تونسدراسات

الحريق: حرق الرئيس الدستور/الرئيس حرق الدستور (ج3 و الأخير)

بقلم “بين الاحمدين”

                                                                     

تنويه: هذه الدراسة هي دراسة سياسية/سيمائية أرسلت للموقع، وهي لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع،وهي تعبر فقط عن مواقف ورؤى كاتبها والذي اختار امضاء “بين الأحمدين”، وتنشر الدراسة على ثلاث أجزاء…

 

 

5- الحريق بات صناعة أو الخطة البيداغوجية

 

لم يكن حصول الحريق وهو آخر خطى في مسار تحقيق المشروع للرئيس قيس سعيد بعد أن هدم ما هو كائن لتشييد هذا البناء الجديد ونتناسى كل ما حصل من توافقات وحوارات وكأننا نريد معه ان نبدأ من الصفر فالحريق في النهاية كما قلنا ليس مجرد حدث انما هو نقطة تحول وما كان ليحصل الا بتوفر عدة شروط وأسباب وأدوات ومراحل انه في النهاية صناعة لقد بدأ العمل في إطار مشروع الحريق بإيجاد مناخات جديدة وسعي الى تبديل المشهد وخلق مشهدية جديدة، وكان الرئيس هو المتمسك بهذه الفكرة حتى وان خالفه الجميع فهو يريد ان يقوم بثورة المنعزل على حد عبارة “غالي شكري” في دراسته عن توفيق الحكيم…

 

يتطلب تغيير المشهد وخلق وضع جديد توفير العنصر البشري الملائم للقيام بهذه الوظيفة واحداث حواجز فاصلة واحداث اصطفافات وحتى يجر طيفا من النخبة معه فلا بد من وضع مقاييس للفرز تطلق دون تحديد واضح منها شعارات “الشعب يريد”، “نحن مع الشعب”، “نحن ضد الفاسدين” “انهم يريدون تفكيك الدولة” انهم يتسللون الى مفاصل الدولة”، وكل هذا يتجاوب معه طيف من النخبة وخاصة الأطياف الاستبدادية النائمة والحية أولئك التصفيون، وتقاطع في هذا الرأي الطبقات الاستبدادية القديمة وجموع الثائرين الجُدد والخيط كله في يد الرئيس وعمد بعد هذا الى  أمور عملية غايتها التعطيل (coinçage) والتعفين (pourrutions)  وخلق بطانة تقوم بهذا الدور وهذا طبعا يجني منه نتيجة ارباك المشهد حتى لا يمر أي شيء ويشعر الناس بالفشل والمأزق والفشل وقد فعل الرئيس ذلك بمهارة تظهر أنه بعيد كل البعد عما حصل ولكنه مهندسه ومنظمه من وراء الستار حتى وأن أدى به ذلك الى التغاضي عمن اساء له مباشرة وبكيفية مقصودة فما معنى مثلا أن ترفض عبير مسى دعوته للقصر ثم يسكت عن ذلك بل عن كل ما فعلته في المجلس واعتلاء منصة رئاسة المجلس ثم يعمد الى الغياب عن الاحتفال بذكرى الجمهورية كما تعود ذلك الرؤساء السابقين لان الحزب الحر الدستوري ينظم اعتصاما بالمجلس وكانه يتلذذ بذلك لأنها تؤتي النتائج في اطار مشروعه مشروع قلب المشهد، ثم ما معنى أن تغلق نائبة في كتلة الديمقراطية باب المجلس وتضع مفاتيحه في جيبها آخر الصباح ليستقبلها آخر الزوال في القصر وتتوج بان تصبح عضوا في مجلس الأمن القومي، انهم جنود التنفيذ ولم نجد الرئيس يبحث عن المشترك الا اذا كان موفيا بالغرض في اطار مشروعه ومن أمثلة النماذج المشتركة للجميع (“الدستوري الحر” – الاتحاد العام التونسي للشغل وفرنسا والرئيس) هي تلك الاتهامات التي توجه  لكتلة “ائتلاف الكرامة” فهو العنصر الجامع لهذا الطيف وقلما يتوافق الرئيس مع أحد، فائتلاف الكرامة يوفر له عنصرا إضافيا في اطار قلب المشهد والمرور للمشروع الجديد ثم ان المشهد المقبل هو الذي يتحكم في أفعال الرئيس ومقياسه: الذهاب في كل ما يقرب من المشهد الجديد والابتعاد عن كل ما يبعد عن المشهد الجديد، فموقفه من الحوار مرتبط بهذا الفهم فقد وعد رئيس المنظمة الشغيلة ببداية الحوار وأعلن عن ذلك وبشر به التونسيين ولكن الرئيس يتراجع عن ذلك وهو بالخارج – وبالتحديد من روما-  وكذلك قال رئيس مجلس النواب انه قد تفاهم مع الرئيس حتى في موضوع اقالة المشيشي ولكن تراجع عن ذلك لان غايته ليس الحوار لان الحوار يعطل مشروعه في قلب المشهد وخلق مشهد جديد.

وقد افلح الرئيس في الاستثمار في مسالة الاصطفاف داخل المجلس وخارجه أي داخل النخبة وكان يقبل كثيرا من الكتابات التي توسع الشقة والخلاف بين الأطراف من ذلك ما جاء في مقال في الصباح يوم 06-08-2021 بعنوان “من الحشاشين الى الاخوان المجرمين” وهذا جزء من ذلك المقال: “ان الاخوان الذين لا اخوة ولا صداقة ولا حزام من تحالفهم اخطر على الإسلام هم أولئك الذين احرقوا المزارع والغابات وعطلوا انتاج الفسفاط وقضوا على السياسة وروجوا المخدرات وتعمدوا افشاء الكورونا…”، وهذا هو النوع الخطابي الذي استثمر فيه الرئيس مع العلم ان مشروعه قد لا يتقاطع كليا مع مشاريع هذا الطيف المصطف معه فهم مثلا يريدون ديمقراطية بلا نهضة وبلا اسلام سياسي بينما هو يريد حياة بلا ديمقراطية أصلا الا الديمقراطية المباشرة…

للرئيس اذن منهج يقوم على أيسر السبل للوصول الى المشهد الجديد على أنقاض المشهد القائم، ان الحريق هو في الحقيقة ما كان ليحصل لو كان الرئيس يرى فيه معرقلا للوصول للأهداف وهدفه الأكبر هو ابدال النظام السياسي فلابد من حرق المدونة المثبتة لهذا الاختيار السياسي وماذا نتج عن هذا كله: الاجهاز على كل المكتسبات وتكسير كل السرديات وذلك لتحقيق مكتسباته وسردياته الجديدة فنحن لا لم ندع الى تبديل المشهد الا لغاية ما هو أحسن منه ولا نعتقد أن الآتي هو الاحسن فما رواء الوراء يريد أن نقف عند سرديات الرئيس وما ألح عليه في تدخلاته من قبيل محاربة الفساد ووحدة الدولة…

وسنحاول ان نجمع كل هذا في جدول حتى نتبين حقيقة التحولات في السرديات ما بين سرديات المضمنة في الدستور وسرديات الواعد الجديد

 

  • تعدد السلط سلطة واحدة
  • رئاسات ثلاث رئاسة واحدة
  • نظام برلماني نظام رئاسوي
  • امن جمهوري أمن مشايع وموال للرئيس يمنع المظاهرات
  • جيش جمهوري يحاكم المدنيين دون اذن قضائي اذا جيش رئاسي
  • حرية ممنوع من السفر دون اذن قضائي وإقامة جبرية
  • صحاف مستقلة صحافة متحكم في خط تحريرها ومنع الصحافة
  • هيئات تعديلية ومستقلة الغاء هيئة مراقبة دستورية القانون
  • حرية التنظمعدم الحوار مع الأحزاب
  • حقوق النسان منع التنقل والسفر

 

ان هذه السرديات الجديدة والمصدقة عمليا تضعنا امام سؤال عن فحوى قول الرئيس واعادته مرارا لا عودة للوراء فما هو رواء الرئيس هل يعني هذا انه سيعد بنا الى ما قبل 25 جويلية وما قبل 2011 معا، فهذه السرديات والممارسات التي عشناها بعد 25 جويلية 2021 تضعنا في صلب مرحلة الاستبداد وهذا قد عبر عنه الرئيس حينما اعتبر ان 14 جانفي 2011 هو اجهاض للثورة فماهي محتويات ثورته الجديدة، لا نعتقد انها تختلف عما عشناه في الاستبداد

 

6- الخاتمة

 

أحسب أننا قد اعطينا عملية الحرق المكانة الكبرى ودلالتها التي رأيناها فيها، ونؤكد أننا ما كنا لنهتم بها لو لم تكن منعرجا له ما بعده لا محالة، ونظرا لهذه المكانة وصلنا بالنتيجة الى كونها ليست أمرا عارضا وانما هو فعل صميم وصناعة متقنة لابد لها من فواعل عديدين وعقل مهندس ومشروع يقوم وراءها…

وكل هذا اتينا عليه في السياقات المختلفة ووصلنا أن لا سالم منها حتى أولئك الذين بدوا في وضع الضحية والبراءة انها نتيجة اختمار طويل في المشهد منذ 2011 وان هذه العملية ما كنا لننشد اليها ان لم يكن لها مقصود خفي وهذا المقصود هو الديمقراطية أساسا فقد رأينا في عملية حرق الدستور حرق لمرحلة كاملة مرحلة الديمقراطية وساهم في ذلك حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم أبناء الديمقراطية ولكننا نريد أن نختم رغم هذا، بأمر يفتح عن الايجاب ونبحث عن مياه نُجريها في هذه الخاتمة ونارا أخرى غير نار المحرقة التي درسناها بشيء من الاطناب..

نريد أن نختم خاتمة غير تقليدية حتى نخرج من الحريق البؤرة ونعود الى صاحب “الشعب يريد” وهي الصورة التي أنبنى عليها  مشروع الحريق صاحب إرادة الحياة في قصيدته إرادة الحياة فالشعب يريد ليس المقصود بها الشعب وهي صورة هلامية لأنها صورة أدبية لا تقوم على التصريح وانما تقوم على الايحاء والتلميح وليس المقصود بالشعب بالمفهوم الاجتماعي ولا بالحياة الحياة الاجتماعية فلا ندري ما الشعب ولا ما الحياة ولا من يريد ممن يريد لمن يريد ولماذا يُريد؟، انها تعني العزيمة والعمل فلا فائدة من اعتبارها قادحا للنار فصاحبها صاحب الصورة لا يقول بالنار وانما يقول بالماء وبالخصب والثراء ”

اليك الفضاء اليك الضياء        اليك الثراء الحالم المزدهر

اليك الجمال الذي لا يبيد       اليك الوجود الرحيب النظر

 

فنحن نريد الماء لا نريد النار وان كان لابد من نار فنارنا أخرى، يقول أحمد شوقي

“قيس جئت تطلب نارا           أم تشعل الدار نارا”

 

نحن نطلب نارا ولكنها نار أخرى ليس نار الحرق والدمار وانما نار العواطف النبيلة نار الحب نار الحميمية نار الحنان، انها النار الماء، ولما أننا نريد النار المائية (Oxymore) فإننا نعتبر ما قلناه هو من باب صب الماء على النار او من باب إطفاء الحرائق وهذا تجاوز للعكس لمن يصبون الزيت على النار علا يلتهم الحريق كل شيء…

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق