تحاليلليبيا

ليبيا: هل أصبح تأجيل الاستحقاقات الانتخابية مرجحا على إنجازها؟

علي عبداللطيف اللافيكاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية 

** تمهيد

رغم استمرار المجتمعين الدولي والأممي منذ 05 فيفري الماضي – تاريخ اختيار مجلس رئاسي ثلاث التركيبي وممثل للمناطق الثلاث وبدء تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة المهندس “عبدالحميد الدبيبة”- في الاشتغال لإيجاد حل توافقي فإن نُذر الحرب قد عَادت أخيرا للواجهة وهي عمليا ستُطلق شَرارتها وبشكل قد يُدخل كل المنطقة في أتون صراعات كبرى وغير مسبوقة، وهو ما يعمل الأمريكيون أساسا على تجاوزه من خلال إعادة التوافق على سيناريو مصري نهاية سنة 2011 عندما تم استبعاد الوجوه الجدلية (استبعاد “عمر سيلمان” و”خيرت الشاطر” و”حازم إسماعيل”)، ومع ذلك لايختلف اثنان من متابعي التطورات في ليبيا أن أهم العراقيلالتي تعمل البعثة الأممية ومن ورائها المجتمع الدولي على تجاوزها خلال الأيام القادمة تتعلق بثلاث نقاط رئيسية وهي:

  • إيجاد توافق على كيفية تجاوز الخلافات المترتبة على تمرير مجلس النواب وبطُرق غير شرعية ودستورية لقانون انتخابي ظالم ومصنوع على المقاس وتغييب شريكه الأساسي في اتفاق الصخيرات سنة 2015 أي المجلس الأعلى للدولة…
  • التوافق على شخصية بديلة عن المبعوث الأممي المستقيل، “يان كوبيتش“، لقيادة المرحلة، خصوصاً في ظل التشظي الكبير الحاصل في مواقف أعضاء مجلس الأمن وآرائهم بشأن مقترحات إعادة هيكلتها وضرورة نقل مقرها من جنيف إلى ليبيا، لتتمكن من العمل قريبة من الأحداث
  • إيجاد آلية قانونية وبخلفية سياسية لإبعاد الوجوه الجدلية من قائمة 98 مترشحا وتحديدا في اللحظات الأخيرة من اعلان القائمة النهائية يوم 07 ديسمبر الحالي…

وكل ما سَبق ُيحيلنا الى سؤال رئيسي ومهم وهو: أيُّ الخيارين اليوم أقرب، هل هو المضي في انجاز الاستحقاقات الانتخابية أو تأجيلها وهل هناك خيار وسط بين هذين الخيارين؟

** تغيَّر التحالفات والتكتيكات وطبيعة الوقائع والمعادلات الجديدة

       كشفت استقالةالمبعوث الاممي في ليبيا”يان كوبيتش”عن وقوع البعثة الأممية (والتي يعتبر المبعوث المستقيل سادس مبعوث لها منذ 2011) في بؤرة الخلافات الحاصلة في العملية الانتخابية الليبية، فالتسريبات والتحليلات دفعت فعليا بالكثير من الأسباب التي تقف وراء استقالته، لكن كلها لم تنفِ علاقة الاستقالة بمجريات العملية الانتخابية، ومنها أن سببها خلاف بينه وبين الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس“، بشأن إفساحه المجال لمجلس النواب للتفرد بإصدار القوانين الانتخابية، من خلال صمته وتغاضيه عن مخالفة إصدارها بالتفرد، مع كثرة المعارضين لطريقة إصدارها والتصويت عليها داخل جلسات مجلس النواب، سيما بعد أن أعطت القوانين زخماً جديداً لطرف ليبي للعودة بقوة للمشهد، بعد أن خسر رهانه على السلاح في معركة دامت عاماً ونصف العام للاستيلاء على العاصمة طرابلس، وما لا يُمكن تغييبه وإنكاره أن فراغاً أممياً مفاجئاً قد حدث في الملف الليبي في فترة مهمة بالنسبة للداخل الليبي والخارج، أي قبل موعد إجراء الانتخابات بثلاث أسابيع وهو ما يثير الكثير من المخاوف بشأن إمكانية اجرائها أو عدمها، ويدفع بشكل فعلي بسيناريوهات التأجيل إلى الواجهة، لإنقاذ العملية الانتخابية، وبالتالي فان خيار تأجيل الانتخابات وارد بناء على ان الاستقالة هي عامل من بين عوامل لا تحصى ولا تعد ولكن الاستقالة أكملت دور بقية العوامل في الدفع الى التأجيل وربما المضي في مسار تعديل الخارطة الأممية باعتباره مسار متوقع منذ أشهر من بين مسارات ثلاث:

  • سيناريو أول: تنفيذ الخارطة ومن ثم انجاز الاستحقاقات بنسختيها الرئاسية والتشريعية…
  • سيناريو ثان: تعديل الخارطة ومن ثم تأجيل الاستحقاقات أو احدى النسختين (رغم ان الرئاسية أقرب للتأجيل والتشريعية أقرب للإنجاز) وفي هذه الحالة هناك 04 مواعيد محتملة وهي نهاية ديسمبر الحالي ومنتصف جانفي/يناير المقبل و15 فيفري الحالي ومنتصف جوان/يونيو 2022
  • سيناريو ثالث: سقوط نهائي للخارطة الأممية ومن ثم دخول ليبيا في مطبات غير محمودة لا قدر الله …

وما قد يرجح أي من السيناريوهات الثلاث هو أن الشكوك بشأن إمكانية عقد الانتخابات تنامت وتعددت خلال الأيام الماضية وهنا تحديدا هناك مسألتين جوهريتين، يمكن لأي متابع للتطورات في ليبيا وخاصة في علاقة بموعد 24 ديسمبر بشقيه الرئاسي والتشريعي:

  • المسالة الأولى: أنّ التجاذبات والخلافات بشأن هذه الانتخابات ما زالت حادّة وعميقة بين المعسكرين التقليديين، معسكر شرق ليبيا ومعسكر غرب ليبيا وحتى داخلهما، وخصوصاً بعد اشتعال معركة الطعون واستخدام القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها لمنع بعض المرشّحين من الطعن في إجراءات منع ترشحهم، والتي كان آخر فصولها تطويق قوة عسكرية تابعة للواء المتقاعد “خليفة حفتر” محكمة سبها في الجنوب لمنع القضاة من النظر في الطعن المقدّم من سيف الإسلام القذافي.
  • المسألة الثانية: إصرار المجتمع الدولي ودفعه نحو إنجاز هذه الانتخابات في موعدها المحدّد، في بلد يعيش كل أشكال الانقسام الداخلي، وأغلب مرشحيه لمنصب الرئاسة عاجزون فعلياً عن التنقل في أغلب أرجاء البلاد، ومرفوضون من قوى فاعلة على الأرض، ومرتبطون بقوى خارجية.

** هل أصبح التأجيل مرجحا على انجاز الاستحقاقات الانتخابية؟  

  • عمليا على الأرض لا تزال الانتخاباتتواجه مقترحات التأجيل وسيناريوهاته، خصوصاً مع الضغوط التي تواجهها المفوضية العليا للانتخابات والجهات المساعدة لها من كل الأطراف، في إطار الصراع الحاصل بين أبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية، ورغم استمرارعملية التحضير للعملية الانتخابية في مرحلتها الثانية الخاصة بالطعون على المرشحين، ومن قبل المُستبعدين من القائمة الأولية لانتخابات الرئاسة، والتي بدأت منذ الخميس الماضي، والتي استمرت لمدة ثلاثة أيام ولحقتها عمليات الاستئناف…
  • الثابت أن مصادر قريبة من مفوضية الانتخابات أكدت أن العملية الانتخابية لا تزال مفتوحة أمام كل احتمالات التأجيل والتمديد وفقاً لمقترحات داخلية وخارجية لإنقاذ الانتخابات، وهي مصادر تؤكد في آخر ما يتم تداوله في الكواليس تداول توصيف “التأخير” و”التمديد” في أروقة المفوضية كأحد التعبيرات التي تستخدمها مقترحات تأجيل الانتخابات لتمهيد الرأي العام لقبول فكرة التأجيل، ومن حيث والواقع على الأرض فان سيناريو تأجيل إجراء الانتخابات إلى ما بعد 24 ديسمبر قد يستند إلى إجراءات، منها تمديد الفترات الحالية الخاصة بالطعون والاستئناف عليها، بسبب ضيق الوقت وعدم كفاية الوقت المتبقي حتى موعد الإعلان عن القوائم النهائية للمرشحين، والمقرر يوم 7 ديسمبر الحالي ليتم على أساسها “تأخير” موعد إجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية يوم 24 ديسمبر، وفيما أكدت المصادر أن كل مقترحات “التأخير” لا تزال راجحة، دون أن يتحدد أي منها ليكون تاريخه مناسبا للمرحلة، أشارت إلى أن أغلبها يتجنب تأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية إلى ما بعد يناير/كانون الثاني المقبل، والانتخابات البرلمانية إلى ما بعد مارس/آذار المقبل.
  • من المهم الانتباه الى أن استقالة المبعوث الأممي ستكون نافذة يوم 10 ديسمبر الحالي ( أي ثلاث أيام بعد اعلان قائمة المترشحين الرسمية والنهائية)،حذر في إحاطته أمام مجلس الأمن الأربعاء قبل الماضي، من أن “عدم إجراء الانتخابات يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الانقسام والصراع وفراغ في السلطة”، ويبدو أن “كوبيتش” يدعم أيضاً سيناريو التأجيل، فقد لمّح إلى أن الجدول الزمني لتواريخ العملية الانتخابية الذي أعلنته المفوضية العليا للانتخابات ليس نهائياً، من خلاله قوله إن المفوضية “ستقترح تواريخ محددة للانتخابات بعد الانتهاء من قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية في ديسمبر، وذلك بعد عملية البت في الشكاوى والطعون”، مع أن المفوضية أعلنت، منذ الخامس من الشهر الجاري، عن تواريخ العملية الانتخابية وآجالها، كما لمح “كوبيتش” إلى خلافات ليبية متوقعة إزاء التواريخ الجديدة المتوقع إعلانها في حال “التأجيل”، حيث شدد على ضرورة أن “يصادق مجلس النواب على الفور على مواعيد الاقتراع التي تقترحها المفوضية لكل من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية”.
  • ضَاعفت حادثتي “سبها” و”درنة” (منع سيف في البداية من تقديم الطعن واجبار أنصار “حفتر” المرشح “الشتيوي” من التعريف بنفسه في مدن الشرق)من مخاوف عدم قدرة المفوضية على إدارة عملية انتخابية نزيهة وذات مصداقية في ظل استمرار القبضة الحديدية لمليشيات/قوات”حفتر” في الشرق، وامتداد تأثيرها إلى الجنوب أيضاً إضافة الى توجس ورفض الكثيرمن سكان المنطقة الغربية لترشح كل من “حفتر” في درجة أولى و”سيف الإسلام” بدرجة ثانية واقل من الأولى، كما أن تصريح وزير الداخلية “خالد المازن” أضاف شكا جديدا في إمكانية انجاز الاستحقاقات وادخل الشك في إمكانية أي معالجة خاصة وأنه قال ان الامن صعب توفره للعملية الانتخابية وامام تحقق الكثيرين نت تزوير التشريعية سنة 2014 وغياب الشفافية فيها مقارنة بانتخابات 2012 فانه يمكن الجزم ان حتى فرض الخيار الثالث (أو الخيار الوسط ) صعبة وقليلة الحظوظ وهو خيار اجراء التشريعية في 24 ديسمبر لحالي وتأجيل الرئاسية ولو بفترة قليلة او أي من المواعيد الأربع المشار اليها سابقا كمواعيد بديلة…                                 المصدر :
    يومية الصباح التونسية بتاريخ 5 ديسمبر 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق