المغربتحاليل

المغرب : تجربة العدالة والتنمية.. نهاية أطروحة ونكسة مشروع (3): الريسوني وأطروحة التمايز

يقدم الكاتب والإعلامي، والعضو سابقا بالمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، ماهر الملاخ، دراسة في مسار حزب المصباح  وأسباب الخسارة التي لحقته في الانتخابات التشريعية والانتخابية الجماعية والجهوية التي جرت يوم الأربعاء 8 شتنبر. هذه الدراسة تنشرها جريدة “العمق” على حلقات.

الحلقة 03 

الريسوني: أطروحة التمايز في سبيل تحقيق التوازن (1996-2003):  

في السنة الأولى لحركة التوحيد والإصلاح، أي سنة 1997، تم تشكيل هياكل الحركة عبر الانتخابات الداخلية. غير أن المفاجأة تمثلت في كون المواقع المفصلية في الهيكلة التنظيمية الجديدة قد آلت لتيار التمايز. مع أن عددهم كان أقل بكثير من عدد التيار المقابل. إلا أن كفاءة نوعية من التيار الأول، سوف تغيب عن المشهد، في ذات السنة، بعد حادثة سير قاتلة. ويتعلق الأمر بعبد الزراق المروري رحمه الله، الذي خلف غيابه إضعافا كبيرا للتيار الأول، كونه كان ذا رصيد تواصلي نوعي كبير، خاصة مع اليسار المغربي، والرموز الوطنية التاريخية.

غياب، لا يزال العديد من المناضلين اليوم يتحدثون عنه بارتياب شديد. إلى الحد الذي جعل الدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو الذي كانت تربطه به علاقة خاصة، يعبر عنه صراحة أثناء الكلمة التأبينية التي ألقاها.

تقادح الأطروحتين

كان عبد الرزاق المروري، قبل مقتله، يرأس تحرير جريدة السبيل ثم جريدة الصحوة بعدها، فيما أدارهما المصطفى الرميد. وقد ظلت جريدة الصحوة خاصة تعبر عن أطروحة التمايز، فكانت تدافع باستمرار عن مشروع “الملكية البرلمانية”، وما تستلزمه من تعديل دستوري، إن من خلال افتتاحياتها بقلم رئيس تحريرها، أو بمقالاتها المتعددة التي كانت تنفتح على جل الاطياف السياسية التي تتبنى ذات الطرح.

وفي المقابل، كانت جريدة الراية، برئاسة بنكيران ثم محمد يتيم، تعمل على تكريس الأطروحة المقابلة، بنفس الحماس والتفاعل، رافضة المس بأي صلاحيات ملكية أو تعديل للدستور. لقد مثلت تلك اللحظة، مثالا نادرا في التاريخ السياسي بالمغرب، حين كانت هيأة سياسية واحدة، تعبر عن أطروحتين مختلفتين في ذات اللحظة، عبر منبرين إعلاميين متباينين. الأمر الذي كان يخلق ارتباكا كبيرا داخليا وخارجيا، مما سيدفع حركة التوحيد والإصلاح، لاتخاذ قرار توقيف صدور الجريدتين، واعتماد منبر واحد وهو الذي صبح يعرف بـ: جريدة التجديد، وذلك في نوفمبر 2001.

توحيد المنبر الإعلامي سيكون له دور المموه على حقيقة استمرار تصارع الأطروحتين، على مستوى مواقع الحزب والحركة وبقية الهيئات الموازية لهما. لكن ذلك التمويه لن يدون لأكثر من سنتين، لتظهر حقيقته بقوة على السطح.

علاقة الحركة بالحزب

منذ تأسيسها، ظلت حركة التوحيد والإصلاح، برئاسة أحمد الريسوني، تمثل العمق الفكري والتربوي للحزب، كما مثلت الرافعة الحقيقية لمشروع العدالة والإصلاح. فكان الحزب يلجا للحركة لمده بالشباب والكفاءات، مع أن معظم المنتمين للحركة كانوا في البداية ضعيفي الحماس في اتجاه الاشتغال ضمن هياكل الحزب..

إذ كان معظمهم لا يرى فيه إلا استلابا واستنزافا للطاقة وللبعد الروحي والتربوي، الذي دأبوا عليه في الحركة. كما كان الفريق البرلماني، الذي كان قد بلغ اثنا عشر نائبا، دائم الرجوع للحركة، لأخذ مشورتها في مجموعة من القضايا، وطلب دعمها في العديد من المحطات التعبوية. ومن ذلك مثلا الموقف من مقترحات قوانين القروض الصغرى والبيع بالأجل، ومشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية.

هذا الأخير الذي أظهرت فيه حركة التوحيد والإصلاح قدرتها البالغة على التعبئة والحشد، للتعبير عن رؤيتها قضايا تهم الحياة التشريعية التي يخوضها الحزب. هذا الواقع سيبدأ في التغير شيئا فشيئا، مع توالي الاستحقاقات الانتخابية، الواحدة تلو الأخرى، مع تضخم حجم الحزب، وسرعة حركته وكثافة التزاماته: حيث التحق منتمون جدد للحزب، لم يعودوا يرون في الحركة غير الالتزامات التي لا تغذي طموحهم في الظهور والتصدر، والانتفاع من الامتيازات المصاحبة. وقد كان أبرز من استفاد من هذا التوجه الأخلاقي الجديد، رئيس شبيبة الحزب حينذاك، إلى درجة كان قد مارس خلاله ما يشبه الاستقطاب والاستقطاب المضاد بين شبيبة الحزب، واللجنة التلاميذية للحركة.

ومع أن التمييز بين الدعوي والسياسي قد فرض نفسه على طبيعة عمل كل منهما، وتم التمييز بين القيادات العليا هنا وهناك، حيث تم التنصيص على عدم الجمع بينهما (ورقة: “مسألة الوصل والفصل” كما نصت عليه ادبيات الحركة).. إلا أن الحركة ظلت مع ذلك تحافظ على حضورها المعنوي والميداني عند كل محطة من محطات الحزب الفاصلة. ويمكن تحديد المدى الزمني لهذه المرحلة فيما بين 1996و 2003.

خلال تلك الفترة كلها، كانت أطروحة التمايز هي الغالبة، مع الميل إلى اعتماد نوع من التوافق في القضايا الكبرى: وباستثناء الموقف المبكر للحركة من دستور 13 سبتمبر 1996، فقد كانت معظم القضايا التي تتعاطاها ذات طبيعة أخلاقية وهوياتية، تبعا لطبيعة المرحلة وبساطة التجربة: ومن ذلك إصدار بيان “موقف المذهب المالكي من الاحتفال برأس السنة الميلادية”، وهو ما جعل السلطات حينها تبعث رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى رئيس الحركة احمد الريسوني.

وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ودخول المغرب ضمن الدول الداعمة للسياسة الأمريكية في محاربة الإرهاب الدولي، ظهرت مجموعة من الخروقات الحقوقية ضد فئة ما كان يصطلح عليه بـ”السلفية الجهادية”، مما دفع كلا من الحركة والجريدة والفريق البرلماني للحزب، برئاسة المصطفى الرميد، إلى تبنى ملفاتهم حقوقيا وقضائيا. وهو ما ضاعف من حنق السلطات على ذلك التوجه.

كان زعيم تيار التماهي، عبد الإله بنكيران، لا يخفي انزعاجه الشديد، فاتخذ حينذاك، موقع التراجع إلى الخلف، والاحتجاج من بعيد على توجه الحركة، الذي، حسب رأيه، سيقضي على المشروع برمته، وذلك بتخريب كل محاولات بناء الثقة بين الإسلاميين والمؤسسة الملكية، والتي دأب هو على بنائها منذ إعلانه “التوجه الجديد” سنة 1982.

فقد كانت كل مقترحاته حينها تبوء بالفشل: ابتداء من عدم تبني موقف الموافقة على الدستور، ومرورا برغبته في الترشح في انتخابات 1997، ثم المشاركة في حكومة اليوسفي في ذات السنة، و بموقفه في الاستمرار في المساندة النقدية سنة 2000، ووصولا إلى التبني الحقوقي والرقابي لملف السلفية الجهادية. :

المصدر :  العمق المغربي بتاريخ 19 سبتمبر 2021

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق