تونسرأي

القوى الإستعمارية وعملاؤها في تونس مع المال الخليجي دمروا كل أمل في تصحيح المسارات السياسية وتطوير النقاش الحضاري بين أبناء الوطن…

د أنس الشابي
صحيح أن الدستور التونسي يحتوي على نقائص لابد من تداركها وإصلاحها
وتجربة الحكم بثلاثة رؤوس أثبتت عجزها منذ السنة الأولى لحكم الترويكا، لكن هذا لا يعني ان نقبل بالتراجع عن مكاسب ثورة 2011 (أو ثورة “البرويطة” كما يحلوا تسميتها للبعض) من حرية وديمقراطية ونقبل بتأسيس نظام إنقلابي ديكتاتوري يعود بنا عشرات السنين إلى الوراء.
يجب أن نعترف نحن معشر أبناء تونس أن تعطيل مسار العدالة الإنتقالية والتطبيع مع منظومة الفساد والإستبداد وعدم تركيز المحكمة الدستورية وعدم تنقيح القانون الإنتخابي وتمدد دور الإتحاد العام التونسي للشغل وإشتغاله بالتدمير الممنهج للإقتصاد الوطني وضعف مردودية الإدارة التي تفشت فيها مظاهر الرشوة والمحسوبية ودور الإعلام الفاسد ونزوع سلوك التونسي عموما إلى المطلبية دون مقابل من جهد وعمل، كانت كلها عوامل كافية لتدمير أعرق الديمقراطيات في العالم والرجوع إلى سطوة الرجل الواحد وبطانته على كل مفاصل الدولة دون رقيب ولا محاسبة وبالتالي التحكم في رقابنا كيفما شاؤوا مع قتل كل أمل في أن تصبح تونس دولة متقدمة وعادلة يطيب فيها العيش.
نعم، حركة النهضة (رئيسا وهياكل من مجلس شورى ومكتب تنفيذي ومكتب سياسي) تتحمل القسط الأوفر من المسؤولية الأخلاقية في فشل مسار الإنتقال الديمقراطي رغم كونها لم تباشر المسؤولية التنفيذية في الدولة إلا لفترة قصيرة بعد إنتخابات 2011 عبر رؤساء حكومات عديمي التجربة وذوي أيادي مرتعشة غير قادرة على تنفيذ إستحقاقات الثورة ومطالب الشعب.
نعم هذه الحركة تمادت في أخطائها بعد ظهور نتيجة الإنتخابات في 2014 وهزيمتها حيث أنها لم تفهم رسالة الشعب وتشبثت بالمشاركة في الحكم عبر كتلتها البرلمانية ولكن هذه المرة في دور شاهد الزور مساندة في ذلك حكومة الباجي قائد السبسي (رحمه الله) أو بالأحرى حكومة الأغلبية البرلمانية لنداء المافيا والتجمع واليسار الإستاصالي.
نعم، هذه الحركة أعتبرها المسؤولة الأولى على رحلة التيه والضياع دامت عشرة سنين بين رئاسات ثلاث لا يجمع بينهم شيء حتى حبهم وولاؤهم للوطن.
نعم، هذه الحركة العريقة أضاعت فرصة البقاء في المعارضة الوطنية منذ 2014 ولم يبق لها الآن إلا الإعتراف بفشلها الذريع في ممارسة الحكم أو المشاركة فيه.
في المقابل، كانت الأحزاب السياسية غير مهتمة بالقيام بدورها داخل المجتمع وكانت تتقاذفها أمواج المصالح وتتواصل وتتخابر مع السفارات الأجنبية لمساعدة طرف ضد آخر ولم تسع إلى الإصلاح ولا إلى فتح حوارات فيما بينها حتى تستطيع مواجهة الخطر الداهم الحقيقي من جهل وفقر وفساد وجريمة منظمة وغير منظمة.
أما البرلمان فقد أصبح مثل السيرك وميدانا لا للتفاوض وإنما للتباغض والعربدة والفوضى إلى حد التقاتل بين بعض النواب. كل ذلك على مسمع ومراى الشعب التونسي المسكين
ولم تستطع مؤسسة رئاسة البرلمان القيام بدورها لإيقاف المهازل بين النواب من سب وشتم وصراخ على المباشر بوساطة الهواتف الذكية.
أما رئيس البرلمان فقد أثبت عجزه الكامل على أداء دوره وكان يعرف أن شخصه بذات كان مستهدفا من طرف خصومه الراديكاليين ولكنه فضل الخنوع للسيدة عبير موسي والسيدة سامية عبو والسيد منجي الرحوي والسيد فيصل التبني وغيرهم والتعامل مع الأزمات المتلاحقة بوسائل التكتيك والمراوغة وأسلوب الكر والفر، مهتما فقط بمسألة بقائه على رأس السلطة التشريعية ولم يقبل بفكرة التنحي الإرادي وتسليم مهامه لطرف آخر يكون أكثر حزما وعنصر تجميع لأكبر طيف من البرلمانيين.
أما الإعلام، فلقد كان في معظمه معرة الثورة حيث ساهم ببرامجه الحوارية في بث الفتن والكراهية والتشكيك والتشليك وساهم أيضا في الإفساد مع التعدي على الأخلاق الحميدة بإسم الحرية وحرية الضمير الفصل الوحيد من الدستور الذي طبق بحذافره!…
نعم، فعلا كان هذا الإعلام بمثابة المجرم الأكبر في حق هذا الوطن الجريح والمنكوب، يباع ويشترى من طرف جهات داخلية وخارجية، ينقل الأكاذيب، يبث الإشاعات بإسم كشف الحقائق، يدمر النسيج الأسري ويشيطن من يريد بدون رقيب ولا حسيب قائلا : “نحن إعلام الثورة ولن نقبل بالمس من حريتنا من أي جهة كانت”.
في الأخير وليس آخرا، نصل إلى مسألة قيس سعيد الرئيس، فظاهر للعيان أنه لا يمتلك رؤية واضحة للإصلاح والتنمية ومحاربة الفساد وكل برنامجه يحوم حول تأسيس الحكم المجالسي أو بما يعبر عنه حكم اللجان الشعبية وبالتالي إرساء نظام دكتاتوري مقيت مع حظر نهائي لمنظومة الأحزاب السياسية لممارسة السلطة والتداول السلمي عليها مثل كل الدول المتقدمة والمتحضرة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق