تحاليلليبيا

كيف ترتبط وضغية الانقلاب في تونس بتطورات الساحة الليبية

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي 

** تمهيد

1- أولا،مهما كانت طبيعة الوقائع والتطورات خلال الساعات والأيام القادمة والسابقة ليوم 17 ديسمبر وماهية الإجراءات المرتقبة التي سيُعلن عنها الرئيس “سعيد”، فان الثابت أن ملامح المشهد ستحددها تطورات الإقليم خاصة في ظل وضوح سعي الحلفاء/الوظيفيين الإقليميين الخمس للرئيس الأمريكي “بايدن” نحو سياسة صفر مشاكل بينهم في المستقبل، ورغم أن الملف التونسي لم يطرح في أشغال القمة التركية الإماراتية فانه أولى الملفات التي ستُدار مستقبلا بناء على تكيف المحورين الإقليميين الاسبقين ( القطري/التركي والمصري/السعودي/الاماراتي) وبمقاربة أقرب لمعالجة الملف اللبناني باعتبار أن البلدين هما نموذجين للحداثة الغربية، وهو ما يعني أن إدارة كل أزمة في كليهما تتم عبر مقاربة تختلف في التعاطي مع ملفات بقية البلدان العربية والإسلامية والشرق أوسطية…

2- ثانيا، من المهم التذكير أن الفاعل الدولي يَبني سياساته تجاه كل بلدان العالم العربي والإسلامي وخاصة في بلدان المنطقة المغاربية بناء على أنها وحدة متكاملة وأن التطورات فيها يجب ان تكون متماهية وفي حد أدنى متقاربة من حيث الوقائع ومن حيث ترتيب المشهد السياسي، ومن ثم كيفية التأثير فيه في كل بلد، وبقراءة مختصرة لمجمل التغييرات الطارئة على كل مشهد في كل بلد مغاربي منذ نهاية عقد الخمسينات يمكن القول انه بينت وتأثرت بمجمل الاحداث والتطورات في بقية البلدان المغاربية رغم أن فترة 1955 – 1987 لم تُجر فيها تطورات كبرى ونوعية في البلدان الثلاث المغرب والجزائر وتونس في ما عرفت ليبيا تحولا وحيدا وعرفت موريتانيا تطورات في أكثر من مناسبة…

3- ثالثا، منذ نهاية الخمسينات كل تطور في ليبيا كانت تأثيراته مباشرة وغير مباشرة على المشهد التونسي حيث أثرت مرحلة ما بعد لحظة الطفرة النفطية على طبيعة المشهد عبر نتائج مؤتمر الصمود وقراراته الكارثية على البلد حتى اليوم ومن بينها طبعا تَبني بدعة “الاشتراكية الدستورية”، كما أن وصول “القذافي” للسلطة صُوحب في تونس بمحاكمة “بن صالح” ومحاكمات أخرى لمعارضي النظام البورقيبيولاحقا كان وصول “بن علي” للسلطة نتاجا لعلاقته السرية والخاصة مع العقيد الليبي وعبر ترتب اجتماعي وسياسي لطرد آلاف العمال التونسيين من ليبيا سنة 1985، كما أن فشل انقلاب “ورفلة” سنة 1993 مثل فرصة للرئيس المخلوع لإحكام قبضته على الساحة السياسية والاجتماعية في تونسومقابل ذلك مثل تخلي “القذافي” عن طموحاته النووية وانفتاحه على الغرب متنفسا لمعارضين في تونس وتنامي المعارضة الراديكالية ضد نظام الرئيس المخلوع وكانت أولى خطوات خلعه تجمع المعارضين في حركة 18 أكتوبر 2005 وأحداث الحوض المنجمي وسقوط خطة إقليمية كانت ستفضي الى التوريث في كل من مصر واليمن وليبيا وتونس…

4- رابعا،الثابت اليوم قبل الغد أن أيَّ نظام أو فاعل سيَاسي في البلدين يَبني رؤيته وفعله على تجاهل التكامل الاستراتيجي بين البلدين أو يحدث نفسه بالمس من العلاقات بين البلدين أو توتيرها لصالحه او لصالح الغير الإقليمي، سيَجد نفسه خارج مربعات التاريخ فالرئيسين الأسبقين “بورقيبة” و”المخلوع ” من جهة و”القذافي” وقبله “الملك ادريس” من جهة ثانية رحلوا جميعا ورحلت أنظمتهم لحظة اختلال لتلك العلاقة السياسية المباشرة بين البلدين، وهي حقيقة مَبنية على منهجية وفلسفة التاريخ وبيَّناه بالتفصيل في مقال/قراءة سابقة منذ أشهر …

5- تتضمن قراءة الحال محاولة فهم أي مؤثرات للتطورات في الجارة ليبيا وخاصة اجراء الاستحقاقات الانتخابية من عدمه على ملامح المشهد السياسي التونسي خلال الأيام والأسابيع والأشهر القادمة، وبناء على ذلك يحاول مقال الحال في جزئه الأخير تقديم إجابة شافية على سؤال: لماذا تفشل النخب السياسية في فهم كنه تطور الأحداث بناء على عدم استيعابها للتطورات في البلدين الجارين خاصة وأن كثير من الإعلاميين منخرطين في خانات وجوقات الانبتات ومحاولات استعادة مقولات حقبة المخلوع الكارثية؟

** التطورات المنتظرة في الجارة ليبيا وإمكانية انجاز الانتخابات من عدمه

رغم تعيين “ستيفاني وليامز” مبعوثة سادسة تحت يافطة مستشارة للأمين العام للأمم المتحدة فإن استقالة سلفها أي المبعوث الاممي في ليبيا “يان كوبيتش”، عبرت موضوعيا عن وقوع البعثة الأممية في بؤرة الخلافات الحاصلة في العملية الانتخابية الليبية، حيث لم يتم نفي علاقة الاستقالة بمجريات العملية الانتخابية،  سيما بعد أن أعطت قوانين مجلس طبرق زخماً جديداً لطرف ليبي للعودة بقوة للمشهد، بعد أن خسر رهانه على السلاح في معركة دامت عاماً ونصف العام للاستيلاء على العاصمة طرابلسوهو ما يدفع بشكل فعلي بسيناريوهات التأجيل إلى الواجهة، لإنقاذ العملية الانتخابية وبالتالي فان خيَار تأجيل الانتخابات وارد بناء على أن الاستقالة هي عامل من بين عوامل لا تُحصى ولا تعد ولكن الاستقالة أكملت دور بقية العوامل في الدفع الى التأجيل وربما المضي في مسار تعديل الخارطة الأممية باعتباره مسار متوقع منذ أشهر من بين مسارات ثلاث:

  • سيناريو أول: تنفيذ الخارطة ومن ثم انجاز الاستحقاقات بنسختيها الرئاسية والتشريعية…
  • سيناريو ثان: تعديل الخارطة ومن ثم تأجيل الاستحقاقات أو احدى النسختين (رغم ان الرئاسية أقرب للتأجيل والتشريعية أقرب للإنجاز) وفي هذه الحالة هناك 04 مواعيد محتملة وهي نهاية ديسمبر الحالي ومنتصف جانفي المقبل و15 فيفري الحالي ومنتصف جوان/يونيو 2022
  • سيناريو ثالث: سقوط نهائي للخارطة الأممية ومن ثم دخول ليبيا في مطبات غير محمودة لا قدر الله …

وما قد يرجح أي من السيناريوهات الثلاث هو أن الشكوك بشأن إمكانية عقد الانتخابات تنامت وتعددت خلال الأيام الماضية وهنا تحديدا هناك مسألتين جوهريتين، يمكن لأي متابع للتطورات في ليبيا وخاصة في علاقة بموعد 24 ديسمبر بشقيه الرئاسي والتشريعي:

  • المسالة الأولى: أنّ التجاذبات والخلافات بشأن هذه الانتخابات ما زالت حادّة وعميقة بين المعسكرين التقليديين، معسكر شرق ليبيا ومعسكر غرب ليبيا وحتى داخلهما، وخصوصاً بعد اشتعال معركة الطعون واستخدام القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها لمنع بعض المرشّحين من الطعن في إجراءات منع ترشحهم، والتي كان آخر فصولها تطويق قوة عسكرية تابعة للواء المتقاعد “خليفة حفتر” محكمة سبها في الجنوب لمنع القضاة من النظر في الطعن المقدّم من سيف الإسلام القذافي.
  • المسألة الثانية: إصرار المجتمع الدولي ودفعه نحو إنجاز هذه الانتخابات في موعدها المحدّد، في بلد يعيش كل أشكال الانقسام الداخلي، وأغلب مرشحيه لمنصب الرئاسة عاجزون فعلياً عن التنقل في أغلب أرجاء البلاد، ومرفوضون من قوى فاعلة على الأرض، ومرتبطون بقوى خارجية.

والثابت أن مفوضية الانتخابات الليبية قد أكدت أن العملية الانتخابية لا تَزال مفتوحة أمام كل احتمالات التأجيل والتمديد وفقاً لمقترحات داخلية وخارجية لإنقاذ الانتخابات، وهي مصادر تؤكد في آخر ما يتم تداوله في الكواليس تداول توصيف “التأخير” و”التمديد” في أروقة المفوضية كأحد التعبيرات التي تستخدمها مقترحات تأجيل الانتخابات لتمهيد الرأي العام لقبول فكرة التأجيل، ومن حيث والواقع على الأرض فان سيناريو تأجيل إجراء الانتخابات إلى ما بعد 24 ديسمبر قد يستند إلى إجراءات، منها تمديد الفترات الحالية الخاصة بالطعون والاستئناف عليها، بسبب ضيق الوقت وعدم كفاية الوقت المُتبقي حتى موعد الإعلان عن القوائم النهائية للمرشحين، والمقرر يوم 7 ديسمبر الحالي ليتم على أساسها “تأخير” موعد إجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية يوم 24 ديسمبر…

والخلاصة أن كل مقترحات “التأخير” لا تزال راجحة، دون أن يتحدد أي منها ليكون تاريخه مناسبا للمرحلة، أشارت إلى أن أغلبها يتجنب تأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية إلى ما بعد يناير/كانون الثاني المقبل، والانتخابات البرلمانية إلى ما بعد مارس/آذار المقبل. 

** كيف ولماذا سترتبط درجة ترنح الانقلاب بتطورات الساحة الليبية؟

1- عمليا من المهم الـتأكيد ان حركة 25 جويلية/يوليو الماضي هي بكل المقاييس انقلاب باعتبار أنه تم استعمال القوى الصلبة (المؤسستين الأمنية والعسكرية وهما أدوات لحفظ الدولة وحفظ وحدتها وأمنها القومي) لتغيير المعادلة السياسية التي كانت قائمة والمترتبة فعليا نتائج انتخابات 2019 وعلى على اسقاط حكومتي “الجملي” و”الفخفاخ” وخيارات رئيس الحكومة المكلف من طرف “سعيد” نفسه…

2- ليس من خيار سياسي وعقلاني في تونس اليوم وفي ظل تطورات وماهية ما جيري في الإقليم سوى الحوار بين كل الأطراف السياسية والاجتماعية وكل رفض لذلك والمضي في خيارات “سعيد” وبرنامجه هو مضي عملي في الانقلاب على إرادة الناخبين وكل انسياق في مطالب الاقصائيين والعدميين هو خيار غير ديمقراطي لأنه يتم بناء على تغييب للغة الاجماع الوطني أولا وثانيا تغييب مصالح الباد الاستراتيجية وخاصة في ظل عزلة شبه كاملة دوليا وإقليميا كما تم كسر أبجديات تسيير الدولة التونسية بغض النظر عن كارثية الفعل السياسي بين أكتوبر 2019 و 24 جويلية 2021، وفي حد أدنى لا يُمكن القبول الا بخارطة طريقة توافقية تُؤدي الى انتخابات رئاسية وتشريعية سابقة لأوانها…

3- بناء على معطيات النقطتين السابقتين والسيناريوهات والمسارات الليبية الثلاث أعلاه فإنه يمكن التأكيد أن المشهد السياسي سيرتسم بناء على الحاليتين التاليتين:

  • الحالة الأولى: في حال انجاز الاستحقاقات الانتخابية في يلبيا يوم 24 ديسمبر الحالي ولو بشكل جزئي (نيابية فقط) أو تأجيل لفترة قصيرة (فيفري 2022) فانه يمكن أن الانقلاب في تونس لن يبقى له الا أن يُوارى التراب بما هو خيار تغييب المعادلات السياسية والديمقراطية والحرية وأن افق ذلك لا يمكن في اقصى الحلات هو منتصف فيفري القادم وفي أقصى الحالات نهاية مارس القادم…
  • الحالة الثانية: وهي تتمثل في تعثر انجاز الاستحقاقات الليبية والدخول في متاهات التأجيل أو اسقاط الخارطة الأممية تماما (وهذا السيناريو الأخير أمر مستعبد مع قدوم “ستيفاني” المستوعبة لفهرسة الساحة الليبية سياسيا واجتماعيا)، وفي تلك الحالة فان مشروع سعيد سيتمدد زمنيا وقد يصل افقه الزمني إلى الصائفة القادمة وربما خريف السنة المقبلة – وان كان ذلك مستبعدا- وهي حالة ستتحدد من حيث التفاصيل بقدرة معارضي الانقلاب (وهم في تكاثر كمي ونوعي)، على التصدي للخيارات غير السياسية (ومن بينها محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وتضييق الحريات والمضي في خيارات مشروع الديمقراطية المباشرة وما هي بالديمقراطية أصلا، وقد جربت وفشلت في ليبيا رغم الامكانيات المادية ولم تبن أي استراتيجيات تنموية ورفاه اجتماعي)         4- في كلا الحالتين فان الانقلاب لا مستقبل له ذلك أنه سقط منذ أسابيعه الأولى كسردية انبنت على مقولتي “تصحيح المسار” و”التفويض الشعبي” (بناء على ان اطراف مدعومة شعبيا وبقطاع عريض من التونسيين قد قالت لسعيد “نحن نريد ما لا تريد”) ولكن مرحلة التصدي له – أي الانقلاب- قد تطول لأشهر أخرى رغم أن ما يسمى بإنجازات الحكومة اجتماعيا هي صفرية بالأساس وخاصة في موضوع الأسعار وتنمية الاستثمار..                        5- سلطات حركة/انقلاب 25 جويلية ورغم أنها متجمعة في قرطاجلم تتقدم أي خطوة ولا أي شبر على مسار علاقاتنا بليبيا رغم ان البلد الجار هو باب استراتيجي مفتوح على مصراعيه:
  • امكانية تشغيل مئات الالاف من العمال من منطقتي الجنوب الشرق والوسط الغربي…
  • إمكانية تطوير أسواق الشركات التونسية والخدماتية أساسا وسوق كبيرة لسلع المعامل التونسية وأولها معامل النسيج إضافة لانتعاش اقتصادي كبير بين المناطق الحدودية المتاخمة لليبيا وصولا للوسط الغربي ولصفاقس بل والعاصمة)..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق