تقاريرتونس

تونس : السمَات النُوفمبرية للقُوَى المساندة للإجراءات الاستنثنائية ولمشروع “سعيد”؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 

الثابت أن مُربعات مشروع “قيس سعيد” السياسي هي بصدد التفكك بل هي واقعيا قد تفكَّكت وان ما بَقي منها أصبح في حالة ارتباك وتفكك آلي بالمعنى السياسي، فلَا التنسيقيات قادرة على التحول الى حزب سياسي ولا “سعيد” نفسه مقتنع تمام الاقتناع بأن الوقت قد حَان لتنزيل مشروعه الأصلي الموسوم بالديمقراطية المباشرة والتي يؤمن بأنها لابد أن ترث وتقبر الديمقراطية التمثيلية، وسنحاول فيمقال الحال يكشف هوية المُنتسبين والفاعلين في قوافل آل نوفمبر والاجابة على سؤال: لماذا لم ينتبه إليهم الرئيس “سعيد” وأهم مساعديه الاستشاريين أو هم يريدون تغييبه وهو أن الأطراف النوفمبرية تقف في الخلف لا توظيفا لها بل هي من توظف أساسا بل وفي ركابها أو ضمن خيوطها التوظيفية يقف الفاشيون والوظيفيون وهو ما يعني ربما أيضا أن القطار السياسي الحالي والحامل لفعل وآليات سعيد نفسه يقف وراءها قطار ثان ينتظر الانطلاق والتصدر…

** هل “سعيد” منتبه الى خطورة مربعات النوفمبرية، ولماذا يُؤكد على ما بعد 17-12-2010؟ 

1- بعيدا عن التفسير التآمري في قراءة أحداث التاريخ والوقائع بين 2011 (سنة الثورة) و2019 (تاريخ صعود “سعيد” للرئاسة) والتي يحن أو يرتاح اليها البعض، فإنه يمكن التأكيد أن “سعيد” قد سُرق من نَاخبيه وأنه لاحقا قد أخطأ المنهج والوسيلة في الاستجابة لطموحات من صوت وحشد له، والأغرب أن “سعيد” يرفض اليوم مجددا جمع الأطراف السياسية والاجتماعية على نفس طاولة الحوار وهو الذي اقترح ذلك على المرزوقي سنة 2013…

2- الثابت أن رصيد “سعيد” السياسي الرئيسيقد تضاءل لا عن يوم انتخابه (أي 13-10-2019) بل أن ذلك قد تضاءل حتى عن يوم 25-07-2021 تاريخ حركته/انقلابه،والسبب الرئيسي هو في تكريسه سيَاسة اتصالية غير سليمة، كما أن الذين من حوله قد حولُوا مشروعه الى غير الوجهة الوطنية الحقة التي بُنيَ عليها في البداية وأنه أصبح محاصر سياسيا بقوى هواها الأساسي نوفمبري الهوية، والا ماذا يعني أنه ضد قمع الحريات وفي نفس الوقت نسمع كثيرا عن الاعتقالات والاقتحامات والتجاوزات…

3- “سعيد” تعريفا هو ذلك الشخص الذي انتخبه التونسيون لصدقه وصراحته وسهولة التعبير عن فكرته وهو الذي انتخبته في الدور الثاني كل جماهير كل القوى السياسية والفكرية، ولكن السؤال اليوم وراهنا: أين هو اليوم من كل ذلك؟، إنه يكرس تقسيم التونسيين ويتحدث عن “منافقين” و”خونة” و”حشرات” وهو يُبرز صورا ويُخفي أخرى في الاستدلال والخطاب وهو يهاجم قوى الثورة وأحزابها ويصمت عن “عبير” وتجاوزاتها وعن انتهاكها للأعراف السياسية والاجتماعية، فهل هناك نوفمبريون وراء ذلك؟ وفرضا أن ذلك غير صحيح فلماذا يعتقل اعلامي لقراءته قصيدة لأحمد مطر؟ ولماذا يُحقق مع امام دعا ربه؟ ولماذا تم إيقاف ناشط طلابي ومحاولة توريطه اليس هي سمات النوفمبريين في التعاطي مع المعارضين؟ولا شك أن سماتهم الرئيسية هي أساسا التزوير والتشهير والفبركة …

4- “النوفمبريون”، هم تعريفا أولئك الذين صَنعهم المخلوع وهيأوا أنفسهم لخدمته عبر التملق والتبرير وتهيئة الأجواء لذلك مضاف إليهم جوقة من نخب ناصرية ووطدية ويسار ثقافي (من الناقمين والمعقدين من هوية تونس وخصوصياتها الحضارية) وهم أيضا كمجموعات يضمون في صفوفهم بقايا عُتاة في الإدارة بكل تفرعاتها كما هم بعض متقاعدين ممن يشتغلون مستشارين في غرف نُزل عند بعض لوبيات المال والأعمال الفاسدة (أي رأس مال غير وطني) وبعضهم الآخر هم نقابيون في مربعات النقابات المهنية والأمنية…

5- “سعيد”رئيس منتخب في 13-10-2019 وبأغلبية مُعتبرة، ولكن الواضح أنه لم يضع أي استراتيجيا قوية ومتماسكة الخيوط تُمكنه فعليا من تَجنّب سياسات الاحتواء التي يضعها عادة الانتهازيون والوظيفيون، ونكاد نُجزم أن بعض عتاة وظيفيين قد استطاعوا أن يبنوا حلفا بين الفاشيين والذين تمثلهم واجهيا “عبير موسي” وبعض وظيفيين في أحزاب عدة ان لم نقل كلها:

* حزب “التيار الديمقراطي” والذي أطنبنا الحديث عن وظيفيته في مقالات ودراسات سابقة وهو حاليا في نسخة ثالثة سياسيا بعد نسختي عبو وساميته، ولعل الشواشي يستطيع اخراج الحزب من أتون النوفمبرية والوظيفية المقيتة التي أوقعه فيها آل عبو و”العجبوني” و”محمد عمار” وآخرين….

* “حركة الشعب” فهي حزب جمع بين مساوئ المركبات الثلاث ونهلت منها أي “الشعبوية” و”الوظيفية” و”الفاشية”(والدليل ان الانقسام والتناحر داخلها اليوم قائم ومبني على الجهوية والنفعية المباشرة لقياديي تياراتها)، ولعل تصريح هيكل المكي بعد مدحه المطنب فيه لرئيس الديوان حتى تقزز بعض مناضلي الحزب من ذلك، حيث أكد أنهم باراشوك فعليا رغم أنه برر ذلك ان قيس هو جزء من مشروعهم من الأساس…

* “التيار الشعبي”، وهو حزب منشق على حركة الشعب سنة 2013 وهو رديف تونسي للنظام السوري وطبيعته نوفمبرية السلوك السياسي من حيث تبينها للاستئصال منهجا وفي قراءة التطورات في الإقليم…

* “حزب الاتحاد من أجل تونس“، وهو حيث النشأة وفعله السياسي قائم النوفمبرية وعلى ترذيل الثورة وتصفية مكتسباتها…

* “حزب حركة تونس الى الامام” و”حزب الائتلاف الوطني” و”الوطد الاشتراكي” وهيمكونات رديفة للوطد والذي استعمل بن علي قياداته الملتحقة بوزارة الداخلية لضرب خصومهم السياسيين في حركة النهضة و”حزب العمال” وباعتراف ناجي جلول نفسه – أي زعيم حزيب الائتلاف الوطني-وهو الذي كان مستشارا في وزارات سيادية في عهد المخلوع …

* لا يختلفُ اثنان أن أغلب مساندي الانقلاب والإجراءات الاستثنائية هم أساسا من كانوا وزراء وكتاب دولة أيضا وكانت أحزابهم طرفا في بعض الحكومات السابقة على غرار “زهير حمدي” (رئيس ديوان وزير سنة 2012) و”عبيد البريكي” (وزير الوظيفة العمومية سنة 2017 و”ناجي جلول” (وزير التربية سنتي 2015و2016) و”زهير المغزاوي” (حزبه كان عضوا في حكومة “الفخفاخ” بوزيرينمكلفين بحقيبتي “التجارة” و”التشغيل”)…

6- الخلاصةأن”سعيد” سقط فعليا في أتون تكتيكيات أحزمته السياسية والاستشارية باعتبار أن محيطه ينقسم في قراءة أهم الملفات اليوم (زمن وتوقيت تنزيل مشروعه – الموقف من المجتمع المدني-كيفية التعاطي مع أرطاف سياسية معارضة لمشروع “سعيد”…)، وهي أحزمة أمكن للوظيفيين والفاشيين اختراقها

7- تمادى “سعيد” حتى بعد انتخابه في تبني الشعبوية والتمسك بمشروع “الديمقراطية المباشرة” فاستطاعت قوافل “آل نوفمبر” الاقتراب من مربعاته واحتواء بعضها وتوظيف أخرى وخاصة على المستويين الجهوي والإداري التنفيذي…

** لماذا يسارع”النوفمبريون”الى تفكيك خفي لمشروع “سعيد” بينما هم يدعون دعمه؟

1- أوهمت بعض النخب الرئيس “سعيد” والمقربين منه أنها طرف حليف بينما هي طرف وظيفي سياسيا لا غير ومن ناحية ثانية هي أطراف توظيفية له بناء على تعليمات أطراف توظفها وتعد نفسها لوراثتها في اللحظة المناسبة، اذ هي أطراف وظيفية دوما حتى لو لعبت أدوار التوظيف المسند لها من طرف لوبيات المال والأعمال أو هي وكيلة ثقافيا وفكريا وسياسيا لأذرع إقليمية او قوى دولية بعينها…

2- رغم عدم وجود أي ادلة ذات مصداقية على وجود قيادات امنية وسياسية خدمت مع الرئيس المخلوع في محيطات سعيد وعبر علاقات غير مباشرة معه أو مع المقربين منه وخصوصا جهات محسوبة على جهات متنفذة قبل وبعد الثورة (حتى 2019)، فان الثابت أيضا ان منطق آل نوفمبر حاضر بقوة في طريقة المداهمات وفي تجاهل حقوق الانسان وفي آليات التهديد والوعيد وخاصة الأسبوع الأول اللاحق لانقلاب/حركة 25 جويلية في الجهات بالأساس ولعل السلوك الذي قوبلت به احدى صحافيات احدى الدوريات نصف الأسبوعية صبيحة يوم 26-07-2021 امر دال ومعبر وتجدد في تعاطي قوات الامن مع المسيرات الرافضة لإجراءات وسياسات سعيد وخاصة مسيرتي 26-09-2021 و10-10-2021 ( التعرض للحافلات – الضغط على شركات النقل الخصة والعامة – إيقاف حركة أحد القطارات – إيقاف الشاب عثمان العريضي…)

3- القُوى الوظيفية التي تدار من طرف لوبيات سماتها النوفمبرية هي التي بَنت أسوار من عدم الثقة بين الرئيس وكل من حوله من رؤساء حكومات وأحزاب ومنظمات وشخصيات وطنية وبعض مستشارين له، وهي أيضا في اعتقادنا من دَفعته لمساحات بعينها بحثا منها على إطلاق قطار جديد بعد توقف القطار الحالي والذي يُخفي ذلك القطار الذي يُهيّأ البعض لانطلاقه بلافتة “نوفمبرية” واضحة بعد تهيئة الأجواء للمساحات ولتقبله ولو بتعسف على الرأي العام…

 

4- من يعتقد وأن الوظيفيين في الإدارة وفي كل أجهزة الدولة لم تستعد لهذه المرحلة منذ سنوات فهو واهم، وهي وفرت الأجواء ليتمكن الفساد والفاسدين من مساحات حتى ثَملت تلك المساحات بالفاسدين، انها أطراف كما أوضحنا أعلاه اخترقت كل المنظمات والأحزاب والهيئات لتُجهز لنفسها للمرحلة الحالية ولتكسب مستقبلا مساحات أكبر وتحتل مقاعد أكثر وأوفر وهي في تزاوج منهجي مع أجنحة مكونات سياسية لم تحاكم في عهد المخلوع ولا في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة بسبب أدوارها الوظيفية والقذرة…

 

5- الخلاصة أن مساندي “سعيد” في انقلابه بما هو محاولة تغيير المعادلات السياسية بآليات غير سياسية مثلما ساندوا اجراءاته الاستثنائية وإجراءات 22 سبتمبر غير الدستورية ما هم الا أولئك الاستئصاليين الذين انبتهم المخلوع ووظفهم في مشروعه حتى تاريخ هروبه وهم أنفسهم اشخاص وتنظيمات وان تغيرت تصنيفاتهم وأسماء تنظيماتهم ومواقعهم في الدولة والمجتمع، وأن هدفهم هو تحقيق مآرب القوى التي وظفتهم سابقا قبل 2010 وحاليا حتى تبرز القطار الذي يخفيه قطار 25-07-2021 وخاصة قطار 22-09-2021…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق