تحاليلشؤون مغاربية

التحول الجيو سياسي في افغانستان ومؤثراته على المنطقة المغاربية

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

** تمهيد

 

1- من المهم القول والتأكيد أن السياسة الخارجية الامريكية لم تتبلور معالمها الاستراتيجية رغم مضي 09 أشهر تقريبا عل دخول “بايدن” للبيت الأبيض، وهو أمر لم يحدث من قبل مع أي رئيس أمريكي سابق سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا، وهو أمر يعود الى ترتيبات استراتيجية أمريكية نتاج التمركز الجديد في الأردن وبناء على انسحابات جرت في أفغانستان وستجري في العراق أيضا مضاف الى ذلك إعادة بناء تركيبة المحاور الإقليمية وإعادة ترتيب أدوار الدول الوظيفية من العراق وصولا الى ليبيا وخاصة في الشرق الأوسط وفي منطقتي “شمال” و”غرب أفريقيا”…

 

2- المنطقة المغاربية (وشمال افريقيا أيضا) منطقة مرشحة لإعادة رسم سياساتها وعلاقاتها أمريكيا بحثا عن تحويل ملفات بلدانها الى ملفات نائمة ولا يعني ذلك عدم محوريتها وأنه لن تكون في تماه كامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية، وعي عمليا ستتأثر ولا شك بما جرى ويجري في افغانستان له مؤثراته الجيو سياسية على كل بلدان المغرب العربي بناء على مؤثرات تاريخية وعلاقاتية ودينية وحضارية…

 

3-  طبعا يجب عدم الانجرار الى لعبة صناعة العقول والتوجيه الممهنج والذي حصر التغيرات الجيو سياسية في افغانستان في مربع أن “طالبان” سيطرت على السلطة وان لذلك مخاطر وانعكاسات على كل العالم وذلك نتاج عاملين مهمين:

 

  • أولا،أن حركة طالبان هي حركة قومية الجذور والهوية السياسية وان تصنيفها كإسلام سياسي– بغض النظر على التحفظ على المصطلح ومدلولاته المستعملة في وسائل الاعلام وفي الدراسات البحثية)، فيه تعسف على الواقع والأحداث والتطورات…

 

  • ثانيا، أن ما حدث وإن كان فيه أثر مهم للعوامل والمؤثرات المحلية، فان الخبرة والحنكة الاستراتيجية دورا وموقعا لا بأس به من حيث الدفع والتخطيط والتنزيل، والقول ان الأمريكيين انهزموا امر فيه استبلاه كبير وما حدث وما استجد ليس هزيمة بقدر ما هو تكيّف وتطور وتماه مع المتغيرات ومن ثم توظيفها لخدمة الاستراتيجيات الأمريكية بعيدة المدى…

 

  • تجيب دراسة/قراءة الحال على سؤال مدى تغير المشهد السياسي في كل بلد مغاربي وكشف طبيعة وكنه المثرات العامة على كل المنطقة المغاربية…

 

** حقيقة ما جَرى في “أفغانستان”، وماذا سيتغير في لعبة الصراعات الدولية والإقليمية؟

 

1-  في قراءة ظاهرة وكلاسيكية أكد كل المتابعين والمختصين،أن الولايات المتحدة الامريكية قد انكسرت في أفغانستان ذلك أنها دَرَّبت وسلَّحت الجيش النظامي الأفغاني بأفضل الأسلحة والسؤال هنا هل كانت تعلم أنّه لن يصمُد – أي الجيش النظامي- أمام مقاتلي طالبان لمدة طويلة، وتلك القراءاتتُغيب وتخفي في الواقع حقائق أخرى عن تفاصيل وطبيعة الاستراتيجيات السابقة والحالية والمستقبلية للأمريكيين لا في أفغانستان فقط بل في كل العالم وقراءتها لمستقبل الصراعات والحروب وربما حتى العودة لمبادئ ولسن وسياساتها ما قبل 1945 حسب بعض المتابعين والاستراتيجيين، والثابت واقعيا وبالمُحَصِلة أن أمريكا قد سلَّحت حركة طالبانوهو ما يمكن أن يكون قد تم ذلك عبر دراسة لكل الفرضيات وخاصة بعد حوارات الدوحة وأسرارها وتفاصيلها….

 

2- من المهم انه وتبعا لكل ماس بق ذكره أعلاه أنه سيكون على الدبّ الروسي ترك الساحة الدولية و العودة إلى حماية الجمهوريات السوفياتية السابقة من المدِّ الطالباني أي ان روسيا مضطرة لحماية حواضنها (أوكرانيا- القرم …) وان ذلك سيكون اضطرارا وليس خيارا …

 

3- أما بخصوص إيران فسيتم وفقا للاستراتيجية الأمريكية دفعها للعودة إلى حجمها الطبيعي والاشتغال بحدودها الشمالية مع عدوتها السُنّيَة – أي حركة طالبان- وما يعنيه ذلك من استغراق في ترتيب عددا من الملفات الاقليمية في علاقة بذلك الموضوع ومؤثراته الراهنة والمستقبلية …

 

4- المارد الصيني سيكون عليه الانتباه مستقبلا خاصة وأن مُسلمي “الإيغور” الذين نَكَّلت بهم أصبح لهم جار سُنّي يلجؤون إليه، وهو ما سيضعف وضعها في ملفات أخرى كبرى في علاقة بالتوازن والصراع مع الأمريكيين…

 

5- كل الترتبات والمؤثرات السابقة لم ولن تخفي أن أمريكا انسحبت من أفغانستان وأنها خسرت الكثير الكثير بكل المقاييس ولكنها عمليا أصابت 3 أهداف برمية واحدةفي علاقة بروسيا وإيران والصين..

 

6- الخلاصة أن التوجه الأمريكي نحو “الانسحاب الاستراتيجي” لن يقف هناك بل سيتواصل بل وستكون المحطة القادمة “العراق” أيضا ولكن لن يكون ذلك الا بضمان وجود “قوة غير متناغمة مع إيران” قد تشكل بين “السنة” و “الاكراد”، أما سوريا فستشهد “انسحابا استراتيجيا” لكن لن يتم الا بضمان هامش تحرك أقل لروسيا في البلاد وفي شرق المتوسط عموما…

 

** المؤثرات الجيوسياسية للحدث الافغاني على المنطقة المغاربية

 

1- مما لا شك فيه أن كل المنطقة ستعرف متغيرات سياسية واقتصادية بناء على تطورات الإقليم وبناء على ان الحدث الافغاني ستكون مؤثراته عديدة على المنطقة المتوسطية وعلى دول الساحل والصحراء وهما المنطقتان اللتان على تفاعل يومي مباشر مع بلدان المغرب العربي بشكل يومي سواء جيو سياسيا أواقتصاديا أواجتماعيا وذلك نتاج المبادلات التجارية والثقافية سواء المباشرة او غير المباشرة…

 

2- المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها يفكرون منذ فترة طويلة في إعادة إعمار ليبيا وفي الحفاظ على مصالحهم في المنطقة المغاربية وفي دول الساحل والصحراء ومن بعد ذلك “التشاد، النيجر، ومالي” وصولا لبوركينا فاسو والدول المجاورة في غرب إفريقيا كما أن التدخل الأمريكي فيما يجري في تونس غير منقطع عن مصالحهم في كل المنطقة وفي ليبيا بالذات بل وفي كل البلدان المغاربية وهو ما يفسر تسارع وتيرة ذلك الحضور بالتوازي مع التطورات في أفغانستان…

 

3- المؤثرات السياسية المباشرة مغاربياستكون حاضرة وبقوة وخاصة في بنية وآليات وتفكير التيار الإسلامي المغاربي بمختلف تفرعاته:

 

  • أولا، بسبب أن بعض أحزابه حاضرة بقوة في السلطة والمعارضة في كل من البلدان الخمس وثانيا بسبب قرب المواعيد الانتخابية في كل من ليبيا والمغرب (سبتمبر في الثاني وديسمبر في الأول) وإمكانية اجراء سابقة لأوانها في كل من تونس وموريتانيا وترتيب لإجراء انتخابية محلية وجهوية في الجزائر …

 

  • ثانيا، بسبب أن المسار الديمقراطي مغاربيا وان تعثر، فانه أضبح قابلا للتطور بل وكانت له آثاره الكبير على الحوار الاجتماعي والثقافي بين الفرقاء السياسيين والاجتماعيين ومن ثم تنامي فكرة القبول بالآخر السياسي، وهو ما أضعف حضور التيارات الجهادية والمدخلية…

 

** المؤثرات المباشرة على البلدان المغاربية وعلى المشهد السياسي في كل منها

 

 

1- المغرب: في ظل تواصل معالجة السلطات لعلاقاتها المتوترة مع بعض البلدان الأوروبية (المانيا – اسبانيا …) والافريقية (الجزائر – جنوب افريقيا)، وبناء على قرب موعد الانتخابات التشريعية والبلدية فستعرف المملكة متغيرات كبرى سياسية واجتماعية وستكون لها آثارها على علاقاته افريقيا ومتوسطيا وعربيا واسلاميا وسيكون للحدث الافغاني ترتباتهغير المسبوقة على اسلاميي المغرب ونتائجهم في الانتخابات القادمة وأيضا على رؤيتهم لمستقبل المغرب ولمستقبل المنطقة وخاصة وانهم يتمسون بالواقعية والبراغماتية في حين ستتسم قراءات بعض نخب مغربية أخرى للحدث على أنه فرصة للتوظيف السياسي خلال المحطة الانتخابية، وفي كل الحالات سيتدعم الاستقرار في المملكة رغم الصعوبات الاجتماعية وتواصل الاشكال مع دول الإقليم حول موضوع الصحراء، ورغم عدم وضوح أي حزب سيرأس الحكومة بعد انتخابات سبتمبر المقبل في ظل تنافس الاحرار والعدالة والتنمية على المرتبة الأولى أو عدم حصول مفاجآت كبرى، فان موقع المغرب الإقليمي سيتدعم أكثر فاكثر وخاصة لو تم معالجة العلاقات مع الجزائر رغم تعقد الخلافات بين البلدين وخاصة منذ 1994 …

 

 

2- ليبيا: طبيعة الوضع السياسي والاجتماعي وغموض الخارطة وخاصة في المنطقة الغربية مضاف اليه تسارع وتيرة الترتيب للمحطة الانتخابية وغياب الاستراتيجيات المرحلية للفاعلين السياسيين سيجعل تفاعل الساحة الليبية مع الحدث الافغاني غير واضح المعالم سواء على التيار الإسلامي بكل مكوناته (حزب العدالة والبناء – تيار المفتي – الصوفيون –المداخلة ….)، وأيضا على التيار الليبرالي المنقسم على نفسه) ويمكن التأكيد أن أنصار القذافي يُغيبون آثار ذلك الحدث على البنية والذهنية السياسية على الليبيين وعلى حضور القوى الدولية المتنامي فيها نتاج حالة اطمئنان تغلب على سيف وانصاره والمقربين منه وفي ظل فكرة أنهم عائدون بقوة وان البعد القبلي سيكون حاسما في تصويت الليبيين لصالحهم وخاصة في تصور انهم يسيطرون على الفعل السياسي في المنطقة الشرقية وأنهم قد اخترقوا بقوة محيط حفتر العسكري والاجتماعي، والحقيقة أن الأمريكيين وهم الفاعل الدولي الأقرب للملف الليبي والمتحكم فيه يعون ترتبات ما حدث في “كابول” وباقي المدن الأفغانية على فعل الروس والإيرانيين والفرنسيين والأتراك في الساحة الليبية مستقبلا بل هم حسبوا له الف حساب بناء على ان استراتيجياتهم ربطت بين كل تطورات الإقليم وبهدف توجيه اعاقات للروس والصينيين والإيرانيين وهو ما اشرنا اليه أعلاه…

 

3- تونس:كما لاحظ كل المتابعين قوة التدخل الدبلوماسي الأمريكي الأخير وهي التي حدثت بالتوازي مع الحدث الافغاني وهو أمر فاجأ الجميع خاصة وأن البلد محسوب دوليا على الفرنسيين والاتحاد الأوروبي، والسبب طبعا هو ولا شك الحفاظ على المصالح وخاصة وأنالبلد يعتبر في ذهن واضعي الاستراتيجيات هي الممر المباشر نحو ليبيا بل ومدخل لكل المنطقة، أما السبب الثانيفهو بالنسبة للأمريكيين وجود دلائل كبيرة على تواجد و تحرك إيراني وروسي في البلاد وخاصة خلال انتخابات 2019 (بنسختيها الرئاسية والتشريعية)وهناك تقارير غير منشورة تشير حسب البعض لاختراق سيبرني كبير و استعمال تقنيات توجيه الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي وأساسا الفايسبوك لا في المحطة الانتخابية الاسبقة فقط بل وفي التطورات الأخيرة ( أي قبل واثناء احداث 25 جويلية/يوليو الماضي، واضافة الى ذلك يعلم الامريكيون بوجود صيني على الأرض عبر اتفاقيات اقتصادية و تعاون ثنائي من 2013 (بناء مستشفى صفاقس، و بناء الأكاديمية الدبلوماسية حاليا كمثالين للذكر لا الحصر)، والثابت أن أي حضور دولي يقوم أساسا على مبدأ “الحفاظ على المصالح الخاصة ودعمها” لا غير، أما تركيا فهي تتحرك ضمن الذراع الأمريكي-الأوروبي ولحصار اي دور للإمارات بالأساس، والثابت أن الحدث الافغاني وبناء عل كل ما سبق سيُعيد ترتيب الأوراق في المشهد السياسي بناء على إعادة ترتيب الصراع الدولي في كل المنطقة وليس في تونس فقط وبناء على ان كل الدول المتداخلة في الملف التونسي لها تقدير متفاوت لتواجد للديمقراطية في المنطقة و لوجود لتيارات الإسلام السياسي فيها والساحة التونسية ستتكيف مع الخطر القادم والذي يكمن في محاولة ضرب الجزائر و هذا ما سيجعل المستقبل مُتغيرا بشكل كبير في تونس، ومما لا شك فيه أن شهر سبتمبر سيكون استثنائيا وتاريخيا وأن مستقبلتونس سيكون على صفائح متحركة بشكل غير مسبوق او معهود من قبل…

 

4- الجزائر:سيتدعم الدور الإقليمي للجزائر سواء جنوبا في كل من مالي والنيجر وبعض البلدان الافريقية في غرب ووسط القارة إضافة لملفات إقليمية أخرى على غرار الملفين الفلسطيني واليمني، وستعود فاعلية ونجاعة الدبلوماسية الجزائرية بعد أن شلت بين سنتي 2014و2020 بل ومن المرتقب ان يلعب البلد دورا ولو محدودا في العلاقة بالسلطات الأفغانية الجديدة نتاج ارث فاعلية وقوة الجزائر في الملف الأمني الافغاني في تسعينات القرن الماضي، واما سياسيا فستجذر الحضور القوي للإسلاميين بالشراكة مع التيار الوطني داخل البرلمان (بغرفتيه) وخارجه وستكون المؤسسة العسكرية قادرة على رعاية العملية الديمقراطية ودفعها للتجذر ومن ثم حمايتها من الاختراق الاقليمي والدولي ومعلوم ان كل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وقادة المؤسسة العسكرية يعرفون ان بلادهم مستهدفة وهوما حدا بالجميع لترتيب آلية واستراتيجيات مواجهة المخاطر وبرامج التخريب والاختراق ومن ثم قراءة ترتبات ومؤثرات الحدث الافغاني وغيره من ترتبات الإقليم وتطورات الساحة الدولية…

 

5- موريتانيا: رغم غياب البلد من الحضور المباشر في الملفات المغاربية والافريقية والعربية، فانه مرشح على مدى متوسط للتأثر السياسي والاجتماعي بالحدث الافغاني نتاج ترابط العوامل المؤثرة في المشهد السياسي الموريتاني وبناء على جملة المؤثرات التي أشرنا اليها أعلاه على كل المنطقة المغاربية حيث من المرتقب تجذر اطروحات الإسلاميين الموريتانيين مقابل تدعم المسار الديمقراطي الموريتاني نحو الحوار بين النخب الموريتانية وخاصة في قضاي اجتماعية مفصلية، وفي وضع خطط تنمية طويلة المدى…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق