المغربتحاليلشؤون مغاربية

المغرب: أي مستقبل للمشهد السياسي في أفق ربيع سنة 2022؟

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

رغم أن المغرب الأقصى مثل حالة استثناء وتمايز مستمرة خلال القرون والعقود الماضية (لم يصل العثمانيون لأراضيه ولا هم حكموا المغرب- استثنائية معارك وآليات التحرير من الاسبان والفرنسيين- استمرار الملكية على عكس حالتي تونس وليبيا–الانتقال الهادئ نحو الديمقراطية نهاية عقد تسعينات القرن الماضي – آليات استثنائية وهادئة لمعالجة التطرف والإرهاب وخاصة بعد اعتداءات  الدار البيضاء سنة 2003 –طبيعة التعاطي مع حراك فيفري 2011 –استثنائية مشاركة الإسلاميين في الحكم طيلة عهدتين ثم خسارتهم بالصندوق الانتخابي في تشريعيات 08 سبتمبر الماضي)، الا أن المتغيرات الإقليمية وطبيعة التطورات المنتظرة في أفق ربيع  سنة 2022 عربيا وافريقيا ومتوسطيا سيجعلنا أمام سؤال رئيسي وأساسي وهو: كيف سيتشكل المشهد السياسي المغربي خاصة في ظل توتر مفتوح على خيارات أوسع للعلاقة مع الجار الجزائري وفي ظل توتر سابق وراهن للعلاقات مع بعض دول أوربية على غرار المانيا واسبانيا وأخرى افريقية على غرار جنوب افريقيا وفي ظل تحديات اقتصادية واجتماعيا وخاصة بعد الغاء الجزائريين للاتفاقيات الاقتصادية والتجارية ومن بينها الغاء مرور أنبوب الغاز من أراضي المملكة نحو اسبانيا؟

** مستقبل المشهد الحزبي المغربي في أفق ربيع سنة 2022

1- أولا من المهم التأكيد أن 32 حزبا شاركت في انتخابات 08 سبتمبر الماضي وأن حوالي 09 أحزاب تقريبا ممثلة في المجلس النيابي الحالي، وهو ما يعني أن ثَلاث أرباع الأحزاب مدعوة مستقبلا لمراجعات في خطابها وبرامجها وأطروحاتها وأدبياتها حتى تستطيع الاستمرار والحفاظ على مصداقيتها حتى مع منخرطيها في أفق ربيع سنة 2022 ومن ثم التحضير الاستراتيجي للانتخابات القادمة (2026) بينما بعضها ستجد نفسها أمام هزات تنظيمية وارتدادات على مستوى قياداتها الوسطى…

2- الأحزاب المشكلة للحكومة ستكون أمام تحديات كُبرى مضاف اليها تحديات ستعاضد فيها وزراءها في الفريق الحكومي الحالي، ولا شك أنه ستهزها خلافات متفاوتة الدرجة من حزب لآخر وستضطر لاحقا للقيام بمراجعات في رؤيتها للمشهد السياسي وآفاقه المستقبلية، كما أن حزبي “الاستقلال” و”الاصالة والمعاصرة” مرشحين لهزات تنظيمية داخلية والتي قد تتأجل لنهاية سنة 2022 أو بداية سنة 2023 ولكنها ستحصل في الأخير بغض النظر عن حجم تلك الهزات والسبب المباشر هو بناء على طبيعة الشراكة مع حزب “الاحرار” وأيضا بناء على قراءات بعض قياديين للحزبين لطبيعة التطورات المحلية والإقليمية خاصة…

3- أحزاب المعارضة من بينها الحزب الإسلامي (أي العدالة والتنمية)، وبعد التأكيد أنها كأحزاب تعتبر نفسها خاسرة للانتخابات الاخيرة وأن تلك الخسارة أصبح وقعها وتداعياتها الحالية والمستقبلية كبيرا على فاعلي وقياديي تلك الأحزاب وهو ما يعني انه خلال الأشهر القادمة ستعمد قيادات كثيرة في صوف تلك الأحزاب الى اختيار التقاعد أو التراجع للقاعدة….

4- الحزب الإسلامي تحديدا وبعد خسارته المدوية (12 نائبا فقط سنة 2021 مقابل 122 سنة 2016)، ورغم تدارك أمره تنظيميا خلال المؤتمر الاستثنائي الأسبوع الماضي(عودة بن كيران مجددا للأمانة العامة)،فانه سيجد نفسه أمام سيل من المراجعات والتقييمات في كل الاتجاهات ومن بينها دراسة طبيعة علاقته الاستراتيجية مع جمعية “التوحيد والإصلاح” نتاج الارث المشترك بينهما، إضافة الى أنه سيضطر طبعا لدخول مرحلة تأمل سياسي بعد عهدتين في الحكم (2011 و2016) وأيضا بناء على وعي منه بالمتغيرات الإقليمية والدولية وخاصة في المنطقة المغاربية،كما لابد لعقله السياسي أن يدرك ديناميكية المجتمع المغربي وإيجاد حلول للتحديات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب في برامج الحزب المستقبلية…

** تحديات سياسية وأخرى اجتماعية واقتصادية أمام حكومة أخنوش 

1- منذ شروعها في عملها منتصف أكتوبر الماضي تواجه الحكومة الجديدة العديد من التحديات بناء على تطلعات كبيرة للشارع المغربي خاصة وأن جائحة كورونا ضاعفت تلك التحديات في كل أرجاء المملكة، وان كانت درجة التفاهم والانسجام بين مكونات الحكومة (“الأحرار” – “الأصالة والمعاصرة” – “الاستقلال”) وخاصة وأن هناك تقارب فكري ومن حيث توجهات الأحزاب وهو ما قد يساهم ولو مؤقتا في آليات عمل موحدة، ولكن الحقيقة أن التحديات الاقتصادية والأمنية قد تكون أكبر من سابقاتها نظرا للتغيرات الحالية على الساحة المغاربية.

2- معلوم أن المملكة اتخذت تدابير صارمة انعكست على الوضع الاقتصادي ونسب البطالة وهو ما يعني تعدد التحديات الاقتصادية والاجتماعية لمجتمع معروف بحريته وقدرته على بناءاحتجاجات بعيدة فعليا على التوظيف السياسي المباشر ويتماهى ذلك في ظل حقيقة أن الحقل السياسي المغربي موسوم بقدرته على فتح سيناريوهات تتعلق بتوقع ما لا يمكن توقعه، بمعنى أن الفاعلية السياسية في معالجة الازمات الاجتماعية قد تضعف امام التطورات في تماه مع تطورات الإقليم وخاصة افريقيا وعربيا وهو ما يعني أن أبرز التحديات تتمثل في التفاوت المجتمعي الذي نتج عن أزمة كوفيد19 ، إضافة إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير وقبل ذلك ملفات التعليم والصحة وخاصة في الريف…

3- الثابت أن هناك تراكمات عدة تركتها الحكومة السابقة (وبعض الأحزاب الحاكمة حاليا هي شريكة في الحكومة السابقة”)، ومعلوم أيضا أن الصراعات بين أغلبية الحكومة السابقة أدت إلى عدم تنفيذ الكثير من الملفات وعدم تنزيل بعض القوانين الهامة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على ملفات هامة وذات أولوية اجتماعية ومنها ملفات الصحة ومعالجة البطالة وتضرر المقاولات، وكل ذلك يعني أن حكومة “أخنوش”مطالبة بإنجاز الأوراش الملكية الكبرى من حماية اجتماعية وخطة الانعاش الاقتصادي، والسهر على إنجاز ما جاء في تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد.

4- لا يختلف اثنان أن الحكومة الجديدة ستجد على طاولتها مجموعة من الرهانات الكبيرة إضافة إلى الأوراش الملكية بالموزاة خاصة بعد ميثاق الشرف الذي تعاقد فيه الحزب الحاكم الرئيسي حاليا مع الشعب المغربي من خلال برنامج انتخابي بالأرقام في المجالات الاجتماعية والصحية والاقتصادية، ولعل مثال ملف أزمة الأساتذة المتعاقدين هي مثال اختبار أولي للحكومة الحالية خاصة وأن حزب “الاستقلال”وعد بحلها وهاهو اليوم شريك فعلي في الحكم فاذا سيفعل لمعالجة أزمة تؤرق آلاف الأساتذة….

5- الحكومة السابقة حاولت أن تقوم بإصلاحات إلا أن ظروف الجائحة تركت أثارها، وأن هناك العديد من المشاكل منها “صندوق المقاصة”، وكذلك فيما يتعلق بالمقاولات الصغيرة التي باتت في مهب الريح، وإدماج الشباب في العمل، وكذلك العالم القروي والفلاحة، حيث أن نسبة كبيرة من سكان المغرب في العالم القروي، كما أن ملف الضرائب من أهم الملفات التي يجب حسمها، خاصة أن تحصيل الضرائب المتراكمة يتحقق منه المليارات لصالح خزانة الدولة، وكل هذه الملفات بغض النظر عن تفاوت أولوياتها ستجعل الحكومة سياسيا أمام رهانات المعالجة ويعني أن احتداد الاجتماعي سيكون متفاوتا من شهر لآخر ومحكومة بمدى التجاوب مع المطالب وسرعة إيجاد حلول وتنزيلها على أرض الواقع، خاصة وان المؤشرات الأولية ليست محفزة كثيرا على التفاؤل، رغم أن الهندسة المؤسساتية الجديدة للحكومة قد تأتي بثمار جديدة بناء على أن الائتلاف المشكل للحكومة حاليا مبني على البرغماتية السياسية، في حين تفرقهم العديد من أوجه الاختلاف، الإيديولوجي والمنهجي وغيرهما، وهو ما يبقي فرص الانسجام بين مكوناتها متوسطة لا غير…

** ملامح وعوامل تشكيل المشهد السياسي المغربي مستقبلا

لا يختلف اثنان أن المشهد السياسي الحالي قد يتغير بشكل كلي، والتغير هنا سريع وديناميكي وغير مقدر من حيث المساحات ومن حيث نوعيته وشموليته للمجالات والمربعات وهو امر مبني على:

  • واقع الأحزاب المغربية سواء الحاكمة حاليا (“الأحرار” – “الأصالة والمعاصرة”- “الاستقلال”) أو تلك المكونة للمعارضة بقيادة العدالة والتنمية منذ الإعلان عن نتائج انتخابات 08 سبتمبر الماضي…
  • طبيعة التحديات الخارجية المطروحة على الدبلوماسية المغربية -ذات الحراك الواسع السريع وبناء على اكتسابها لعقلية المبادرة في ملفات الإقليم –
  • استمرارية وجود حركية فكرية وثقافية وديناميكية المجتمع المغربي من حيث الاحتجاج وواقع المنظمات والجمعيات المؤطرة لكل فعل احتجاجي أو تجاوب مع تطورات القضايا العربية الرئيسية من خلال حراك مساندة ودعم مجتمعي واسع…
  • التنامي المستمر والمتراكم كميا لحركة الاستثمار الاجنبي والمتطور دراماتيكيا مقارنة ببقية البلدان المغاربية

 

وكل ما سبق سيرتبط أيضا بقدرة المملكة على مواصلة الاشعاع الإقليمي وخاصة في ظل التطورات الجارية افريقيا وعربيا  وبناء على أن العلاقة مع الجزائر مفتوحة على كل الخيارات رغم رغبة المغرب المعلنة في التهدئة، فانه يمكن الجزم أن ملامح المشهد السياسي ستكون مغايرة التركيبة من حيث الفاعلين ومن حيث التداخل في المواقف وطبيعة القيادات الشبابية الصاعدة في الأحزاب وتعدد الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وهو أمر مرتبط أولا وأخيرا من حيث التأثير والتأثر بحراك سياسي واجتماعي في كل بلدان منطقتي “شمال” و”غرب افريقيا”…

المصدر : الصباح بتاريخ 07 نوفمبر 2021

صورة المقال :

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق