لفكرة “بن خذر” رحمه الله “نحن الأبناء الشرعيون لبورقيبة”  والحقيقة أن سنة 2021 عمقت أزمة اليسار وتجديدا اليسار الماركسي واقصى اليسار الذي وجد نفسه بصفر مقاعد تقريبا في برلمان 2019 واضافة الى ذلك سقط يسار الوسط في الوظيفية العمياء ولكن الحقيقة أيضا ان مبدئية يساريين على غرار “حمة” وبعض قيادات حزبه أي “حزب العمال” كانت علامة مضيئة ما بعد حدث أو انقلاب 25-07، كما استفاق جزء من ويسط اليسار من غفوته السياسية وعاد للفعل النضالي وبقوة وان بأفكار عفى عليها الزمن في الموقف من بعض قضايا مستجدة على غرار شروط التحالف السياسي المرحلي، ومستقبل اليسار أمر جلل ولكنه غير واضح المعالم وسيرتبط بمستقبل التطورات في أوروبا وقدرة شباب يساري على تقييم جدي لمسار اليسار منذ 1919 الى اليوم والبوح بالحقيقة،أما سنة 2022 فسيواصل اليسار تشتته المرحلي ولكن بعض يساريين يمكنهم تعديل عقارب الزمن بما يعيد لليسار في تونس جمال فكرته الرائعة في الاصطفاف للحق والحقيقة وان كانت الحقيقة دائما نسبية…

5- في مقال سنة 2017 أكدنا أن التيار القومي تقوم كارثية فعله السياسي على انه يضع نفسه دوما في موضع تجاذب بين اليساريين والإسلاميين فلا هو اصطف مع هؤلاء ولا مع أولئك، والكارثة أن القوميين العرب وخاصة الناصريين منهم قد ارتدوا على مسار قناعتهم في الفكرة الديمقراطية وسرعان ما أعلنوا دعمهم لانقلاب 25-07 وليس العيب موضوعيا في ذلك ولكن العيب الأكبر في اختيار المقاربات والاطروحات للمضي في ذلك الموقف ف”حركة الشعب” انقسمت على نفسها لتجد نفسها على الأقل كمكتب سياسي في حضن “التيار الشعبي”(الذي غادرها سنة 2013بناء على أطروحة نقد الاقتراب من نداء تونس يومها)، أما البعثيين ورغم أنهم ليسوا وحدة متكاملة فقد فقدوا ثقلهم التنظيمي بكارثية خيارات سنتي 2011 و2013 في ما بقي “البشير الصيد” وفيا لمقولاته وأن مثلت حركته تجميعا لفرقاء بين “لجان ثورية” وبعض ناصريين بعيدين عن “حركة الشعب” وبعض آخرين ممن التقوا مع “البشير الصيد” وفعله كعميد سابق ولكن مساندته أخيرا لإضراب الجوع هزت حزبه تنظيميا حتى داخل المكتب السياسي…

ويمكن الجزم أن مستقبل التيار القومي وخاصة “الشعب” و”التيار الشعبي” على كف عفريت تنظيميا وسياسيا وأن محددات ذلك المستقبل ليست داخلية فقط بل أيضا قومية ( الإقليم ومصر وسوريا بالذات)، ولكن يبقى السؤال من سيرث حقيقة التيار القومي في آخر سنة 2022 وهل هو التيار القومي الديمقراطي المنقسم أيضا على نفسه منذ سنة 1993 أم ان كل التيار سيدفع ضريبة العقلية الانقلابية لأغلب مكوناته رغم تشتتها وتمايزها خاصة وان عملية التوحيد لم تر النور منذ سنة 1980 أي محاولة “الميداني بن صالح”، والأرجح أنها لن ترى النور ابدا…

6- في فترة الرئيس “الحبيب بورقيبة” كانت هناك ليبرالية تونسية فكريا وسياسيا وخاصة في الفعل السياسي للعديد من الشخصيات المحيطة ببورقيبة بل كان هناك ليبراليين قبل الحزب الجديد حتى أن “الثعالبي” يمكن القول إنه أول ليبرالي تونسي رغم مسحته الإسلامية ثقافيا واجتماعيا…

واقعيا دخل الليبراليون سنة 2021 بعقلية انه ليس هناك ليبراليون حقيقيون قادرين على بناء حزب وطني ليبرالي وخاصة بعد اختفاء “الحزب الليبرالي المغاربي” واختفاء الرياحي كليبرالي “متوحش” في رؤيته الاقتصادية طبعا إضافة الى أن حزبي “نداء تونس” و”تحيا تونس” وأجسام سياسية أخرى غلبت عليها الوظيفية ومقولات اليسار او تلويحها بالبعد الديمقراطي الاجتماعي – وهي منهم بريئة- وهو أيضا ما غيب الليبرالية والليبراليين في تونس حتى نهاية سنة 2021 والدليل ان الليبرالي واقعيا “محمد الفصل عبدالكافي” يتحاشى التأكيد أنه ليبرالي ويسقط في مقولات الحزب الذي تملكه بعقلية ليبرالية عبر شراء الأصل التجاري لحزب أقرب لليسارية…

اما مستقبل الليبراليين فمطروح على طاولة الفعل السياسي، فأي ليبرالي سيتشجع ويعلن أنه فاعل سياسي ليبرالي قولا وفعلا وأنه ومن وسط اليمين وقد يحدث ذلك فعلا سنة 2022 وخاصة في الشطر الثاني منها وربما يتأجل ذلك لما بعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ربما…

7- غاب الفعل السياسي للأحزاب التونسية ولم نر حزبا فعليا سوى”حركة النهضة” و”حزب العمال” و”حركة البعث” وحوالي 4 أحزاب اخرى (بغض النظر عن القوة السياسية واقعيا)، وفي ما ضعف الثاني ترنحت قوى الحزب الأول نتاج ضربات الخصوم وأجندات الإقليم ونتاج وظيفية البعض لرؤية أطراف دولية بعينها وأربك الانقلاب الأحزاب ورغم تداركها في ما بعد إجراءات 22-09 وخطاب 13-12 الا أنها ورطت نفسها في غياب كلي للعمل الجبهوي على قاعدة دعم مكتسبات الثورة فهل ستستطيع الأحزاب فعلا اسقاط مقولة نهايتها التي كررها أخيرا “رضا لينين”(صديق الرئيس ومنظر نظامه الفعلي)، أم أن منطق الوكالة الفكرية والسياسية سيستمر سنة أخرى في انتظار الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وكنه نتائجها؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق