تحاليلتونس

وثائق “وكيليكس عربي” حول دور المخابرات المصرية في انقلاب 25-07: الحقيقة والخيال؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي 

بغض النظر عن صحة التسريبات والوثائق التي نشرها موقع “وكيليكس عربي”، فان المهم هو معرفة الجهة المسربة ولماذا قبل أيام معدودة من الذكرى 11 لانطلاق شرارة ثورة الحرية والكرامة، كما لابد من التساؤل: هل تمت العملية استباقا لزيارة “تبون” وهل الجهة كانت تعرف جزء من كواليس تلك الزيارة وأهدافها وما سيترتب عنها إقليميا؟أم هي للتغطية عن تفاصيل أحداث وتوجيه الرأي العام نحو وجهات أخرى؟ وأي أحداث لها علاقة بتلك التسريبات ومراميها الحقيقية بغض النظر عن صحة دقة مضامين التسريبات أو كنه الشكل الذي سُربت به؟ذلك أنه من الواضح أن الغاية والهدف هي ما سيبقى في الأذهان ليتم ترتيب أمور وسيناريوهات أخرى بناء على ذلك وخاصة في ظل تناغم وتأثيرات متبادلة بين ما يجري في تونس وجوارها وبين المتغيرات السريعة في الإقليم من حيث كسر تحالفات وبناء أخرى…

  • أولا، من المهم أنه منذ تغيير الدستور الجزائري السنة الماضية وبعد دخول “بايدن” للبيت الأبيض في واشنطن، تَبيَّن للمتابعين أن الإقليم سيُقلب سلفا على عقب للقيام بإعادة رسم المشهد في كل المنطقةوبما يسمح بالتفرغ للملف الصيني أساسا إضافة لإعطاء مساحات اهتمام وأولوية للملفين الإيراني والروسي، وعمليا مثل التقارب الجزائري التركي وانقلاب السودان ثم الاتفاق بين الفرقاء في الخرطوم، والقمة التركية الإماراتية الشهر الماضي، مشاهد دالة ومعبرة على تَواصل تلك الخطوات وأنها ستُغير الكثير داخل بلدان شمال افريقيا ولكن عبر أبجديات ستتحول بطبيعتها الى أسس في التعاطي بين دول الإقليم الحليفة لأمريكا ولكن رغم ذلك فانه من عادة المصريين اللعب على الهوامش خلال السنوات الماضية دون اثارة الأمريكيين، والتسريب في هذا الاطار هو معبر عن قلق مصري وتعبير منهم أنهم خسروا ساحة لخصم صعب تحديه في المنطقة المغاربية بناء على عقيدة استراتيجية في عرف الجزائريين منذ انتصار ثورة 1 نوفمبر …
  • ثانيا، من الخطأ تغييب ما أتاه ذلك الشاب الفلسطيني الأقرب للهبال والمقيم في ماليزيا عندما تحدث عن تسريبات متناقضة بين يوم وآخر في أفريل الماضي حول تفاصيل في الحياة السياسية في تونس، وليس غريبا أن الوثائق عبرت عن بعض جوانب ما تحدث عليه ذلك الشاب والذي يظهر أنه اقلع عن الحديث في الشأن التونسي بعد حركة/انقلاب 25 جويلية/يوليو الماضي، كما لابد من تبين الفرق الذي سربت به وثيقة تفعيل الفصل 80 ( والتي صيغت وكتبت على الأقل) من مكتب رجل مقرب من منظومة المخلوع وهو أيضا كان قياديالسنوات في “التيار الديمقراطي”، وتبين لكل المتابعين أن تلك الوثيقة التي كتبت يوم عيد الفطر تحديدا وسبقت زيارة الرئيس لباريس بأيام معدودة أنها صحيحة مضمونيا وأن ما حدث يوم 25-07-2021 متطابق مع مضمونها في أغلبه وأن الفوارق  تطلبتها التطورات الجارية بين 13-05 و25-07، ومضاف الى ذلك أن الكثير من تسريبات المغرد “مجتهد” في منتصف سنة 2020 حدثت وبأنساق قريبة من مضمون الوثائق المسربة من قبل “وكيليكس” عربي والتي من الواضح أنها مُزيفة ولا صحة لها من حيث الشكل والبروتوكولات وربما حتى الأسماء الفاعلة في ما قيل انها خطة لإسقاط الديمقراطية في تونس بينما الأحداث تمت بأشكال أخرى ميدانيا ومن حيث بناء تطور الاحداث…
  • ثالثا،في الحقيقة ومن حيث صحة بعض أفكار ومضامين الوثائق على أرض الواقع هي وقائع معلومة للجميع تقريبا قبل وبعد 25-07 ( وهذا مقصود أيضا في التسريب) حيث ان العلاقة بين محيط “سعيد” والنظامين المصري والاماراتي ليست خفية ولم ولن تُنكر فالرئيس زار القاهرة علنا وعبر زيارة رسمية والتقى بالتونسيين الذي ساندوه لاحقا، وقبل أحداث أفغانستان والتطورات في ليبيا والزيارات المتكررة للمسؤولين الجزائريين لتونس بعد 25-07-2021 (ثلاث مرات في ظرف 20 يوما)، كانت الأجندة الإماراتية معلنة في العداء لحركة النهضة وحلفائها ولم يتم اخفاء محاولة ابعادهم عن مربعات الحكم وصناعة القرار وتم دعم “عبير موسى” لوجستيا وماديا ومعنويا واعلاميا وهو أيضا ليس سريا حتى أن قنوات “سكاي نيوز” و”العربية” و”الحدث” وموقع “اليوم السابع” المصري ( التابع فعليا للمخابرات العام) في خدمة أجنداتها ومقولاتها الفاشية والكارثية…
  • رابعا، الثابت أن من سرب الوثيقة وبغض النظر عن هويته وجنسيته أراد تحقيق أهداف بعضها معلن وبعضها الآخر خفي، وفي مربعات الأهداف المعلنة فهو استباق لذكرى انطلاق شرارة الثورة ،و الطرف الذي وقف وراء التسريب يعرف أن “تبون” انتصر واقعيا في احتواء الساحة التونسية ورفع الخطوط الحمراء في اتجاه حكام تونس الحاليين وإن بهدوء كامل بناء على خطابات هادئة تُعبر في ظاهرها عن دعم “سعيد”، وعمليا يمكن التأكيد أن أهم رسالة حملها “العمامرة” منذ بداية اوت الماضي هي “لا للنموذج المصري في تونس”، وهذا يلَتقي مع كلام قاله “بوتفليقة” سنة 2014 للغنوشي والباجي “لن نقبل بحليف للقاهرة يسيطر على المثلث الحدودي بين تونس وليبيا والجزائر من الجهة الليبية…” (في اشارة يومها لحفتر أو أي حليف قوي لمصر)، والسؤال لمن يريد أن ينكر علاقة المصريين بالتسريب نقول من هي الجهة التي ارادت استباق زيارة “تبون”وسربت الوثائق؟، وهل هي الصدفة أن تسرب يوم قبل الزيارة وثلاث أيام قبل ذكرى الثورة؟
  • خامسا، ليست هناك أي جهة غير المصريين هم من سربوا الوثائق لأنهم علموا جيدا بالتطورات الحاصلة في الإقليم وطبيعة ما سيجري في المستقبل ويعلمون كيف أنهم ساندوا الانقلاب؟ ومن الطبيعي ان لا يُسربوا الوثائق الحقيقي على افتراض وجودها؟وخاصة التي تشير اليهم ولحقيقة كيف ساندوا الانقلاب من حيث اطاره العام على الأقل؟، وطبعا من الغباء الاعتقاد أن تلك الوثائق صحيحة لان الهدف ليس الشكل بل أن التسريب حقيقة هدفه بلغة عامية “قرص” البعض – وهم معلومون من الجهة التونسية – بغض النظر على أنهم أطراف رسمية أو غير رسمية، وهنا لابد من عدم السقوط في البلاهة فليس هناكمثلا وبعيدا عن التسريبات الحالية ضباط في القصر مساء وقبل 25-07 وحتى لو ثمة دور مصري افتراضا لن يتم بتلك الطريقة ودخول مصريين هو افتراضا للقيام بأدوار بعيدا ولكن بأشكال أخرى وبعيدا عن الجهات الرسمية التونسية، والسؤال هنا هل سقط سيناريو بعينه ظهر يوم 26-07-2021 ومن أفشله تحديدا وهل انتهت آمال إنجازه بزيارة وزير الخارجية المصري في اوت الماضي؟
  • سادسا، لاشك أن المتغيرات عديدة بين 25-07-2021 وبين يوم تسريب الوثائق بما يعني أنه الأهداف التكتيكية والمرحلية تَغيّرت كثيرا وأن بعض لاعبين لم يعودوا رهانا بالنسبة للقاهرة وأنها ستُغير بعض لاعبين لا في تونس فقط بل في كل المنطقة كما أن القاهرة لن تكون مستقبلا داعمة مستقبلا لـــــــــ”سعيد” في انتظار تطورات الإقليم والحقيقة أن “خصم اليوم” بالنسبة لقاهرة قد يصبح “حليف الغد” ولكن بما لا يكون ذلك الطرف ورقة عليها فيتو من دولة في الشرق الاوسط وفي أمريكا أيضا، والخلاصة أن طرف وظيفي للقاهرة هو من وضع مضامين الوثائق وأنه تعمد الخلط بين ما هو صحيح وما هو خطئ بالمرة، وأن طرف وظيفي ثان خبير في الالكترونيات على تواصل مع لوجستيك المصريين إقليميا هو من أشرف على التسريب أو مد الموقع بها بطريقة ما، وأن ثلاث رسائل أريد ايصالها وهي “تغيير اللاعبين في تونسالذين ستراهن عليهم القاهرة “والثانية “أن سعيد لم يعد مدعوم مصريا على الأقل ظرفيا في انتظار المتغيرات” والثالثة “أننا فهمنا أننا قد نخلط الأوراق لاحقا ومن جديد”…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق