تونسرأي

اتركوهم في التسلل!

طه البعزاوي
28 جويلية 202
من عرفني من أصدقائي يعرف أن ثقافتي الكروية قريبة من الصفر، ولكني سمعت مرة مدرّبا يقول: “إن اللاعب المتميز ليس ذاك الذي يملك مهارة في أرجله ولياقة في بدنه فحسب وإنما يحتاج ذكاء حادا ليعرف متى يخلي الميدان لخصومه ويتركهم في التسلل”!
أعلم جيّدا أن ما سأقوله تغلب عليه صفة الخواطر أكثر من أن تكون آراء ناضجة مدروسة!
منذ مواجهاتها الأولى مع بورقيبة وحتى آخر مواجهاتها مع نظام بن علي، كانت النهضة تواجه بمفردها وبشبابها فقط. وكانت دعوتها منذ 1981 إلى الحرية وإلى الديمقراطية واحترام إرادة الشعب حتى وإن اختار الشعب حكاما شيوعيين!
وآخر معاركها مع نظام بن عليّ كان عنوانها “فرض الحريات للجميع”! … ولكن الجميع إلا ما ندر تآمر ضدها واختار أن يكون شاهد زور على “ديمقراطية” بن علي بعقلية “عندما نتخلص من الإسلاميين ننعم بالديمقراطية وحدنا دون منافس” فكان الذي كان مما يعلمه الجميع وجمعت سجون بن عليّ الإسلاميين ومن ساند في ضربهم!
منذ قيام الثورة التونسية التي شاركت فيها أجيال، قالوا: ” الإسلاميون لم يساهموا في الثورة “أولاد الحفيانة” هم وحدهم من ثار، كأن الإسلاميون أولاد “ملاعق وخلاخل الذهب”!
فلما تحققت الحريات وبدأت الدولة تخطو خطوات وئيدة جدا للتصالح مع الماضي والتفكير بجبر بعض الأضرار التي سببها الاستبداد والتي لا يمكن جبرها، ارتفعت أصوات الحمقى “ما قلنالكمش ناضلوا علينا”!
نُعرض عن هذا السخف، فقد يطول فيه الحديث، ونقول لهؤلاء: “ها قد عاد الاستبداد، فدونكم وإياه صفقوا له اليوم وارقصوا وغنّوا، ويا خبر بفلوس بكرة ببلاش!
“تاو كيف اتطير السكرة وتحلّ الفكرة تعرفوا! … وتاو “كيف تِقْلُوا تِدْروا” … و”الضحك نهار السدوة”!!
وها قد جاءت فرصة “لثوريي الوقت الضائع” كي يبيّنوا لنا ثوريتهم في غير سب ّ النهضة وفشلها بعد إزاحتها من المشهد بالدبابة وليس بالصندوق! … ها أمامكم “مقابلة” كاملة بشوطين، وإن لعبتم جيدا قد تمددون حصص إضافية وضربات جزاء! … فأرونا ما أنتم فاعلون!
وعلى الناس الذين يحبون إزالة القاذورات بأيدي النهضة ثمّ يطالبون بقطعها لأنها أيادي وسخة، أن يبقوا في التسلل وأن لا تسمح لهم النهضة بهذه الفرصة ولا تسمح أن يقتلع الشوك بأيديها وحدها!
وخيرا فعلت النهضة إذ انسحبت من الميدان فالوضع لا يحتمل المواجه أمام شعبوية صاعدة وحمقى ومغفلين مغرّر بهم ليس لهم من دور في المشهد الانقلابي غير دور الكمبرس!
أعلم أن لبعض هؤلاء الكمبرس أعذار وآمال خابت في من حَكَمَ، أو قيل إنّه حكم، وأن أعدادا كبيرة منهم حانقة وغاضبة وهي في كل الأحوال معذورة، فهي لم تعش استبداد بن عليّ ولا بورقيبة، وأغلب هذه الطائفة من حديثي السنّ هرسلها الإعلام الموجه والحقد الإيديولوجي الأعمى، وغسل أدمغتها!… ولكن خيبتها ستكون كبيرة! وستكون تونس 2021 وما بعدها أشد ظلاما من تونس 2010 وما قبلها! كما أن مصر السيسي أسوأ من مصر مبارك!
وأما الوعود بأن الإجراءات مؤقتة والعودة للمسار قريبة فهي مجرد أكاذيب للتمكن! … تماما كما فعل السيسي، فعند بداية انقلابه كان يطمئن أن لا مساس بالحرية وأنّ ما حصل حركة ثورية تصحيحية، ولا أحد سيتعرض للإخوان أو لغيرهم، ويقول عن مرسي “السيد الرئيس”!
وها نحن نرى مصر اليوم التي يحكمها السيسي صديق رئيسكم الثوري وموجهه ومدبّر انقلابه” ترزح تحت نظام استبدادي دموي حطم كل الأرقام القياسية في تنفيذ أحكام الإعدام والتنكيل بمعارضيه. وتحضرني هنا صورة أحد الغوغائيين المصريين الذين طبلوا ورقصوا عند انقلاب السيسي مثلما رقص غوغائيونا يوم 25 جويلية فلمّا هدم بيته من جملة البيوت التي هدمت ظهر على الشاشات يناشد ويتظلم قائلا: ” ليه ياريس دا أنا سمّيت ابني سيسي” فلم يشفع له تطبيله وتزميره، وياليت قومي يعلمون!
النهضة “هرّاها” الحكم، وكان عليها مَغرمه ولم يكن لها “مَغنمه”! والحكم بطبيعته يُهرّي ويأكل الشعبية خاصة لدى شعب متقلب المزاج سريع الانفعال!
أحسنت النهضة إذ لم تختر المواجه بمفردها فذلك ما يراد لها، وذلك ما ينتظره الانتهازيون من جهة، والمتعطشون للدماء من جهة أخرى!
وجيد أن تفكر النهضة ـ كحزب لا كأفراد ـ أن تُخْلي الساحة وتترك الرئيس الملهم وجماهيره في التسلل يواجه بعضهم بعضا! فلماذا تواجه النهضة بمفردها وعدد نوابها لا يتجاوز ربع نواب المجلس؟
فلننتظر حتى يهبّ أنصار الحرية للدفاع عن حريتهم المهددة، أو حتى نرى الأمانة والمحاسبة والضرب على أيدي الفاسدين ومساواة الناس أمام القانون، الذي سيشرف عليه الرئيس الملهم، وحيد زمانه، المتوحّد في صفاته وإمكانياته، بصفته رئيسا للدولة، ورئيسا للوزراء، ووزيرا للدفاع، ووزيرا للداخلية ونائبا عاما، وسلطة تشريعية!
آن للنّهضة ـ كحزب ـ أن تخلي الميدان وترمم وضعها الداخلي أو تبدّل جلدها وتغيّر لونها فذلك لا يعنيني كثيرا! وما الأحزاب إلا وسائل للتغيير تتبدل إن دعت الحاجة!
إنّما يعنيني أن لا تُستغبى ولا يُدفع بها لمحرقة دُبّرت في الخارج ويراد لها أن تَنفذ بأيدي الحمقى من بني جلدتنا!
لست أشك أن الغالبية العظمى من مناصري الانقلاب سينفضّون من حوله عند أول منعطف إن أخلي لهم السبيل! … ولست أشك أن الأحمق سيأكل مناصريه عاجلا غير آجل!
وسيعلم الحمقى أن مشاكل الديمقراطية الناشئة مهما عظمت أقلّ بكثير من دمار الاستبداد الصاعد.
وإن غدا لناظره لقريب!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق