رأي

الانسان الوحش وهشاشة العقل الديمقراطي

قبل ثلاث أو اربع سنوات، لا اذكر على وجه التحديد التاريخ على وجه الدقة، دعونا المفكر العربي السوري الكبير الدكتور الطيّبِ تيزيني رحمه الله، وكانت هذه ربما اخر رحلة له خارج وطنه سوريا، لالقاء محاضرة في صفاقس حول مشروعه في تجديد الفكر العربي، وقد فاجأنا حينها وفاجأ الحضور بشدة تركيزه على ما أسماه حينها ب”الانسان الوحش”، هذا الانسان الاخر الغريب الذي ظهر في أجواء الحرب الأهلية وحطَّم بظهوره جميع المقاربات التي بلورها المفكرون العرب، على اختلاف مشاربهم، شيوعية كانت او ليبرالية، ودفعهم الى مراجعة نظرياتهم في نقد وتفكيك واعادة بناء العقل العربي المعاصر.

كانت كلمات الطيّب تيزيني، وهو من اصحاب المشاريع الفكرية النقدية الكبرى، تظهر غريبة ومرعبة ومثيرة، بل لعلها بدت غامضة وغير مفهومة للحضور التونسي..كان الرجل واقعا تحت وطأة هذا الكائن المتوحش الذي أظهرته الحرب الأهلية السورية، إنسان لم يكن يحسب هذا المفكر أي حساب له، وهو الذي قضى عقودا يشتغل على تلمس سبل التقدم والحضارة، إنسان مستعد لارتكاب جميع الحماقات من أجل امتلاك أتفه الأشياء..

إنسان استسلم لغرائزه الوحشية، واقبل بشراهة على تدمير ذاته قبل تدمير الاخرين، فقد ركن على جنب جميع القيم الاخلاقية والانسانية، واستسلم لنداءات الانتقام والفجور والعنف وعاد أعمى لا يلجمه ضمير أو عقل، ذاك هو الانسان الوحش الذي تصنعه النزاعات الداخلية والحروب الأهلية والصراعات الذاتية التدميرية. تذكرّت كلمات الطيّبِ رحمه الله هذه الأيام، وأنا أتابع “إنسانا وحشاً” بصدد الولادة في بلادي.

لقد اطلق الصراع المحموم على السلطة والصلاحيات العنان لكي يظهر الانسان عندنا أسوأ ما فيه، فمن تجليات هشاشة “العقل الديمقراطي” عندنا ان لا يجد الحاكم وجزء من النخبة السياسية سوى الاحقاد مطيّة تعزز مواقعهم السلطوية، وان يستسهلوا الكراهية باعتبارها ايسر الطرق وأسرعها الى قلوب الجماهير، وهكذا نجد انفسنا على حافة الصدام الكبير، ونجد الانسان عندنا يتوحّش بالتدريج ليخرج من داخله انواعا متعددة من الرغبة المحمومة في ممارسة العنف، عنف لفظي بالأساس قد يتحول في اي لحظة الى ما لا يحمد عقباه، عنف طبقي ومناطقي ومصلحي وحتى وظيفي، فعدد من التونسيين اليوم لا يطالب بغير الانتقام والاعتقال والتشفي والتنكيل بمن يعتبرهم أعداء وخصوم.

لا اريد ان احدثكم عمّا وصلني من رسائل تنضح عنفا غريبا عجيبا، من بعض التونسيين الذين يعيش بعضهم في ديمقراطيات عريقة، وذلك لمجرد اختلاف في تقدير الحال والموقف، رسائل مرعبة في استعداد أصحابها الى الانحطاط الى ابعد مدى، رسائل الانسان الوحش الكامن لدى بعضنا ممن اعمى الحقد الايديولوجي او السياسي او الطبقي ابصارهم، ووجد في هذا المناخ الذي فجره رئيس الجمهورية في عيد الجمهورية مجالا للبروز والتعبير، وإنها لصادمة أن نقف على حقيقة مفزعة زعزعت عقولنا، هذه القشرية التي عليها حال الالتزام الديمقراطي لدى كثير من نخبنا، وهذه الهشاشة التي أشرنا اليها سابقا، اذ علينا الاعتراف بان “براديغم الطاعة” وثقافة “الله ينصر من اصبح” ما يزالان الاقوى أمام براديغم الديمقراطية وثقافة التعددية الحقيقية التي كنا نحسب اننا تقدمنا أشواطا في نشرها.

خطير اذاً هذا العنف الذي يتهدد اجتماعنا السياسي خاصة وأسس العيش المشترك بينما عموما، والاخطر هو عدم تردّدَ من يمسكون بزمام الامور في محاولة تسخيره لتحقيق أهداف قاصرة ومؤقتة، فاللعبة تضحي في غاية الخطورة عندما تفسخ المجال امام ولادة الانسان الوحش.. رحم الله الطيّبِ تيزيني وطيّب ثراه.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق