تدويناتتونس

“شماتة الجهاديين بحركة النهضة في تونس” ..

✍ د. “محسن السوداني”

تحت هذا العنوان جاء مقال لباحثَيْن في معهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى هما “هارون زيلين” و”ريتشارد بورو”
.. يسرد المقال مواقف لرموز وقادة من الحركات الجهادية تدور إجمالا حول المعنى التالي: لن يقبل العلمانيون التونسيون المتطرفون ومن يدعمهم من القوى الغربية بأي وجود للمنتظم السياسي الإسلامي في تونس .. فمهما قدمت النهضة من تنازلات ومهما أبدت من مرونةٍ وتكيّفٍ فإنها لن تلقى القبول أبدًا .. لَكَأَنّهم يقولون إن النهضة كانت ضحيّة المبالغة في التسامح .. هناك إفراط في الإعتدال ..
هذه الفكرة شديدة وقاسية .. إنها لُغم .. لكن الجهاديين يجدون لها مسوّغات في الواقع .. وتأصيلًا في النصّ ..
أمّا مسوّغاتها في الواقع فإنها تتمثل في الإنقلابات المتتالية التي أقدمت عليها نخبٌ عربية مدعومة من المستعمر القديم .. انقلابات بدّدت الأمل وغذّت اليأس ومهّدت للتطرّف .. من الأراضي المحتلة حيث انقلبت السلطة الفلسطينية مدعومة بالكيان الصهيوني على نتائج الإنتخابات التشريعية التي فازت بها “حم-اس” سنوات خلت .. مرورًا بمصر حيث انقلب “السيسي” على الإخوان وقتل آلافًا في ساعات .. وسجن رئيسا منتخَبًا حتى الموت .. إلى تونس حيث استولى رئيس الجمهورية على كل السلطات .. وأغلق مقرَّيْ الحكومة والبرلمان وحاصرهما بالدبابات ..
كل هذه الأمثلة تؤكد في نظر الجهاديين معنًى واحدًا : الديمقراطية خيار فاشل مع النخبة العربية .. والرهان عليها كالكتابة على الثلج .. ولن يقبل بها العلمانيون والمُعادون للإسلاميين إلا إذا كانت نتائجها لصالحهم .. الجهاديون يقولون للنهضة : أنتم لا تنافسون مثقّفين بل عساكر في أزياء مدنية .. أنتم لا تقارعون مشاريع سياسية بل مشاريع انقلابية .. أنتم لا تواجهون رجالَ فكرٍ وفنٍّ .. بل تقارعون استئصاليين يلبسون ربطات عنق .. ويكتبون عن الحداثة والتنوير .. عملاءَ ووكلاءَ للإستعمار لا يفهمون إلا لغة القوة .. دعكم من القلم واللسان وتقلّدوا البندقية .. هكذا يتكلّم العقل المتطرف الذي يجد في الإنقلاب وحكم الفرد ما يبرّر تشدُّدَه ويغذّي جنوحَه وجنونه .. الإنقلابات تقتل السياسة وتخلق أرضية خصبة للتطرّف .. الإنقلاب هو داعش “التنوير والحداثة” ..
وأمّا تأصيل تلك الفكرة فيتمثل في استدعاء المقدّس .. دور المقدّس هنا أن يفسّر الأحداث ويلهب المعركة .. إنه يرفع المعركة من الأرض إلى السماء .. إنّه وقود خطير سريع الإلتهاب .. إذا ما تسرّب إلى دروب السياسة أشعل المنافسة وحوّلها إلى اقتتال .. حركة النهضة عملت على أن لا تقع في هذا المحظور .. حتى تُبقي الإختلاف في الدائرة المدنية وتجنّبه اشتعال المقدّس وتظل المنافسة جارية في دروب التواضع الإجتماعي والسياسي .. لكن الإنقلاب وفّر للتطرف مبرَّرا لطعن الخيار الديمقراطي المدني في مقتل .. وتسبّب في أزمة ثقة يعسر علاجها .. وهكذا تقع قيمة الحرّيّة أسيرةً بين فكّي التطرّف الحداثي العلماني والتشدّد الديني السلفي .. “هارون زيلين” و”ريتشارد بورو” أكدا على أن الإنقلابات تقوّض الإيمان بجدوى الديمقراطية .. وتهَب الفكر المتطرف حجة قوية للتشكيك في قيمة الحسّ المدني .. وهو أخطر ما يمكن أن يصيب الوعي .. الخط الفاصل بين الإعتدال والتشدد هو الإيمان بقيمة الحرية .. وهذه القيمة على قدر من الأهميّة ما جعل الفلاسفة يماثلون بيننا وإنسانية الإنسان ..
في السجن حيث يعتصر الضيقُ والعذابُ الفؤادَ فيوشك المرءُ أن لا يرى غير الكفر بالمعنى وبالأمل خلاصًا .. يخوض المناضل السياسي معركة أخرى تختلف عن المعارك التقليدية حين يكون حرًّا .. إنها معركة الأفكار والخيارات .. حيث تتصارع داخل وجدانه جيوشُ الأمل والصبر والتسامح والعفو والهدوء والتريث مع جيوش اليأس والجنوح إلى رد الفعل والعَجَلَة والإنتقام .. يتقابل الجيشان ويشتبكان .. يخطب كل ممثّل عنهما ويستدعي من الحجج ويستنفر من المثيرات ما يقنع .. السيف والقلم .. الإنتقام والعفو .. الرحمة والقسوة .. الحرية والعنف .. كل الثنائيات تتقاتل داخله .. وتكتظّ النفس بالسِّجال .. كل المراجع تحضر: القرآن والأدب والسنة والشعر والحِكَمُ والأقوال المأثورة والتاريخ والمواقف .. معركة تدمي الوجدان .. تضغط عليه تخنقه وفي الأخير ترميه منهكًا إلى الحيرة .. وحده المفعم بالأمل يحسم الأمر ويختار الطريق الأوثق: الإعتدال .. الوسط الذي تشغله الآن حركة النهضة مع آخرين ممن يؤمنون بالإعتدال .. مهدّد بالفراغ .. والفراغ منطقة خصبة للتطرّف .. دور المثقفين التونسيين الذين يحترمون قيمة الحرية مهم جدا ..
المفكر الفرنسي “روجيه غارودي” يعتبر أن التشدد الديني والتشدد العلماني شيء واحد .. ندركه أحيانًا تحت مفهوم المقدّس .. وأحيانًا أخرى تحت مفهوم العقل .. الحكمة الإلَهية تعلّمنا أن الحياة ليست حسابًا دقيقًا .. ف”لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة”.. ذلك هو منطق الصرامة والعقل الأداتي الدقيق .. وإنما بخلاف ذلك يعاملنا الله بالرحمة والعفو .. ولذلك كان اللّين أفضل ..
الإنقلاب كما العنف .. ناجع وسريع لكنّ نَفَسَهُ قصير .. لا يطيق المسافات الطويلة .. ويظلّ قلِقًا متوجّسًا باستمرار لأنه ظالم .. الديمقراطية بطيئة وثقيلة لكنها واثقة وراسخة .. وتظل مطمئنة لأنها عادلة .. أن يُشْمتَ بحركة النهضة بسبب اعتدالها .. خير من أن يُشمتَ بها بسبب تشدّدها ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق