تونسرأي

أخطأت النهضة وأصابت وأخطأت!

أما “الأخطأت” الأولى، فهو في حرص النهضة على أن تكون شريكا أو داعما لكل الحكومات السابقة، فمهما كانت المبررات والأسباب فإنها أساءت تقدير مضار المشاركة في الحكم والموازنة الدقيقة بين إيجابياتها وسلبياتها. وأخطأت في غمرة المشاغل اليومية إذ وكلت أنصارها وناخبيها إلى وعي غير متوفر وتعفف غير مقدور عليه. وباسم المحافظة على “الشقف” لم تهتم بمعاناة “البحارة”، وبذلك وجد القراصنة الفرصة سانحة للسطو على المركب دون مقاومة تذكر! كما تحول بعض “البحارة” إلى أعوان للقرصان “الأعور”!
وكان فشل النهضة ذريعا في التواصل مع صفها ومع ناخبيها ومع عموم الشعب، حيث أنها لاذت بالصمت في مواجهة الشائعات وعمليات الهدم الممنهج، ولم تخبر الشعب بالتحديات والعراقيل ولا الضغوط المحلية والدولية. وكان أغلب تعاملها تكتيكيا آنيا أبعد ما يكون عن العمل الاستراتيجي المدروس. وأما إذا تعلق الأمر بإطلاع الناس على ما أنجز وتحقق فالفشل أشد وأنكى!
ولم تحسن النهضة تقدير مآلات الأمور التي تعيشها اليوم تقديرا مسبقا، وما تتعرض له من نقمة شعبية. ولم تفعل شيئا يذكر لدحض الاتهامات وتوضيح الصورة حتى يكون الناس على بينة من أمرهم!
فكان الإخفاق كبيرا وبعضه أو جله كان يمكن تفاديه بمصارحة الناس أو التخفف من أعباء الحكم!
وأما “الأصابت”، فأرى أن النهضة أصابت حين توافقت مع المرحوم الباجي لتجنيب البلاد حرب استئصال إيديولوجية، أعلنت صراحة وخطط لها من طرف “حلف الاتحاد من أجل تونس” وجماعة “الرز بالفاكية”! الذين تحدثوا عن إعادة النهضويين للسجون والمنافي أو تقتيل عشرين ألفا “لتطهير” البلاد منهم!
وقد أفلح الغنوشي يومها في نزع فتيل اشتعال حقيقي عبر اتفاقه مع الباجي، وهو الاتفاق الذي رعته فرنسا ولم تتبين ملامحه بعد!
وأصابت النهضة بعد انقلاب قيس سعيد على الدستور بتخطيط مصري إماراتي فرنسي لا تخطئه إلا عين الحول أو الدجل. فقد كان الموقف في بدايته صريحا لا لبس فيه بأن ما حصل انقلاب لا شبهة فيه ولا علاقة له “بإجراءات استثنائية” فرضها وضع طارئ!
فالأمر مخطط مبرمج وخطواته واضحة ومتتابعة بمكر ودهاء.
وأهم ما أصابت فيه النهضة حيال هذا الموقف هو دعوة أنصارها للانسحاب من الساحات وعدم المواجهة! رغم أن كثيرين اعتبروا ذلك جبنا، ولكن العقلاء حتى من خارج الصف النهضوي اعتبروا ذلك عين الصواب!
لأن المجرمين الذين خططوا للانقلاب وعلى رأسهم السيسي احتملوا فرضية واحدة وهي المواجهة! …. ومن يعد لخطاب اعلان الانقلاب يجد ذلك واضحا في كلام الطرطور “السيسافي” بأن “أطرافا” تعد الأموال من أجل بث الفوضى، وتوقع من نسج خياله أن يواجه انقلابه بالرصاص، وهدد بأن رصاصة واحدة “من الرافضين” ستواجه بوابل من الرصاص!
وقد أحرجه وأربكه وأربك أسياده ومخططيه عدم اختيار النهضة للمواجهة ونزع فتيل التناحر الشعبي، خاصة أمام ما أبداه أنصاره من حماقة وغباء واستعداد لإدخال البلاد في الفوضى والدماء!
فمن سألت دماؤهم أمام البرلمان هم الرافضون للانقلاب!
وسحبت النهضة بقرار عدم المواجهة مبرر الانقلاب في تمديد “الإجراءات الاستثنائية”!
والغريب أن بعض من يأمل في الانقلاب خيرا ويطالب بإعطائه فرصة لم يعجبه موقف النهضة وكان يتمنى أن تصعد وتواجه، وهو تناقض غريب! فمن جهة يدعو لمنح الفرصة للانقلاب لعله ينجح في إخراج البلاد من المأزق السياسي متوقعا أن يجني العسل من “بوفرززو”، ومعرضا عن قاعدة “فاقد الشيء لا يعطيه” ومن الجهة الأخري يدين النهضة لجبنها وعدم مواجهتها.
اختارت النهضة عدم المواجهة وهو قرار صائب فليست وصية على الثورة ولا على الحرية ولا على الديمقراطية، وقد قيل لمناضليها من قبل “ما قلنالكمش ناضلوا علينا”! …. وأحسنت إذ منحت الفرصة لثوريي الوقت الضائع كي يتداركوا ما فاتهم من نضال ويحموا الديمقراطية والحرية، أو يكونوا ظهورا طيعة يركبها الاستبداد، وجسورا للسيسي ونهيان يئدون بها حلم التونسين في العيش بحرية وكرامة!
مع قناعتي بأنه رغم التهري الذي سببته تجربة الحكمة وخيبة الآمال فإن النهضة مازالت سيدة الشارع، وتقديري أن كل الذين خرجوا يهتفون للانقلاب ويناصرونه في كامل تونس لا تتجاوز أعدادهم مسيرة النهضة يوم 27 فيفري 2021! ولكن الإعلام المأجور يقزم العمالقة و”يعملق” الأقزام!
دون أن أنكر الابتهاج الشعبي بإزاحة النهضة! ولكن ليس هذا موضوعنا الآن، فالشارع للتعبير عن الرأي وليس لتقرير المصير!
فأهم ما وصلت إليه الإنسانية من وسائل تنظيم الاختلاف بين الفرقاء السياسيين هو الاحتكام السلمي للصندوق مادامت العملية سليمة من التزوير!
أما الاستناد للشارع فكذبة كبرى، لأن كل جماهير تخرج لمناصرة أمر ما يمكن أن تخرج جماهير مثلها أو أكثر لمناصرة نقيضه، وهي دائرة شعبوية عبثية!
وحتى الزعم بكره الأحزاب والساسة والسياسيين فهو في حد ذاته موقف “سياسوي شعبوي” لا يطرح حلا غير الفوضوية والاستثمار في الغباء واليأس والحسد!
وأما “الأخطأت” الثانية للنهضة، فقد حصلت في بيان مجلس شوراها لدورته 52، وقد عدلت رأيي فيه بعد حوارات إذ رأيت في البداية أنه متوازن، خاصة وأنه سمى الانقلاب باسمه. ولكن لهجة البيان لم تكن بالحدة المطلوبة في وصف ما حصل بالوصف الحقيقي وفي التعبير عن رفضه.
فكان الخطاب “شاد العصا من الوسط”، ولا أدري لمن يوجه مثل ذلك الخطاب، فالشخص المعني به ثبت أنه مبرمج مثل الروبو، لا يغير مواقفه إلا إذا تغيرت برمجته!
والجهة المبرمجة لا تقبل نوعية خطاب بيان شورى النهضة ولا ترضى بغير وأد التجربة نهائيا حتى لا تتوق شعوبها للحرية!
أعلم أن السياسة في أغلبها الأعم ليست تعبيرا على مبادئ ثابتة ومواقف لا تتغير وإنما هي توازنات وتقديرات قد تتخالف وتتناقض حد التضارب حسب اللحظة وموازين القوي، ولا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة!
ومن زعم خلاف ذلك فقد جانب الصواب. ولكن الموقف السياسي الصحيح حسب تقديري هو رفض الانقلاب ووصفه بما يجب دون الدخول في مواجهة مع مؤسسات الدولة أو مناصريه لأنه معرض للفشل. وقد سبق موقفي هذا اجتماع النهضة وبيانها وعبرت عنه في مقال بعنوان “اتركوهم في التسلل” لأنني قدرت أن بأس أنصار الانقلاب سيكون بينهم شديدا، وسينقلبون على “زعيمهم السيسافي” عند أول منعطف من خيبة آمالهم وتبدد أحلامهم وأطماعهم، وقد بدأت بوادر ذلك تأتي من اجتماعات “لجانه الشعبية”!
أجزم أن أكبر ما يغيض الانقلابيين اليوم في الداخل والخارج هو اختيار النهضة عدم المواجهة فذلك يفقد مخططهم الانقلابي جدواه.
وذلك هو الموقف الاخف ضررا للنهضة ولتونس معا!
والله أعلم!
والسلام
طه البعزاوي
8 أوت 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق