الجزائرالمغربتونسدراساتشؤون مغاربيةليبياموريتانيا

العلاقات المغاربية/المغاربية: واقعها ومُستقبلها في أفق نهاية 2021؟ (ج2 والأخير)

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

في عالم ينبني موضوعيا على التكتلات والصراع على مناطق النفوذ الاستراتيجية،تعيش البلدان المغاربية علاقات مضطربة فيما بينها وخاصة في ظل تواصل الخلاف الجزائري/المغربي منذ سنة 1994 (ومضاف اليه تنامي الخلافات حول موضوع الصحراء وغيره من الملفات)،ورغم أن كلفة “ألَّا مغرب” عالية جدا على مستقبل الشعوب المغاربية وعلى اقتصاديات تلك البلدان وسط ظروف عالمية صعبة مناخيا وصحيا وسياسيا وخاصة في ظل توغل دولي واقليمي في القارة السمراء وإمكانية اشتعال صراعات مستقبلا بناء على ذلك التوغل، وكل ذلك يطرح أسئلة مهمة ورئيسية حول آفاق ومستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية في أفق نهاية السنة الحالية…

في الجزء الأول من هذه الدراسة[1]، تعرضنا الى النقاط والمواضيع التالية:

  • واقع علاقات كل بلد على حده مع بقية الدول المغاربية…
  • استعراض أغلب متغيرات الإقليم وآثارها على مستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية…
  • 2– في هذا الجزء الثاني والأخير نستعرض ما يلي:
  • التطورات الجارية جيو سياسيا في محيط المنطقة المغاربية خلال الأشهر الأربعة الماضية…
  • التطورات الجارية في البلدان المغاربية خلال الأشهر الأربعة الماضية…
  • مستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية في أفق نهاية 2021…

 

 **التطورات الجارية جيو سياسيا في محيط المنطقة المغاربية خلال الأشهر الأربعة الماضية 

1- المتغيرات الجيوسياسية التي جرت منذ أربعة أشهر في محيط المنطقة المغاربية متعددة على غرار تلك الناتجة عن التكيف مع تنزيل السياسة الخارجية للرئيس “بايدن”ومن بينها توضح التباين وصراع النفوذ مع الإيرانيين والروس في الشرق الأوسط وشمال وغرب القارة السمراء من جهة واحتداد الصراع الاستراتيجي مع الصين في كل العالم وخاصة في افريقيا…

2- مؤثرات الحدث الافغاني جيو سياسيا، كانت كبيرة وخاصة على المنطقة المغاربية وهو ما أفردناه بدراسة خاصة سبق نشرها مباشرة بعد الحدث الأفغاني[2]، إضافة الى ضبابية تشكل المحاور الإقليمية عبر اعادة ترتيب العلاقات بين دول الخليج العربية،وبعدها مؤتمر بغداد وقبل ذلك محاولة تشكيل محور الشام الجديد وأتت قبلها وفي سياقها محاولات التقارب المصري التركي…

3- زيارات“طحنون بن زايد” لأنقرة والدوحة وظهوره في أحد المنتجعات السياحية مع ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” والأمير القطري “تميم”، كلها خطوات وتطورات رسمت وسترسم تحالفات جديدة وهادئة في داخل وبين الدول المغاربية تأثرا بتلك التطورات اقتصاديا وسياسيا وبحثا عن التكيف مع التحركات الأمريكية في شمال افريقيا وغربها…

4- سيبحث فاعلون سياسيون واجتماعيون مغاربيون عن التعاطي مع المتغيرات الثقافية والتكنولوجية والناتجة عن انتفاء التباين بين المحورين الإقليميين السابقين (القطري/التركي – المصري/السعودي/الاماراتي) وعن ترتبات التطور التكنولوجي الهائل والمؤثر في خيارات الناخبين (سياسات التأثير وصناعة الراي العام عبر القرصنة الالكترونية ومنطق “الروبو”) إضافة لمؤثرات الذكاء الاصطناعي واستعمالاته المختلفة على بناء التحالفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن ثم تأثيراتها السياسية…

** التطورات الجارية في المنطقة المغاربية خلال الأشهر الأربعة الماضية

عديدة هي الأحداث والتطورات التي جرت منذ بداية جوان/يوينو الماضي (تاريخ نشر الجزء الأول من هذه الدراسة) في بلدان المنطقة المغاربية ولعل أهمها:

1- الجزائر: وتتمثل أهم تلك التطورات في اجراء الانتخابات البرلمانية في 12 جوان/يونيو الماضي والتي تم بناء عليها تشكيل حكومة وحدة وطنية والتي شكلتها أحزاب “جبهة التحرير الوطني” و”التجمع الوطني الديمقراطي” و”تكتل المستقلين” و”حركة البناء الوطني” (إسلامي) و”جبهة المستقبل” مقابل بقاء “حركة مجتمع السلم الإسلامية في المعارضة، أما بقية الأحزاب فلم تتحصل كما هو معلوم على أي نسبة تذكر، وعرفت الجزائر أيضا طيلة الفترة الماضية تحولات سياسية هادئة على غرار إقرار اجراء انتخابات محلية وجهوية نهاية السنة الحالية وتم عمليا إعادة رسم التحالفات في أهم مؤسسات الدولة السيادية وعودة بعض الفاعلين الرئيسيين في حقبة بوتفليقة على غرار وزير الخارجية “رضوان العمامرة”، كما تم تكليف أهم رجال المخابرات السابقين بجهاز خاصة لمكافحة الإرهاب والتطرف(أساسا التصدي لتنظيمي “الارشاد” و”الماك”)، أما خارجيا فقد استعادت الدبلوماسية جزء من فاعليتها ونجاعتها السابقة بعد أن كانت شبه مشلولة بين سنتي 2014 و2020، فيما تم قطع شبه رسمي للعلاقة مع المملكة المغربية وتطوير وتنمية العلاقات مع موريتانيا ومتابعة مستمرة للتطورات في كل من ليبيا وتونس (خاصة بعد حركة/انقلاب 25 جويلية/يوليو الماضي)…

2- تونس: وتتمثل اهم الأحداث داخليا في قيام الرئيس بالإعلان عشية 25 جويلية/الماضي عن اجراءات استثنائية وسمها البعض فقط في البداية بالانقلاب (تغيير المعادلات السياسية بأدوات غير سياسية)، ورغم القبول الأولي بذلك من قبل أطراف سياسية واجتماعية إلا أن الكلتقريبا قفز لاحقا من المركب “الانقلابي” وخاصة بعد خطوات 22 سبتمبر الحالي والتي وسمها معارضي الرئيس بغير المقبولة ولا الدستورية، حيث أسقطت كثير من الجماهير المنتفضة مقولة “التفويض الشعبي” مثلما أسقطت تحركات 18 سبتمبر سردية ما سمي بالتصحيح أما بعد تحركات 26 سبتمبر فقد بدأت عمليات تشكيل التحالفات ضد الانقلاب ومن ثم المناداة بحلول دستورية وتوافقية وضمن إطار دستور 2014 ، أما خارجيا فان الرئيس سعيد ووزير خارجيته لم يستطيعا التسويق للخطوات المتخذة وصواب ما أقدم اليه في المراحل الثلاث ( 25-07 ثم 22-08 وأخيرا 22-09)، وهو ما توضح في مضمون تقارير صحف فرنسية والمانية وامريكية يوم 27-09 الحالي ومن خلال برنامج مقبلات “الأفريكوم” في تونس وفي المنطقة المغاربية يوم 28-09-2021…

3- ليبيا:وتتمثل التطوراتخلال الأشهر الأربعة الماضيةفي ترتيب جملة القضايا والاشكالات الناتجة عن فترة الصراعات والتباينات (2014-2020)، وتم فعليا تجاوز الكثير من الخلافات المتبقية حيث تم فتح الطريق الساحلي الرباط بين المنطقتين الشرقية والغربية إضافة الى مباشرة حوارات بين حكومة “الدبيبة” وبرلمان طبرق رغم تواصل المناكفات وإصرار العسكري المتقاعد “خليفة حفتر” وجزء من حلفائه الاستقواء على الدولة الليبية واستعمالهم للغة التجاذب الفكري والسياسي مع اسلاميي ليبيا وحلفائه في المنطقة الغربية،كما تواصلت الخلافات وتسجيل النقاط حول الأسس الدستورية وشروط الترشح للاستحقاقات الانتخابية بشقيها الرئاسي والتشريعي وصولا لانفراد برلمان طبرق قبل أسبوعين بجزء من تلك القوانين وسحبه للثقة من حكومة “الدبيبة”، وهو الأمر الذي انقلب عليه وعلى حلفائه محليا وإقليميا ودوليا حيث خرجت المسيرات الحاشدة في كل من طرابلس ومدن الساحل الغربي وحتى في طبرق بالذات، كما أعلنت مواقف دولية منتقدة لتلك الخطوة وهو ما جعل المجلس الرئاسي يُبادر لتقديم حل عبر الدعوة لتوافقات في الداخل وعقد مؤتمر دولي داعم لإجراء انتخابات 24 ديسمبر المقبل…

4 -المغرب: وتتمثل تطورات الأشهر الماضية في دخول المغرب في مناكفات مع دول أوروبية مثل “ألمانيا” و”اسبانيا” وأخرى مع الفرنسيين، إضافة الى خلافاته مع “جنوب افريقيا” و”الجزائر”، أما في الداخل وقبل 08 سبتمبر فقد عرفت التباينات في آليات رسم المشهد السياسي ولتحدث التغييرات الكبرى إثر اعلان النتائج والتي كانت غير مسبوقة بحيث تم معاقبة الناخبين لحزب “العدالة والتنمية” الإسلامي وبشكل أكثر مما كان متوقعا، وهو ما جعل المراقبين يربطون بين ذلك وبين ما حدث سابقا – أي عقلية أن الدولة العميقة هي التي رسمت مشهدا تريده- وهو أمر حتى لو صح بنسبة كبيرة فانه ارتكز لأخطاء قاتلة للحزب الإسلامي في فترة حكمه وقياداته للتحالف الحكومي في 2011 و2016 وأيضا بناء على واقعية مؤثرات الإقليم وخاصة مما جرى في تونس من تداعيات لحدث 25 جويلية/يوليو الماضي…

5- موريتانيا:وتتمثل التطورات المسجلة خلال الأشهر الأربع الماضية في استمرار التقارب مع الجزائريين والتحالف معهم في المنطقة وبناء علاقات اقتصادية كبرى معهم مقابل تراجع كبير للعلاقة مع المغرب -رغم وضع حجر الأساس للسفارة الموريتانية في الرباط خلال الايام الماضية-كما أن موريتانيا تراجعت عن سياسة الاصطفاف الإقليمي التي اتبعها الرئيس السابق”ولد عبد العزيز”، أما في الداخل الموريتاني فان أهم التطورات الجارية تتمثل في القيام بإجراءات لتحسين الخدمات الاجتماعية في العديد امن لمناطق (تحديث البنية التحتية –تطوير الكهرباء – التصدي لغلاء المعيشة ومحاولة الحد من ارتفاع الأسعار)

** حول مستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية

1- لا يُمكن تغييب أن السياسات الاستعمارية السابقة والتي لا تزال حاضرة في جزء منها في فعل وذهنية صانع السياسيات الدولية تتعاطى مع المنطقة المغاربية على أساس انها وحدة كاملة وان أي حدث في أي بلد مغاربي لابد له ما يتبعه في بقية البلدان، ورغم عدم وَعي النخبة المغاربية بكلفة “ألا مغرب” قائم أساسا على عدم الوعي بتلك الحقيقة، والا ماذا يعني تماهي التوتر بين المغرب والجزائر زمنيا مع بداية ملامح توتر ليبي تونسي رغم ان هذا الأخير مرتبط برسم المشهد الإقليمي وأنه كان خلافا مرحليا وتكتيكيا؟

2- لم تتوضح بعد معالم بناء المحاور الإقليمية وبقيت هناك ثلاث فرضيات رغم أن فرضية قيام محورين اقليميين: أول بقيادة “تركيا” وثان بقيادة “مصر” على أن تقوم العلاقات بينهما عبر توازن وتماه في قضايا الشرق الأوسط على عكس العلاقة السابقة بين المحور “القطري/التركي” والمحور “السعودي/المصري/الاماراتي”، وكل ذلك يعني أن مستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية سترتكز في أبعاد عدة لطبيعة المحاور الإقليمية باعتبار أنها أذرع إقليمية وسيطة وربما وظيفية لتنزيل السياسات الدولية سواء كانت مرحلية وتكتيكية او هي طويلة المدى في التنزيل سواء كانت مرسومة سابقا أو أخرى بصدد الرَسم والبنَاء…

3- ستتغير علاقات كل بلد مغاربي عن باقي البلدان الأربع المغاربية المتبقية:

  • الجزائر، في أفق 2021 ستَتراوح سياسات البلد تجاه المغرب بين التوتر والتبريد للخلافات القائمة منذ 1994 وستطغى معادلات الداخل والتوازنات بين مراكز القوى على العلاقة بين الشقيقين/اللدودين في حين ستَبحث الجزائر عن دعم علاقاتها الاستراتيجية مع “موريتانيا” و”تونس” و”ليبيا” مع الحذر التكتيكي مع البلدين الأخيرين من حيث تشكل المشهد السياسي داخلهما والتوقي ومراقبة أي تدخل أي أطراف اقليمية او دولية فيهما دون مراعاة مصالح الجزائر فيهمالأن البلدين سيمثلان عمقا استراتيجيا للأمن القومي الجزائري…
  • تونس: رغم الازمة السياسية الحالية وغير المسبوقة منذ ثورة 2011 فان السياسة الخارجية التونسية حافظت على الكثير من كلاسيكياتها وآلياتها الاعتيادية منذ الستينات ورغم محاول القصر الرئاسي افتكاك الكثير من الصلاحيات فان الوزير “الجرندي” حافظ على مواقف تونس المفترضة في علاقة بالدول المغاربية وان بدت مواقف الرئيس حسب البعض مربكة للعلاقة مع ليبيا مثلا فان علاقات تونس مع موريتانيا والمغرب والجزائر بدت عادية وتخضع لمنطق الاخوة والجيرة، ومن المرتقب ان تتطور العلاقة مع كل البلدان المغاربية الى درجاتها العليا غداة حل الازمة السياسية الراهنة وخاصة بعد سقوط منطق الانقلاب وقفز الجميع من مركبه…

[1] نشر الجزء الأول من الدراسة بتاريخ 03 جوان/يونيو 2021 على صفحات أسبوعية “الرأي العام” التونسية

[2] انظر مقال الكاتب “التحول الجيو سياسي في افغانستان ومؤثراته على المنطقة المغاربية” أسبوعية “الرأي العام” التونسية بتاريخ 19-08-2021 ص 20-21 ونشر المقال أيضا في موقع “المغاربي للدراسات والتحاليل” بنفس التاريخ…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق