تونسدراسات

الحريق: حرق الرئيس الدستور/الرئيس حرق الدستور (ج1)

بقلم “بين الاحمدين”

                                                                      

تنويه: هذه دراسة هي دراسة سياسية/سيمائية أرسلت للموقع وهي لا تعبر بالضرورة عن راي الموقع هي تعبر عن مواقف ورؤى كاتبها والذي اختار امضاء “بين الأحمدين”، وتنشر الدراسة على ثلاث أجزاء

 

1- الحرق: المعنى والإطار

للعناصر في حياتنا حضور ملازم لنا فيه تَستوي حياتنا وتَقوم والنار واحدة منها ولكن تشكل وعينا بهذه العناصر عامة وبالنار خاصة يمر بمراحل وعهود فوَعينا بالنار تاريخي ووعينا بها في عهد الصبا ليس هو ذاته حينما تتقدم بنا الحياة ولكن هي من الجميل المغموط حقه في تصورنا وكثيرا ما توصف بالسَلب رغم منفعيتها وضروريتها في حياتنا ولهذا الارتسام السلبي للنار وصورتها أسبابه فتسببنا في كونها عنصرا حارقا ومُدمرا ونذكر في القرية في ما قبل مرحلة الماء الصالح للشراب كيف تشب الحرائق في الأكواخ وأروقة القش وكيف يهرع الناس حاملين العصي والبالات وأوعية المياه والصهاريج وكتح الأتربة لإخماد الحرائق معصراخ النسوة طالبات النجدة والاستعانة بإطفاء الحريق ولكن بدأت ترتسم صور أخرى تزاحم الصور السلبية فتكون النار رمزا للنضال والمقاومة عرفنا ذلك في الجامعة حينما يحتفل الطلبة بيوم “مقاومة الامبريالية” وبيوم “الأرض” حين تُحرق أعلام الامبرياليتين السوفياتية والامريكية وعلم الكيان الصهيوني، واتسعت قراءاتنا فقرأنا عن حرائق في التاريخ حريق “نيرون” لروما وحريق بغداد وحريق المسجد الأقصى، ولكن رغم ما عشناه وما عرفناه منها وما قرأناه عنها لم يوصلنا لكي نفكر ونحن الثائرون يوما في حرق علم بلادنا على معارضتنا للسلطة لان وَعينا يفصل بين العلم والدستور وغيرها من الرموز في الدولة والنظام القائم ولكن ما كان غير مفكر فيه عندنا عشنَاه يوم الخامس والعشرين من سبتمبر 2021 حين حرق الدستور وهو يحمل علم الوطن ولَونه الرامز وشعار الوطن وتعريف الوطن ومكونات هويته كنت يومها على عادتي في الصباحات الفارغة بمقهى باريس الذي لا تعجبني قهوته ولكن تعجبني جلساته مع الأصدقاء كانت يومها حركة الأمن مكثفة وبدأ الحضور في شكل حلقات صغيرة ودعت المقهى وفي وسك الشارع الرمز وجدت حلقة أمام كاميرا هاتالتلفزات ويتحدث جماعة للكاميراهات قال أحدهم “قيس سعيد لبسهم صباط (حذاء) 42 بلاش كلاسط ( جوارب)” وانبرى ثان شاهرا دستور الجمهورية “ها هو دستورهم نقطعوونرفسو ونبول عليه” ويقهقه الجماعة “ههههههههههههههه”، صُدمت للمشهد،والصادم الأكبر في أن هناك دورية أمنية ( خمسة عناصر تطوق الحلقة بالزي الرسمي الحامل للعلم الوطني والشعار الوطني وسمعوا ما سمعت ولكنهم لم يتدخلوا وكأنه لم يمس الشعار الذي يعتليهم ولا العلم الذي فوق صدورهم، فهمت حينئذ أن ذلك مقدمة لحقيقة أن الدستور سيُحرق، وهو ما حصل بعد ساعة قريبا عند منصف النهار هذا هو تداعي مشهد الحريق الذي اتخذناه عنوانا مركزيا لمقالنا وللمقال عنوان ثان فرعي

لمأشعر على طول مدتي في القراءة والكتابة وأنا أجهز نفسي لكتابة هذا المقال وبالتحديد لاختيار او تثبيت عنوانه كما اشعر به الآن من تردد بين اختيارين فكنت أود مرة أن أختار الصيغة الفعلية “حرق الرئيس الدستور” وأود مرة ثانية أن اختار الصيغة الاسمية “الرئيس حرق الدستور”، وليس المسألة كما يتبادر الى الذهن حَذلقة لغوية أو مسالة شكلية وانما المسألة تخص الدَلالات المُنجرة على كل صيغة منهما، وشعرت بقيمة قول ادونيس “ما أمر اللغة الآن وما أضيق باب الابجدية”(قصيدة الحصار )، ووددت لو أسعفتني اللغة بصيغة ثالثة تكون اسمية فعلية في آن أو فعلية اسمية في آن، ولما كان الامر متعذرا أو من باب الاستحالة نظرا لهوية اللغة التكوينية اذ أنها لغة تقوم على التتابعوالخطية في أسها وجوهرها ان الفعلية معنى والاسمية معنى آخر يكون البؤرة في الأولى الفعل ويكون الاسم هو البؤرة في الثانية،فالأولى تجعل فعل الحرق مركزا ورأسا والثانية تجعل الاسم العلم أسأ ورأسا، ويكون المفعول في ذيليهما، فالفعل في الأولى له كثافة ليست نفسها في الثانية والاسم في الثانية له كثافة ليست له في الأولى، فالمرتبة تُضيف لنوعية الكلمة معنى إضافة الى معناها الأصلي بل ان النُحاة اتخذوا في بعض الأحيان من الترتيب فصلا في تبديد المعنى اذا ما تعطلت العوامل والمحددات، ان فعل الحرق خطر وان فاعل الحرق خطر آخر، وان مفعول الحرق خطر ثالث ففعل الحرق مُهم لأنه عمل يفيد معنى الإلغاء والنفي والاعدام والشطب والامحاء الذي لا يُبقي ولا يَذر ويتمكن في الخطورة حينما ينكشف فَاعله وينكشف مفعوله، فالحرق خطاب تعاود في خطاب الرئيس وهو من المُحرضين عليه ومن المعبرين عنه فكثيرا ما تَحدث عن النار و”الصواريخ المشدودة على المنصات تنتظر إشارة لتصيب منهم مقتلا في مواقعهم”، فالفعل واضح وان كانت التعمية تشمل للذين ستطولهم عملية الحرق هذه فكما كان الفعل واضحا كان فاعله واضحا أيضا، انه الرئيس ذاته لم تغب النار عن الحضور في معجمه الخطابي وكذلك الرصاص والوابل والطلقة والطلقات وزخات الرصاص وتحضرنا مفارقة كبرى في هذا المجال وهي أن يتكثف معجم الحرق في الخطاب الرئاسي لرئيس آت من الاكاديمية والمحاضرات في القانون الدستوري فاذا تحدث المحاضر في القانون الدستوري تحدث عن النار والحرق بينما حينما تحدث الأمني والعسكري والمخابراتي- أي الرئيس المخلوع- كان قد تحدث بلغة أخرى و  قد يكون قصد بها مُخاطبة المؤسسات العالمية وفعل في الداخل ما يعاكس ذلك انه يتحدث بجملة قارة تشق خطاباته سهميا تحدث عن دولة القانون والمؤسسات فكم كانت المفارقة واضحة بين خطاب القانوني الذي خلى من ذكر القانون أو يكاد أو خطاب العسكري الذي أدير على القانون والمؤسسات.

ان مسالة الحرق في الخطاب واضحة مُكثفة حتى باتت تُعد عنده خطة عمل هذا هو الخطر المتأتي من الفعل، ان الخطر المُتأتي من الفاعل وهو الرئيس الذي قام بفعل الحرق ليس بمفهوم القصر والحصر وانما بمفهوم الواسع وبفواعل أخرين جُندوا للتنفيذ  أن الرئيس فاعل الحرق يتحمل المسؤولية فيه وذلك بالدعوة اليه، وثانيا بتعريضه بالدستور منذ بدء حملته التفسيرية إذ تحدث عن “الدستور الذي أكله الحمار” في  لغة تهجين وعاودته لغة التعريض بالدستور مرة أخرى في سياق خاص في بلدة الثورة “سيدي بوزيد” حينما قال “الدستور هو ما يكتب على الجدران” أي انه يرمي بالدستور الذي ترشح بشروطه وأدى اليمين على صيانته واحترامه رمى به عرض الحائط بدل الحرص على صيانته واحترامه كما جاء في نص القسم وزاد التحريض عليه والتعريض به مرة ثالثةحينما جعله نتيجة عمل تجارة وبيع وشراء بالمزاد العلني “فصله يسوى كذا وكذا …” وتحدث معرضا بالدستور رابعا حينما شبهه بالخرقة أي باللباس الذي يُفصل على المقاس وليس صدفة أن يكون هذا الخطاب هو الدافع لعملية الحرق ذاتها والحاصلة بعد شهرين من الإجراءات الاستثنائية يوما بيوم وليلة بليلة، وحتى ليلة حرقه فقد حرض عليه بالليل ليُحرق في النهار الموالي فيكون كأنه الحارق الأصلي وليس مجرد محرض وان كان فعل التحريض هو تماما كالفعل المنجز.

انه الحارق ثالثا بالتداعي اذ ما رسخ في تراث الحركة التونسية السياسية بعد الثورة خاصة أن يتوسع في دائرة الفاعلين لتفيض على الفَاعلية المباشرة أو الفاعل العيني، ويصبح الفاعل واسعا يسمل مستويات أخرى وان لم يفعل شيئا مباشرا كالتخطيط والتحريض والاستفادة غير المباشرة مما وقع، وهذا ما أقامت عليه لَجنة الدفاع عن الشهيدين دفاعها حينما حملت المسؤولية لأطراف سياسية وان كانت تلك المسؤولية أخلاقية وسياسية وليست مسؤولية عينية عملية وهو ما ينطبق بالضبط على الرئيس المسؤول والوضعية الحالية وان من بعيد، فالحارق من أشياعه وهو من أشياع خطابه وفي مناسبة مناصرة للرئيس  والرئيس مسؤول رابعا مسؤولية رمزية لا تقل شأنا عن المسؤولية الأولى وهو يُقيم بقصر قرطاج وفق مقتضيات الدستور  فعليه أن يتذكر لحظة البدايات ماذا حصل وكيف حصل انه في قصر في بلدة كانت مولدا للدستور العالمي الدستور الأول وبالتالي يكون هو هنا والآن امتدادا رمزيا وتاريخيا  لنمط سياسي قائم على الميثاق والقانون والنظام انها عملية رمزية لا تحدث دائما وتحدث مرة واحدة فكان عليه أن يلتقط تلك اللحظة ويحافظ عليها وعلى ابعادها الرمزية ويعظ عليها بالنواجذ لأنها بها تكون سلالة أمة قائمة على القانون وأمة دستورية تقيم أمورها عليه وهذا ما حدث بعد ذلك فكانت تونس في العصر الحديث أول دولة تنشأ دستورا وتلغي الرق فتتوالى وتتعانق الأحداث ما بين القديم البعيد والحديث المُعاصر حتى أنني اعتقد أن مسالة الدستورية هذه والتي احتكرها حزب واحد وخص نفسه بهذه التسمية هي عنصر تكويني عمومي من عناصر الهوية الجمعية للأمة ومن مكونات الشخصية التونسية فليست الدستورية حزبية وانما الدستورية بمعنى أرقى ما فوق الحزبية بمعنى حب النظام والاحتكام للقانون الجامعي الا وهو الدستور واعتقد ان علماء الانثروبولوجيا الى الانفتاح على هذه القيم المستحدثة في تشكيل الهويات، فالرئيس محكوم بفعل رمزي قديم هو فعل أسطوري وهو يدافع عن قرطاج ذات التاريخ الطويل والمنجزات الكثيرة منها أنها أول من صاغ دستورا لثلاثة آلاف سنة خلت فهو مدعو بصفته المباشرة وبمقتضى القسم عن صيانة هذا الدستور كما أنه كذلك مدعو رمزيا لصيانة الدستور لأننا نعيش في قرطاج مهد أول دستور.

بقي ان نتساءل لماذا غلب معجم النار على الخطاب ولماذا انتقى من سائر الاستقَصَات-أي العناصر بالمفهوم اليوناني-استقص النار وتم افراغ الخطاب من باقي العناصر الماء والتراب والهواء: فخطابكياس سيدي الرئيس:

  • مفرغ من الماء أين الماء يا سيادة الرئيس؟
  • مفرغ من الهواء فماذا نستنشق يا سيادة الرئيس؟
  • مفرغ من التراب فعلي أي أديم نمشي يا سيادة الرئيس؟

 

نأتي الآن للإشارة الى خطورة أخرى منجرة هذه المرة، ألا وهو الدستور ان الدستور هنا باعتباره نصا جامعا لقيم عليا في وضع دراماتيكي خاص مأتاه من فاعل الحَرق أو عَامل الحرق فيه ان الرئيس وما كان ليكون رئيسا لو لم تكن هناك دولة وماكانت لتكون دولة لها رئيس اذا لم يكن لها دستور وعلم مُفدى وشعار ونشيد رسمي انها هي المبادئ العليا، هي قد لا تكون أشياء مادية وانما هي تَدخل في اطار المكاسب الا مادية، فالدول تعرف بدساتيرها الصانعة لهوياتها المجمع عليها وعلى هذه الأسس تم انتخابه أي تم توقيع العقد بينه وبين الشعب حتى أولئك الذين لم ينتخبوه ولو كان قد أعلن صراحة أنه ضد الدستور بين الشعب وبينه دون أن ينفي ذلك طبعا إمكانية تحويل الدستور وتعديله وهي حق من حقوقه المكفولة له دستوريا وغير متنازع فيها

فما معنى أن ينقلب الرئيس من مداراته التي يتحرك فيها ليُصبح كائنا خارجا عن إطار هذه المدارات ولا يكون ذلك الا بتخففه ان لم نقل بتغييبه أو الخروج عن هذه القيم المجمع عليها ودونت بالدستور، فخروج الرئيس عن مَداراته التي وضع فيها نفسه ووضعناه فيها بناء على ذلك ان هذا خطر داهم فعلا ويكون مُهددا للدولة عامة من دستور وعلم وشعار ومؤسسات واستهداف الدستور هو استهداف لهذا كله ويكون أساس شرخ في الجسم الاجتماعي سيكون له لمحالة ما بعده وان لم يدرك ذلك الآن، ونحن وما بالعهد من قدم وقفنا وقفة الرجل الواحد ولعلنا كنا في حالة من الرعب لأننا مازلنا خرجين للتو من حادثة أفزعتنا جميعا وشقتنا إزاء جملة من المواقف والعواطف حينما نزع أحدهم نزع العلم الوطني – كان ما كان لونه- فالرئيس اذ يلوم ويحنق وهو محق في بعض ذلك – أو في كله-  على محاولات تفكيك الدولة من الداخل كيف يسمح لما حصل في عهده وبين يديه من عمليات تفكيك من الداخل  لا تقل شأنا عن عمليات التفكيك التي كان ثائرا ضدها، وهو ما حصل مع الدستور يوم الخامس والعشرين من سبتمبر 2021 …

 

2- الحرق حالة

نننقل الآن للحديث عن الحرق بتصور آخر بعد الحديث عنه كحدث وفعل له فاعله وصب على مفعول، وهو من الأهمية بمكان حتى يمكن أن نعده منهجا أساسيا نقين عليه آراؤنا وتصوراتنا وسلوكاتنا ويمكن ان ننطلق منه لنعلم أطفالنا في المدارس وفي المعاهد وفي مدارج الجامعات وساحاتها وباحاتها ونستبدل أمثلة النماذج الدراسية الركيكة من قبيل: “يلعب صالح بالكرة”…”أغسل وجهي في الصباح” …”نم باكرا قم باكرا”، وهذا من باب التمثيل والحصر ويمكن أن نبدل الأمثلة النحوية المصطنعة والركيكية من قبيل زيد منطلق والمنطلق زيد وقتل عمر زيدا ، تمثيلا لا حصرا ونتخذ من هذه الجملة العنوان “حرق الرئيس الدستور” فيسمعونناجيدا وهم في وضع تقبل مُريح اذ أنهم مازالوا داخلين للتو للفصول والأقسام والمدارس من الساحات حيث كانوا يلهجون بحناجرهم “حماة الحمى يا حماة الحمى…” والذين تعودوا على الإفطار عليه كل صباح واتخذوا منه مفتاحا لدروسهم اليومية، وإذ تفعل ذلك فقد أنجزنا حداثة في الحركة التعليمية التونسية والذي قد جمعتها يا سيادة الرئيس الى قائمة السلط التي منحتها لنفسك، تلك الحداثة التي بشرونا بها قبلك ولكنهم كانوا يكذبون أو كانوا عجزة رغم أنهم أولئك الحداثيون حتى النخاع قد تولوا إدارة وزارات صناعة العقول التعليم والتربية والثقافة فلا فرق فنتيجتهم واحدة، ان عملية حرق الدستور كانت حدثا بأتم معنى كلمة الحدث – أي ذلك المختلف عن المعتاد-  وأظنها لم تحدث في وطننا إلا في هذه المرة في عهد ثورتنا السعيد رغم عمليات الحرق التي حصلت ضد رموز الامبريالية والصهيونية، انها حدث ومسيرة ذلك أن عملية الحرق كانت مسترسلا (Continuum) لها مقدمات ونتائج بل ان نتائجها مقدمات ومقدماتها نتائج أنها عملية دور لا يمكن بسطها وترتيبها الا شكلاأرغمتنا عليه المناهج بالترتيب والتنسيق والتنظيم والتنضيد لم تكن عملية الحرق عملية مُنعزلة بل كانت حالة وبُنية منظمة تكتسي صبغة الشمول والانتشار ولهذا كانت تبنى في شكل مسار طويل يطول جوانب عدة وشخصيات عدة ومستويات عدة وفاعلين عديدين وضحايا كثيرين ولم تكن عملية حرق الدستور الا المثال الناصع الحي والصارم ولكنه المربك أيضا، كانت عملية الحرق حاضرة مع تأجيل التنفيذ بل أنها نُفذت ولم تنفذ حيتها في الميقات انها نفذت كجهاز عمل أو كخطة مدروسة كانت يوما في “سيدي بوزيد” يومها قلتها وان لم نفهمك في حينه وكم كان فهمنا ثقيلا او كانت اشارتك خاطفة لم نستطع المسك بها أو ادراكها من فرط سرعتها وألمعيتها “ان الدستور هو مايكتب على الجدران” ونتمم عنك المسكوت عنه في قولك ايها الشعب يا شعبي مزق اوصاله ، وتجدد ذكرها ثانيةذلك اليوم الذي عهدناه ذكرى تأسيس الجمهورية في عيدها الرابع والسبعين مع شيء من الإنجاز العملي اذ حُرقت مقرات أحزاب وأتلف أثاثها وانتزعت ثياب بعض القائمين عليها أليس هذا حرقا، ووجدناكم مزدهين مشيدين بفعل الشباب البطولي والملحمي

انهاأحزاب وان خالفتهم منضوية تحت لواء الدستور تماما، كما هي حالك فحسبوا ذلك فعلا ثوريا قام به الثوار القادمون كتبة الدستور على الجدران وزاد المتأدلجون حتى النخاع أو المتأدلجون حد البؤس جملة تفسيرية وهم بَرَعة في التفسير “انها تصفية خصوم سياسيين أو انشقاق في صلب الرجعية أو فخار يسكر بعضو”، ففرحوا واغتبطوا الآن بتصورهم الأيديولوجي البائس الذي جعلهم يعتقدون انها عملية إزاحة للخصوم الايديولوجيين أولئك الذين لم يقووا على ازاحتهم بالصندوق ولكن ذلك الفرح ليس سوى قفا لحقيقة الواجهة وهي حرق الدستور، ان فعل الحرق كان تَاما كَاملا ينتظر اشعال الفتيل فحرق الأحزاب وقبلها حرق أرزاق الناس وأملاكهم وعقاراتهم ان ذلك كله ترجمة لحرق الدستور،ولعلهم نقموا عليه لأنه جاء بأناس يعملون في صلبه ولم يقووا عليهم أو رتب نظاما لم يسعفهم بمسك الخيوط في أياديهم أو جمعها بأياديهم في اياديهم، ان الأمر مُرتب ولكن لم ندركه الا حين وقعنا فيه وليس لزمن بعيد عما حدث يوم25 جويلية، أي يوم حرق الدستور بنتائج وتمظهرات حية ويا للفاجعة انه تم يوم 25 سبتمبر بعد شهرين بالعد والحساب امهال الشهرين لترتيب وقائع على الأرض: التقدم في التلقيح والمسك بدواليب الأمن (وهو ما سنعود اليه لاحقا في اطار  الحديث عن تبديل المشهدية القائمة) حتَّى لا يتدخل في أي عملية حرق، لا الحرق الأول ولا الحرق الثاني لا لتقاعس منه وانما لان آمره الجديد قوى مليشيات تعمل ولا يقوى الأمن على التدخل لمنعها ممَّا تعمل، لان التعليمات عند شخص جديد يؤمن بقوى يعتقد أنها ثورية وماهي سوى مليشيات رأيناها مرة أخرى تتحرش برجال أعمال وتتهدد تحت الشمس أي تحت أضواء التلفزيونات بلا حياء وبلا خوف بل انهم في حالة صلف وكبرياء لم نَعهدها منذ 2011 وكأنها انفلتت بعد انحباس وانكماش دام لعشر سنوات فأضرمت نيرانها في كل ما لا يحبه الرئيس: أحزاب – رجال اعمال – قضاة – دستور انه كتب بأموال فاسدة، ولهذا ليس لدينا شَك لأن اللعبة صداها ونسيج خيوطها بيد السيد الرئيس،ان ملاحمهم انطلت علينا اذ كان البرنامج جَاهزا ومجدولا ولم نستفق الا لحظة شبَّ الحريق ولم ننتبه لحظة اضرام النيران الأولى بفرط اللغط الذي حصل والذي جَعلنا نسكت عما حصب يوم 25 جويلية، قد نكون أننا نعيش في قلّة دراية اذ كانت حالات الحرق قليلة جدا في حياتنا أو قد نكون أنَّنا نعيش في سذاجة عقلية او في طيبة نوايانا وخواطرنا ، ان الأمور سواسية وحصل الذي حصل نتيجة فرطين فرط اظهار المنفذين لأنفسهم في مظهر النبل والطيبة والصدق والأمانة وفرط في تصديقنا لما قالوه…

ان عملية الحرق هي حالة برأسها بمراحلها ومقدماتها وأسبابها ونتائجها حالة بمعنى أنها بنية ونظام وليست وحدات عشوائية في غير ترابط ولا بناء فقد بدأ دَورته بالحديث عن الحرق وكم كان هذا المعجم مُتغلغلا في خطابه كما قلنا اذ كان يتحدث عن موضوع “التطبيع خيانة عظمى” فخلناه حريق في الخارج ولكن هو في الحقيقة يغطي عن حرائق الداخل سيتم اشعالها في مواقيتها، وكذلك حصلت عملية الحرق اثناء عمليات الشغب التي لا صلة لها بالتظاهر باعتباره حقا من حقوق الانسان عند الأمم المتحضرة التي تُنظم بالليل والناس نيام ذات شتاء واستهدفوا أملاك الناس بالتهشيم والنهب والحرق ومما يؤكد ذلك أن الأمر عائد الى اختيارات الرئيس ذاته القارة لديه والمتمرسة والمتمكنة من بنية تفكيره، وفضحه وزير داخليته المزروع في حكومة المشيشي ( وهو من اختيارات الرئيس وهو رئيس حملته في منطقة الساحل وفي ولاية سوسة تحديدا)، لقد فضحه وزيره هذا حين صرح في جلسة استماع في مجلس النواب وموضوعها اعمال الشغب الحاصلة في البلاد ونؤكد مرة أخرى ان الحديث ليس على المتظاهرين وانما عن المشاغبين الذين يبطشون بالذوات والأملاك والعقارات تكسيرا وتهشيما وسرقة وحرقا “تجوعُوهم وما تحبوهمشيسرقوا”، مع العلم أنه لم يسلم منهم حتى الأعوان الذي اؤتمن عليهم حضرته، ان خطاب كهذا لايمكن أن يصدر عن مسؤول في الدنيا الا عن تصور خاص للمسؤولية…

يتجلى كذلك في الخطاب التحريضي الذي صدر عن النواب المطالبين بتنفيذ الاجراءات الاستثنائية “حطهم في الحبس انهم جبناء لا يقدرون ولا يفعلون أي شيء”، قالها عراب الإجراءات الاستثنائية وكأنه الناطق الرسمي باسم جوقة العرابين، وتجلى كذلك حين انبرى أطراف الجوقة يدعون بمنطق الناصح والمصلح والموجه الرشيد ولكن فعلوا ذلك بعد دعوات متكررة الى تنفيذ الإجراءات الاستثنائية، فقد قال لطفي زيتون وهو خارج للتو من مستشارية رئيس حركة النهضة وكذلك قال كل من “نبيل حجي” و”محمد عبو” و”ساميته”نفس الخطاب تقريبا  “نحن ندعو الغنوشي أن لا يرمي بأبنائه – أي أعضاء حركة النهضة- في المحرقة والتسمية مهمة وفاضحة، فاللغة تفضح نَوايا وأجندات قائليها وان لم يعلنوا عنها وقد باتت مسألة الحرق وما هو من جداولها بؤرة قارة يقع في ضوئها استقطاب الرئيس لمريديه ففضحت اللغة كلمة سر الاستقطاب من الرئيس ذاته الى وزير داخليته الى المنسلخ توا من مركز الاستشارة في النهضة طمعا في مركز استشارة في القصر – أو لعل هو فيه دون اعلام- وكم هي الخطط وكم هم العاملون فيها دون اعلام في وضعنا المتلبد المتضبب وكذلك الباحثون عن تولي المسؤولية وهم في زي المعارضة والرابط بينهم جميعا من الرأس الى القاعدة ومفتاح سرهم هو الحرق والحريق والمحرقة، ان المتلببين بخطاب النصح والنصيحة انما يخفون كمهم الهائل من النفاق والخديعة والمكر يشعلون الحريق ويحرضون عن الآدميين، ثم يظهرون الرأفة بهم والسعي لإنقاذهم من الحريق يصدق فيهم قول المعري “القاه في اليم مكتوفا وقال له اياك اياك ان تبتل بالماء”، يشعلون النار ويحذرون السَدن ويجهزون السفافيد ثم يتنادون بعدم اضرام النار ، ان هذا يُمثل بُنية تكاد تكون قاعدة في السلوك التونسي وبالتحديد السلوك السياسي التونسي (أنظر الهادي التيمومي في كابه “كيف صار التونسيون تونسيين”)،  وقد أشار بعض الباحثين في الهوية والتونسية الى قضية النفاق عند التونسيين…

اننا لسنا في وضع الشك ولا الارتياب في أن الحرق قاعدة صلبة عندهم وقاعدتهم المنتشرة عندهم وبالتالي تكون كما قلنا حالة شاملة وليس أمرا أو عملا منعزلا أو طارئا ولعل الخطورة في درجة أكبر أن هذه الحالة مضافة الى خطورتها في ذاتها أنها حالة امبريالية تمنع امكانية تعايش حالات أخرى بجوارها أو معها أو على الأقل تصارعها فهي حالة امبريالية ماحقة تجهز على جميع الحالات الأخرى ولعلها صنعت خصيصا لتعدم حالة أخرى عرفناها بعد 2011 دخلنا بفضلها للانتخابات وتربعنا على سدة الحكم بفضلها انها حالة الديمقراطية التي فرحنا بكونها ازاحت عنا حالة انجثمت علينا على امتداد تاريخنا الطويل انها حالة الاستبداد فجاءت حالة الحرق لغلق قوس الديمقراطية قالتها عبير موسي “علينا أن نغلق قوس الثورة” تحت عناوين كثر وإعادة احياء حالة الاستبداد فتكون الحالة الديمقراطية أو الديمقراطية حالة مجرد فتحة في المسار الطويل للاستبداد الذي انغلق او خلناه كذلك لينفتح من جديد لان حالة الحرق لا تكون الا تنويعا لحالة الاستبداد، وهم اذ يلوكون الكلمات ويلونون المعاجم ويصكون مصطلحات جديدة ليس ذلك كله سوى تعمية وتضليل وخداع عن المنحى الحقيقي لمنحى الاستبداد…

ان الحرق حالة تَتوسع في الأفعال وتَتوسع في الفواعل وتتوسع في المفاعيل وتَتوسع في الأزمنة والأمكنة ليست أمرا مَشتتا ولا مشوشا، انه مشدود بخيوط رَابطة قد لا نُدرك أعدادها وألوانها وأنواعها من الوهلة الأولى ولكنها حاضرة وحاضرة فعلا…

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق