تونسدراسات

الحريق: حرق الرئيس الدستور/الرئيس حرق الدستور (ج2)

بقلم “بين الاحمدين”

                                                                             

تنويه: هذه الدراسة هي دراسة سياسية/سيمائية أرسلت للموقع، وهي لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع،وهي تعبر فقط عن مواقف ورؤى كاتبها والذي اختار امضاء “بين الأحمدين”، وتنشر الدراسة على ثلاث أجزاء…

 

3- الحرق: الخطاب والتاريخ

 

قُلنا أن الحرق جاء بؤرة بخطاب بل وفي خطابات جزء كبير من النُخبة وقد لاحظنا أن الرئيس ليس ميَّالا الى الخطابات طويلة النفس فقد جاءت خطاباته في شكل مقاطع خطابية تكون في مقام شفوي بحضور أطراف مُعيَّنة يستغل الرئيس هذه المناسبات لإرسال رسائل فيكون الخطاب مرتبطا بذات المناسبة وبموضوعها فيقع تحيل هذه المناسبات ليرسل رسائل وتكون هذه الرسائل مكتوبة على جُذاذات هو خطاب المفكرة أو الجذاذة أو القصاصة ولعل هذه البُنية الخطابية قد أتته من تقليد راسخ في بيداغوجيا والدروس الاكاديمية فقَلَّما سجلنا له خطابا طويل النفس، ولا نعتقد أن ذلك عائدا الى عجز منه أو قصورا وانما جاءه من اكراهات المهنة التي تطبع بطباعها.

ولكن هذا لا يمنع أن نحدث فتحة نُسلط فيها ضوءا على هذا الخطاب في مسيرة الخطاب السياسي التونسي ونَكتفي بخطاب الرؤساء الذين سمعنا خطاباتهم وتربينا بتفاوت واضح على نمطين مختلفين من الخطاب السياسي: خطاب ما قبل الثورة وخطاب ما بعدها فقد عشنا على خطابات أربع قبل خطاب الرئيس “قيس سعيد” اثنين منهما قبل الثورة واثنين بعدها ولكن لن نعتمد على التصنيف التاريخي وانما سنعمد الى تصنيف سياسي فهذه الخطابات منها الخطاب الدستوري أي خطاب الحزب الدستوري بمُسمياته الثلاث ( الحزب الدستوري – التجمع – نداء تونس) ونعتبر ثلاثتها خطابا واحدا من حيث الخلفية الدستورية ولكنها تختلف من حيث الشكل فالزعيم الحبيب بورقيبة ووريثه الفكري والسياسي الباجي القائد السبسي كانا رجلي خطاب الارتجال اذ كانت لهما القدرة على القاء خطاب لسَاعات وبلا جذاذة ويُبنى عندهما الخطاب على مجرد فكرة بسيطة وهي عملية تدل على كفاءة راقية وذلك رُبما عائد الى طبيعتهما التكوينية وخليفيتهما المهنية وتجربهما السياسية فهما محاميان مارسا السياسة والسلطة وبالتالي فانهما من رجال المرافعات، فصار الخطاب عندهما مرافعة تقُوم على علاوة على المعطيات والتحييث تقوم على الحجاج والاقناع (أنظر مقلنا عن الباجي “ليس ان” ) وللخطيب المرتجل القدرة على بناء حكاية طويلة أو قصيرة على أدنى فكرة وقد يستغرق عرضها الوقت الطويل اذ يمتاز الخطيب بطول النفس وقدرة اللسان ولباقته في التبليغ والتوصيل وهذا يُحدث أريحية لدى المتقبل الذي يشعر وكأنه شريك في بناء الخطاب والقائه عكس المتقبل الآخر مُتقبل الخطاب المكتوب الذي يشعر وكأنه مجرد سامع تصيبه حالات الملل والقلق والتبرم لأنه لا يشعر بهذه الشراكة في الخطاب وقد يؤدي ذلك الى انقطاع حبل التواصل وتقل عنده القدرة على المتابعة والتواصل مع خطيبه وعادة ما يكون هذا الخطاب في لغة متعددة المستويات وليست على وتيرة واحدة منها الفصيح ومنها الدارج ومنها الدخيل وهذا كله يجد هوى في نفسية المُتقبل دون شطط ولا وعيد ولا تهديد ويحصل ضرب من الملاطفة بين طرفي الخطاب، أذكر مثالا للباجي القائد السبسي لما هاجمه أحد المترشحين المستقلين في انتخابات 2014  ودعاه الى “أبعدو شوية خبو وجوهكم” ولكن الباجي في رده كان لبقا وأدى معناه ربما أكثر مما لو سَلك سبيل التقريع والوعيد والسب والشتم “طارق ذياب ملاعبي كبير ويلعب باليمين واليسار وشرفنا في الارجنتين وعمللنا صيت في افريقيا ولكن نقلُو يا وليدي السياسة مش لعبة السياسي يلزمو يلعب بأربع ساقين وان شاء الله وياياب الله ”

أما الخطاب الثاني في اطار الخطاب الدستوري فهو خطاب “بن علي” انه خطاب المنهج المضبوط والسمتري المكتوب من الف الى يائه بلغة واحدة بلا مستويات بينما كان خطابا السابقين بلغة مخلوطة وسطى ممتزجة تجمع بين مستويات ولكن هذا الخطاب المضبوط والمشكول والغليظ في إخراجه ورقن حُروفه كان جامعا لقيم تعود الى الخلفية الدستورية مهووسا بالدولة بمفهوم الانضباط والنظام وخاصة حينما تسُوَّق صورة البلاد الى الخارج فيلح على مفهوم دولة القانون والمؤسسات ويبتعد قدر الإمكان عن سلوك مسلك التهديد والشطط والمغالاة. أما الخطابات الآخران فهما خطابين غير دستوريين انهما خطابان معارضان ويعودان لخطاب الثورة والجامع بينهما أنهما خطابان يقومان على لغة مندفعة سريعة متوترة في أغلب الأحيان وان تفاوتت فيهما نبرة التهديد (أي حضور لغة النار)، وهما خطابا الرئيس “المرزوقي” والرئيس “قيس سعيد”، وهنا يمكن أن نسأل عن العلاقة الرابطة بين هذا الثالوث: الثورة الوظيفة والخطاب، فكلاهما  جاءا بعد الثورة وتَوليا الرئاسة بعدها ولكنهما جاءاها من الجامعة أفيكون الرئيس الذي جاء من الجامعة مندفعا في خطابه الرئاسي انا نطرح السؤال فقط والغاية من وراء ذلك هو اثبات صلة أو التفكير في صلة مفترضة بين الوظيفي وطبيعة الخطاب فمثلما أثرت المحاماة في الخطاب الأول أثرت الجامعة في الخطاب الثاني واثرت المهمة العسكرية والأمنية في الخطاب الثالث ولكن نريد بعد هذا الاهتمام بشكل الخطاب في هذه النماذج المختلفة التطرق الى مسألة أخرى وهي مدار هذا المقال منزلة الدستور في خطاب الرؤساء وسياساتهم ونكتفي بالإلماع دون الاطناب، فقد حظي الدستور بمكانة عندهم جميعا رغم اظهار عدم اعجابهم بكل ما فيه، والباجي مثال على ذلك، ويعود ذلك الى تصورهم للدولة فالدولة ليست مجرد آلة انها مفهوم يقوم على محتوى وبناء يقوم على مبادئ فالدستور هو الدولة والدولة هي الدستور والدولة هي الهوية والهوية هي الدولة، انه عجين لا يُمكن فصل عناصرها  عن بعضها البعض  وتخلطت العناصر فيه فحالات التماهي بين هذه العناصر حاضرة في وعيهم فلم يقعوا في التجزئة وهذا جنبهم الوقوع في كثير من المزالق وان كانوا غير مقتنعين بكل ما في البنية وان قاموا بتعديلات في ظروف وأوقات معينة فقد ذهب الحبيب بورقيبة بالكاف وفي مخاطبة القبائل والعشائر ” اما تندمجوا في الدولة الوطنية واما نبدل الحدود ونحيلكم للجزائر خلي يأكلوكم الدزيرية” ان هذا هو مفهوم الدولة والوحدة القومية والدستور الذي انبنت عليه هذه الدولة وكذلك يصدر الباجي رغم عدم اقتناعه بدستور 2014 وخاصة في مجال توزيع السلط والتي كانت سببا في حصول الحريق فكان يردد دائما الدولة فوق الأحزاب وتكون جميلة منه حينما ينطقها بلغته الفرنسية الخاصة

(La patrie avant les parties)

ان هذا في حاجة الى تدقيق ذلك أن المواقف في الصورة سابقا فعلت بالدستور أفاعيل فقد عدلته على هواهَا حتى كادت تُغيّب هويته الاصلية في تحديد السلط ومجالاتها ومآلاتها فضمنته مبادئ  لم تَعرفها الشعوب الأخرى منها تأبيد السلطة والرئاسة مدى الحياة والتمديد فيها حسب الرغبات والشهوات والأهواء وكنا من المعارضين لكل ما حصل ولكن ما قبلناه منهم من تلك التعديلات التي مست فصولا من أبواب وفقرات من فصول وجُمل من فقرات وحروف من جمل كانت لم تصل الى درجة الرفض المطلق للدستور كما حصل الآن بعد أن شب فيه الحريق وهذا عائد في رأينا الى الوعي لدى نخبة الرؤساء بقيمة رمزية الدستور قبل القيمة النصية أو فوق القيمة النصية، فالباجي والمرزوقي رغم اثارتهما لكل ما هو مُثار الآن ولكل ما يدور في عقل الرئيس “قيس سعيد” ورفضه وتحفظاته لم يصلا الى ما وصل الامر اليه الان وهذا يعود في راينا أيضا الى مسالة أساسية أخرى تمثل مناط تفكير “قيس سعيد” حسب فهمنا فمشكلته ليست في توزيع الدستور للسلط وانما مشكلته أنه لا يريد أي سلطة أخرى مَعه وقد حافظ الدستور على وجود هذه السلط فالمشكلة ليست توزيعية وانما هي تكوينية يُريد ان يكون سلطة كل السلط والا تكون معه أي سلطة أخرى تتقاسم معه ادارة الشأن العام أو تراقبه وهذا لا يكون بالسنبة اليه الا بحرق الدستور وكتابة دستور آخر

ونعتقد أن للخلفية الثقافية حضورا في تحديد مواقف الرئيس قيس سعيد وسلوكه إزاء الدستور وإزاء السلطة بصفة عامة فالحديث عن الدستور عن الجدار او سلطة الشعب يريد يعود الى تصور جماهيري فوق النظام أو أن النظام هو نظام الجماهيري وليس ت الجماهير في تصور الدولة أي الجماهير التي تقوم بالاختيار وانما الجماهير عامة فوق القواعد الانتخابية انها الجماهير في المفهوم السائب التي تقوم بالزحف وتفرض الاختيار بعيدا عن أي تعاقد أو عن أي عملية انتخابية فالانتخاب يحصل مرة واحدة نصل به الى السلطة ثم يكون بذلك قد بوأته الجماهير صلاحيات شاملة، ولا يخفى علينا الترابط الأيديولوجي بينه وبين النظام الجماهيري وتذكرنا عملية حرق الدستور بعملية تمزيق الوثائق على منبر الأمم المتحدة وتذكرنا عملية السب والشتم للمتظاهرين ضده وبنعتهم بأنه وقع شراءهم بالمال والخمرة بحديث العقيد عن الشباب الثائر ضده ورميهم بمتعاطي حبوب الهلوسة انهما تربية الدولة واكراهاتها والانضباط لمقتضياتها وتربية ما فوق الدولة أي الدولة القومية أو الجماهيرية أو الأممية وهناك مثال من خارج أي من خارج سلوك الرئيس او أقواله أو من حزامه وهو تصريح رئيس حركة الشعب بعد المصادقة على حكومة الفخفاخ يكفي أننا عينا وزيرا فيها اسمه “صالح بن يوسف” ان التشابك القومي الأيديولوجي الذي لا يقوم على مركزية الدولة الوطنية ولا على مركزية الديمقراطية فالقفز على الوطن هو ترجمة ومقدمة للقفز على اختيارات الشعب والالتفاف عليها هو في النهية القفز على الديمقراطية

ولكن إضافة الى مواقف الساسة الرؤساء فقد عرفنا مواقف أخرى في العلاقة بمسألة الدستور عبر عنها بعض النخب وخاصة النخب المتأدلجة ونخصها بالذكر لأننا نرى مواقف الرئيس أقرب اليها من مواقف السادة الرؤساء الآخرين وتتاقطع مع مواقف المتأدلجين ونحن لسنا ضد الأيدولوجيا وانما ضد الايديولوجيين غير الديمقراطيين…

رصدنا هذه المواقف ووجدناها ثلاثة تتفق كلها على استبدال مفهوم الوطن وبالتالي استبدال الدستور الذي يتدحرج في تصورات هؤلاء المتأدلجين لانهم يؤمنون بقيم فوق الوطنية وبالتالي تعلو على الدستور فالإسلاميون يقولون وطن المسلم عقيدته والقوميون يقولون وطن القومي عروبته والماركسيون يقولون وطن الماركسي الأممية وهذا لا يمنع مطارحات ومجادلات حاصلة في الموضوع ولكن الذي يهمنا هو تغييب الوطن وتغييب الدستور وتعويضه بعقائد أخرى منها الإسلام والعروبة والماركسية الأممية ولاي عني هذا أننا ضد الأيديولوجيا بأطلاق فالايدلوجيا تبقى في النهاية حمالة آمال على حد عبارة “ريجيس دبريه” فالمشكلة ليست في الايديولوجي ولكن في الايدلوجيا التي لا تقوم على الديمقراطية

ولعل الرئيس “قيس سعيد” لم ينسجم مع الاطار الجديد الذي وجدفيه نفسه والذي وضعه فيه الدستور ولم يفهم ما يجب أن ينجر عن ذلك من مواقف وسلوكيات بقي محافظا عن انتماءاته الأولى وهذا ليس عيبا في ذاته وانما العيب أن يجر المؤسسة التي تولاها الى شروطه وانتماءاته قافزا على ما جاء في الدستور من ضوابط وتوجيهات وقيم جامعة فلم ينتمي للرئاسة وان جلس على كرسيها وكان الدستور عنده معرقلا ومانعا من تحقيق ايديولوجيته فكانت المحرقة وكان يمكن ان نقبل منه ان يحصل ما حصل لو كان أقام عقده معنا كناخبين على هذا المستوى ولكنه لم يفعل ذلك، وكان يمكن أن يُقبل منه ما حصل دون عملية الحرق طبعا فهي في فهمنا من الكبائر التي لا تُقبل الا في صور ثلاث لو كان عقده الانتخابي معنا مبنيا على أساسها وتمت مكاشفتنا بذلك هذا أولا وكان يمكن ان يقبل منه ذلك لو حصل دون إقامة المحرقة فيتقدم بمبادرات تشريعية وتبديل ما يريد تبديله والدستور يسعفه بذلك وهذا ثانيا وكان يمكن ان يقبل منه ذلك دون الحرق طبعا لو أنهى مدته الحالية وتقدم بمشروعه وترشح في ضوئه في الدورة المقبلة وكل ذلك يكون مقبولا دوان الوصول الى المحرقة ولكن الرئيس لم يكن صبورا وكان على عجلة من أمره وأدى ذلك الى حصول ما حصل حصول المحرقة المشؤومة وهو بفعله هذا قد أسقط وبنفسه السردية التي بنى عليها تصوره في كون الدولة مهددة بالتفكك وكون الرئيس محدود الصلاحيات وقد عبر قبله الباجي عن امتعاضه من ذلك ولكن لم يحصل معه ما حصل ويا للمفارقة العجيبة أنه اسقط تلك السرديات التي بناها وحملها للدستور وبالاعتماد على الدستور ذاته فكيف يكون الدستور قد أعطى للرئيس ليفعل كل شيء ثم يكون الدستور غير كاف وما الفصل الذي اعتمد عليه والفصلان 71 و72 الا أدلة على الهامش الواسع الذي يمنحه الدستور للرئيس…

 

4- في البراءة المفترضة

 

يضعنا الحريق أمام اصطفاف حاصل حول المسألة فنحن وكأننا إزاء معركة الصفين صف الحارقين وصف المناهضين لعملية الحرق وسنقف عند هذا الصنف الثاني حتى نختبر حقيقة هذه القسمة فهل هناك أبرياء فعلا؟، هذا أولا وثانيا نظرا لعنايتنا بصف الحارقين المنظم برأسه وقاعدته.

وجدنا صف الأبرياء المفترضين جامعا لصنوف ثلاثة: أولها أولئك الذين يعلنون رفضهم لجوانب في الدستور ويعبرون عن قبولهم جوانب أخرى، وهذا أمر معقول اذ لا يوجد قبول بإطلاق كما لا يوجد رفض بإطلاق رغم أن الدستور يعلن في فصله 145 كونه وحدة متكاملة ولكن هؤلاء المجزؤون اذ يضعهم وضع التجزئة هذا خارج صف الحارقين لأنهم يدعون الى التعديل والتعديل امر مقبول وقد سمح تاريخ الدساتير وسمح به الدستور نفسه ولكن اذ يعلنون هذا فانهم من الجهة المقابلة يحرضون على الدستور وبصفة مبكرة لأنهم ينسون او يتناسون ان اجراء الدستور لم يكتمل بعد وان هم ينظرون للمسالة من زاوية منفعتهم الخاصة فيه اذ يُريدون منه ان يكون مدونة لآرائهم لا لآراء غيرهم أو لآراء الآخرين فهم يريدون دستورا لا يحمل أفكار الخصوم و “لا حتى رائحة رائحتهم” والعبارة لعبير موسى فهم بهذا غير أبرياء من تهمة الحرق والحريق ان هذا التصور يجعلهم في دائرة المحرضين على الدستور لانهم يناسون أمرين أساسيين أولهما أن الدستور لم يتمكل بل أنهم يسعون جاهدين الى تعطيل العمل حتى قبل أن يتم اكتماله وهذا ما عبر عنه أحد عرابي هذا التصور المؤرخ خالد عبيد “الحمد لله أن الدستور لم يتم تطبيق الا جزء منه…” وثاني الامرين أن تصورهم هذا يكون خارج التصور الجماعي الذي انبنى عليه الدستور او التصور التوافقي ذلك أن الدستور مدونة قيم جماعية وقيم عليا قيم ما فوق الأيديولوجيا  و مناكفاتها لأننا بالمناكفات الأيدولوجية الى نقاط الاشتراك وهي المقصدية التي تحكمت في صياغة الدستور

ونأخذ مثالا على هذا الصنف مقال “منير الشرفي” بجريدة  الصباح بعنوان  “الا الفصل السادس” وهو في الظاهر رد مباشر غداة حديث الرئيس عن هذا الفصل بالذات واعتبره – أي الرئيس- “فصلا لا يمكن ان يُطيق ولو اجتمعت محاكم الدنيا او محاكم العالم”، فانبرت الردود ومنها رد “منير الشرفي”، “نعم لمراجعة عميقة لدستور 2014 شريطة ان لا تكون المراجعة لا تخدم طرفا حاكما على حساب طرف آخر، كما أقول وبصوت عال أيضا لا للمس من الفصل السادس منه الا لغاية تطويره في اتجاه المزيد من الحقوق والحريات دون وساطة ولا رعاية”، ان الشاهد يحمل اشتراطات ونبرة حادة بصوت عال مما يجعلنا نضعه في دائرة الأبرياء من دائرة الحرق وهذا ليس دقيقا فمن تجرأ على الجزء تجرأ على الكل ومن نظر للدستور نظرة ذرية فانه يقوم بعملية فرقعة ونسف وان بطريقة بطيئة أي بنسق دون نسق الرئيس ولكنه متماه معه، انهم يُريدون دستورا للحداثيين دون غيرهم ولا يرضون الا حينما يكون مجردا من تحديد ملامح الهوية وهم يلتقون مع الحارقين بل هم في صلب الاصطفاف معهم وان كان لكل مدخله وغاياته وأمنياته اننا لسنا ضد التعديل ولكن كيف يمكن أن نعدل ما لم يطبق بعد؟، أما الصنف الثاني فهو صنف “الضحية” او الذي يظهر في وضع الضحية وبالتالي يكون هو ذاته مستهدفا من عملية الحرق لان حرق الدستور هو حرق للجهة التي نُسب اليها كما يقول بعضهم الا وهي “حركة النهضة” فعملية حرق الدستور تستهدفها رأسا ولكننا وإن كنا نرى بعض الوجاهة الا أننا لا نقر لها بالبراءة التامة بل هي مساهمة وان بالسلب في عملية الحرق وان كانت ظاهر الأمور تضعها خارج هذا الاطار وليست مشمولة به ولكنها مشمولة بذلك أولا لسوء ادارتها للمشهد رغم صعوباته وتعقيداته وأبعاده التآمرية عليها وزادت في ليهيب الاصطفاف منذ البدء حين اصطفت مع الرئيس المنتخب ظنا منها أنها أحسنت الاختيار وكأنها لم تكن قارئة ولا سامعة ولا عارفة بخلفياته الأيديولوجية ثم حين تبوأت مناصب بطريقة استفزازية دون أن يعني ذلك أننا نصادر حقها ولكن هناك مشهد وهناك اكراهات ثم الدخول في المناكفة حتى الأقصى وفي دوائر الصراع حد المكاسرة تؤدي بالأمور الى خط ألا رجعة واضعة نفسها في نفس مواضع الخصوم بينما هي مسؤوليتها أوسع من ذلك، لقد ائتمنها الشعب وأعطاها أغلبية وهذا معناه ان تقود المرحلة بعقلية أخرى بأريحية أكثر شعبية لقد كان لتاريخها عبرة ولكن نسيت مدارات المرحلة وأخذ الدروس أنستها أثقال المرحلة كل ذلك وغرقتها في السلطة في وضع ملتهب جعلها تلهث وتجمع الأنفاس ولا تكاد تجدها أنساها تموقعها الأصلي التموقع في المجتمع وأخذتها السلطة ونيت المجتمع وهما مختلفان اختلافا جوهريا ولكن أي مجتمع الذي نسيته المجتمع الذي آواها أيام المحنة التي يحاسب فيها حتى من يبادلهم التحية ويجالسهم في المقهى انها غطرسة السلطة التي لم تستطع التحكم في حريكة المجتمع الخاصة في ظل وضع كهذا وجدت نفسها خارج المجتمع الذ آزرها ووقف معها لاعتقاده في علم النفس الاجتماعي – وليلهالمرايش- بكم الظلم الواقع عليها من قبل السلطة فدرس ابناؤهم وطبب مرضاهم وشغل عاطليهم وهو يعلم كل العلم بكل المخاطر التي تنجر عن هذا السلوك الاجتماعي لان من يضبط بمثل هذا التلبس تنسب اليه كل التهم ويفقد ربما شغله بسبب تشغيل عاطليهم واغرقتها أخيرا السلطة ومؤامراتها ومكائدها وتعقيداتها وخصوماتها افقدها السبيل الأصل وتقاطعاتها مع المجتمع فجففت منابعها بنفسها بعد ان كانوا قد جففوا لها منابع أخرى في خطة تجفيف المنابع المشهورة،  وكل هذا يجعلها واضعة يدها في الحريق وان كانت بالواقع وكأنها رافضة له..

الصنف الثالث وللذي يعنينا هو خارج في الظاهر على الدائرة السياسية انه من المجتمع المدني هذا الذي اعتبرناه قوة معدلة أمام التكاسر السياسي وحكمناه حينما حصل في البلاد ما حصل وكاد الأمر يصل الى درجة التحارب الأهلي اننا نعتبره رغم كل ما وقع فيه حكيم البلاد لأنه يقف على الحقوق الاجتماعية وعلى الحريات العامة للأفراد والمجتمع عكس المجتمع السياسي الذي هو مستعد للتضحية بكل هذا من أجل المآرب السياسية.

اننا اذ نُفرد لهذا الصنف هذه الفقرة نظرا لشعورنا بأهمية ما حصل وشعورنا بتقلص دوره في هذه اللحظة الفارقة اننا في حاجة لهذه القوة التي تسعى الى تقريب وجهات النظر والدفع نحو المناطق الوسطى وقد كان له اسهام في ما سبق ولكن نخصهم بالذكر أيضا لأننا اقرب اليه من غيره اذ انخرطنا فيها صغارا غداة تولينا الوظيف سنة 1982 وتولينا المسؤولية النقابية وانتمينا الى المنظمات الحقوقية ( العفو الدولية – الرابطة التونسية لحقوق الانسان) وتولينا فيهما المسؤولية أيضا منذ 1993 وكان انتماؤنا دون تحفظ وذلك لإيماننا بأدوارها في الوطن وفي الخارج وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان لانهما يمثلان حكيم المرحلة في اعتقادنا اذ قادا في اطار الرباعي حوارا وطنيا أدى الى نتائج وأصبح الأمر دوليا حينما توجوا وتوجنا كلنا بجائزة نوبل للسلام، ان الحوار الذي أشرفت عليه هذه المنظمات كان من أجل ماذا، كان من اجل إتمام عملية التأسيس وما كان ذلك ليتم دون صياغة الدستور فلولا الحوار ما تم الدستور ولولا الدستور ما تم التأسيس ولولا الرباعي والإرادة الدولية لما حصل كل هذا..

ان هذا يعني عندنا أن هذه المنظمات هي المسؤولة عن الدستور أخلاقيا ومدعوة للدفاع عنه قبل غيرها بكل علاته وهناته وأعطابه ان وجدت وهي موجودة وان لم يكن بالصورة التي يروج لها، ثم هي مدعوة لاتمام عملية تطبيق الدستور واتمام الهيئات التي نص عليها فما معنى ان يتنصل هذا الرباعي من المسؤولية في الدفاع عن كل هذا اننا ان كنا نفهم حتى ما لا يفهم حينما تتكاسر الأحزاب وذلك لمنفعيتهم المفرطة وانشدادهم الى الرباط الأيديولوجي فإننا لا نفهم حتى ما يمكن ان يفهم فليس هناك أمرا يقبل من طرف الرباعي المشرف على الحوار لأننا لولاهم لما وثقنا بالسياسيين ولولاهم لما قبلنا الدستور أصلا اننا قبلناه بسببهم اننا نخشى ان يكون سلوكهم هذا ايديولوجي من نوع آخر في غير مواقفه المعلنة…

اننا نريد أن نسمو بهم عن هذا لانهم خيمتنا الجامعة وهذه الأبعاد الأيديولوجية وان كانت حاضرة فلا نعتقد أنها متمكنة منهم حتى تصبح قاعدة العمل عندهم ولعل ما يمكن ان نعده مُبررا لما حصل هو أن عملية التتويج قد انستهم اضواؤها في حيثيات هذا التتويج وأسبابه.

اننا نذكرهم انهم توجوا بسبب اعمال حصلت ووقائع محددة انهم توصلوا الى هذا العقد الجامع الذي هو الدستور بعد أن سُويت خلافات وحصلت توافقات واسست لذلك لجنة التوافقات التي أشرف عليها هذا الرباعي نفسه وكان لها الفضل في الصياغة النهائية لهذا الدستور انه يجب أن لا  يصيبهم التراخي والرضا عن النفس ويجب ان يكونوا من أصحاب النفوس الطويلة والصدور الواسعة السامعة لكل الآراء حتى لا نغسل منهم أيدينا كما غسلنا على طيف واسع من السياسيين اننا في تونس نشعل الحريق ونتساءل عن قادح ناره وهذا يعود في رايي الى دوائر غير منتجة من قبل الانانية المفرطة والتمترس وراء الذات، وهي امراض بقيت تلازمنا من الايم الخوالي أيام البطش والاستبداد ولم تخلصنا الثورة منها ان الاتحاد العام التونسي للشغل اصر على الحوار وقام بمبادرة لخارطة الطريق ولكنه وجد صدا ونعتقد ان ذلك يزيده تحفيزا على طرق باب الحوار دائما وندعوه في راينا الى عدم الاصطفاف كما يدعوه كثير من الناس (منها ما جاء في مقال مصدق الشريف اذ اعتبر ان على الاتحاد ان يقف مع 25 جويلية لأنه مكلب العمال والكادحين)، وعليه أيضا ان يتنبه واننا اذ نقول ذلك نظرا لثقتنا به الى الدفع بالمسالة الى المدار الأيديولوجي فلا يعتبر المسالة ثأرا من طرف سياسي وانتصارا لطرف آخر وهو في هذا الوضع يكون في وضع البراءة الحقيقية أي خارج دائرة البراءة المفترضة…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق