تحاليلليبيا

ليبيا: هل ستدفع تطورات الإقليم ومؤثراتها بالذهاب الى انتخابات 24 ديسمبر 2021؟

 

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

1- رغم أنالذهاب الى انتخابات 24 ديسمبر 2021 في ليبيا أصبح أمرا مسلما به محليا واقليما ودوليا،ذلك أن الجدل المطروح اليوم بين الليبيين هو في نسبة التوافق والاتفاق على الآليات والأجواء السياسية والاجتماعية التي ستدار فيها الاستحقاقات الانتخابية  إضافة الى الأسس الدستورية التي ستجرى على أساسها تلك الاستحقاقات،  ولكن ما قد يربك الحسابات هو تواصل توازن القوى بين الأطراف الدولية والإقليمية المتداخلة في الملف الليبي وهو أمر ستكون مؤثراته مباشرة على ليبيا وطبيعة اختيارات الناخبين ومن ثم قبول البعض بنتائج تلك الانتخابات نتيجة الترابط بين العديد من المكونات السياسية والاجتماعية من جهة وبين مشغليها الاقليميين ورعاتهم الدوليين من جهة ثانية…

                                                                  

2- المد والجزر في العلاقة الراهنة بين “القاهرة” و”ابوظبي”(أي المراوحة بين أن تكونان عاصمتين متحالفتين وعنصرين رئيسيين في محور ثلاثي مصري /سعودي/اماراتي مضاف اليه البحرين ودول أخرى وبين تطور التباين بينهما منذ صائفة 2018 الى توتر متصاعد الوتيرة بغض النظر عن درجة عمقها وتحول طبيعتها وتفاصيلها من التكتيكي الى الاستراتيجي)، سيجعل قيام حلف جديد واسع له خطط في كل المنطقة (الشرق الأوسط وشمال افريقيا وغربها) ويراهن على خروج واشنطن منها وتركها للحلف المذكور، أمرا غير ثابت لا في هذا الاتجاه ولا في ذلك، وهو ما ستكون تبعاته على اتجاهات الأمور سياسيا اجتماعيا في ليبيا في كلا الحالتين رغم أن طرابلس الغرب ستبقى محل اهتمام القاهرة دائما ولكن طبيعة الخارطة السياسية والاجتماعية في كل ليبيا ستتشكل بطريقة مختلفة من حالة الى أخرى…

 

3- عديدة هي التطورات الجارية في الإقليم خلال الأسبوعين الماضيين والتي ستؤثر بأشكال مختلفة في تشكيل المنطقة وفي الأجواء الاجتماعية والسياسية ودرجة التوافق بين الليبيين وهو يستعدون ويجرون انتخابات 24 ديسمبر 2021 وما سيترتب عليها من تشكيل للجسمين التشريعيين (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) وأيضا في التوحيد الكامل للمؤسستين العسكرية والأمنية إضافة للمؤسسات السيادية وخاصة المالية والاستثمارية منها، ولكن ماهي تلك التطورات، وماهي أبعادها التكتيكية والاستراتيجية؟

** التطورات في دول شمال افريقيا ومؤثراتها على استقرار ليبيا

 

1- أولا،التنظيم الإرهابي المعروف باسم “ولاية سيناء” تمكّن على مدار السنوات السبع الماضية من اغتيال عشرات القيادات العسكرية والأمنية والشرطية في شمال سيناء المصرية بل أن العمليات في الأسابيع الماضية تعددت كميا وكيفيا، وهذا الأمر يعني ان هناك أطراف إقليمية ساعية لإرباك القاهرة ودفعها نحو مطبات سياسية بعينها ودفعها نحو مزيد من تشتيت ذهنها الاستراتيجي والتموقع ضمن محاور وتكتلات بعينها (أي دفعها بالضرورة للبحث على أمنها الاستراتيجي)، ومن ثم توريطها في ملفات عدة حتى انهاكها الكلي وخاصة في اثيوبيا وليبيا بعد الفشل سابقا في توريطها في ملفات أخرى على غرار ملفات اليمن وسوريا ومالي….

 

2- ثانيا، زيارةبعض المسؤولين المصريين للعاصمة الليبية “طرابلس”منذ أسبوعين جاءت عمليا عشية مؤتمر “برلين2” وأيضا مباشرة بعد تحركات قوات “حفتر” في الجنوب وغلقه للحدود مع الجزائر، وذلك يعني ان العقل السياسي للمؤسسة العسكرية والمصرية وجزء من النظام المصري واع كل الوعي بما يجري من محاولات دفعه للخيارات الخاطئة في ليبيا وفي كل المنطقة، وادراك ذلك العقل بأن هناك صراع رؤى وخيارات بعضها باحث عن الاستقرار والحلول وبعضها استعماري الطبيعة وله مرام استراتيجية تخدم أعداء الأمة وخصومها الاستراتيجيين وخاصة في ظل تبين صراع النفوذ الإقليمي والدولي حول خيارات ليبيا في حوضي “نالوت” و”غدامس” وثروات “غريان” والجنوب الليبي (وخاصة قريبا من حدود التشاد والنيجر)…

3- ثالثا، إن ما جرى ويجري أخيراً في بقية دول شمال افريقيا ستكون انعكاساته كبيرة واستراتيجية على المشهد في ليبيا وعلى الأجواء والطرق الممهدة لانتخابات 24 ديسمبر 2021:

  • تونس:وتتمثل أهم التطورات في صراع خياري “تهدئة الأزمة السياسية ومن ثم حلها عبر التوافق وتشريك كل الأطراف للجد من ترتبات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والتصدي لترتبات فيروس كورونا المستجد” و”تعميق الازمة عبر ارباك الوضع والدعوة للاستفتاء بهدف تغيير النظام السياسي ومن ثم الانسياق غير الواعي لمطالب وكلاء أذرع إقليمية وللاستعمار الجديد الذي يسعى لوأد التجربة الديمقراطية”، ورغم هبوط حدة التوترات فان التحالف الموضوعي بين الشعبوية والفاشية والوظيفيين قد أربك ويُربك حاليا مسار الانتقال الديمقراطي وتحويل مسار الثورة من نموذج يحتذى ومثال يقتدى الى المزيد من ترنح البلاد وارتباكها، وهي تطورات ومتغيرات قد لا تساعد على ان تكون تونس رصيدا احتياطيا لليبيا والليبيين إعلاميا وسياسيا ومن ثم الاستفادة من الخبراء التونسيين وخاصة في مجالي “العدالة الانتقالية” و”مسار التوافق السياسي والاجتماعي” ومن العديد من المسارات الأخرى….
  • المغرب: وتتمثل التطورات في تنامي عدد الدول التي لها أزمات سياسية مع المملكة على غرار “اسبانيا” و”ألمانيا” و”جنوب افريقيا” ورغم أهمية الاستقرار السياسي ونجاح المغرب في تفادي ترتبات كورونا اجتماعيا واقتصاديا فان المملكة في حاجة الى تخفيض التوتر مع الجزائر وفي القدرة على معالجة هادئة لملف الصحراء وأيضا موضوع “سبتة ومليلة”،ومعلوم أن المملكة بينت قدرتها في استيعاب تعقيدات الملف الليبي وساعدت على المُضي في إيجاد توافقات بين طرفي الصراع في أكثر من محطة بدء من الصخيرات وصولا الى جلسات بوزنيقة المتعددة، ورغم عدم حضورها في برلين2 الا أنها لا تزال ماضية في تهيئة الأمور لمسار ديمقراطي في بلد عمر المختار والنزول بكل ثقلها وامكانيتها للوصل باللبيين لبر الآمان…
  • الجزائر:بعد الانتخابات الرئاسية في 11 ديسمبر 2019 والعودة المتدرجة والفاعلة في كبرى الملفات الإقليمية، هاهو بلد الأمير عبدالقادر يتجاوز مطب الانتخابات التشريعية عبر وجود مشاورات مارطونية ومكثفة لتشكيل حكومة وحدة وطنية لها أولويات اجتماعية بالأساس، ومن ثم الذهاب في أقرب وقت لمحطة الانتخابات المحلية والجهوية، وهي تطورات مكنت الجزائر وستُمكنها من العودة بقوة للملف الليبي، ولعل تصريحات قائد الجيش منذ يومين ضد خيارات وتصريحات الجنرال “حفتر”، تؤكد أن الجزائر لم ولن تسمح باي عبث بمستقبل المنطقة وخاصة في ليبيا بالذات لأنها عقديتها الاستراتيجية تنبني على أن “تونس وليبيا هما عمقها الاستراتيجي”، وهو ما يعني ان المس من أمنهما مس مباشر بأمن الجزائر..
  • السودان: تعثر الحكومة الحالية وتطور الصراع والخلاف مع اثيوبيا وطبيعة وعمق الازمة الاجتماعية في الأقاليم،سيجعل الأوضاع مفتوحة على كل الخيارات وخاصة على المستويين الاجتماعي والأمني، وهو ما قد ينعكس على الأوضاع في الحدود مع ليبيا والتشاد نتاج أبعاد قبلية وتاريخية بالأساس، وهو ما قد يُغيب السودان من لعب أي أدوار سياسية خاصة في ظل وجود مرتزقة سودانيين ضمن قوات الجنرال المتقاعد…
  • موريتانيا: هدوء الأوضاع السياسية والاجتماعية والتصريح بخطأ اصطفاف الرئيس السابق “ولد عبدالعزيز” مع المحور الاماراتي/السعودي/المصري اثناء ازمة 2017 الخليجية،سيمكن موريتانيا ن أن تكون صوت اعتدال مستقبلا في المنطقة، ورغم عدم وجود حدود لها مع ليبيا فانه يمكنها ان تكون داعما بقوة للمسار الديمقراطي عبر اشكال مختلفة وخاصة في جلسات الاتحاد الافريقية أو مؤسسات الاتحاد المغاربي…

 

** “برلين2” ومؤتمر روما الدولي حول آليات التصدي لداعش في افريقيا والمؤثرات الأخرى المشهد السياسي في ليبيا

 

1- الثابت أن برلين 2 ورغم أن الحضور الدولي فيها لم يكن نوعيا (درجة التمثيل السياسي)، ورغم مقاطعة بلدان على غرار المملكة المغربية مثلا، فانه تم إقرار خارطة طريق التأكيد على ضرورة مغادرة المرتزقة للتراب الليبي كما تم حسم الذهاب لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية في موعدهاالمحدد، وهو ما وضع الدول المتداخلة في الملف الليبي في وضعية الإقلاع الكلي على أي تعطيل وارباك او حتى اللعب على الهوامش مثلما جرى بعد مؤتمرات “باريس2” أو “باليرمو” أو “برلين1″…

 

2- تم خلال الأيام الماضية عقد مؤتمر دولي مهم في العاصمة الإيطالية “روما” وهو مؤمر خصص للنظر في استراتيجيات محاربة التنظيم الإرهابي “داعش” في القارة الافريقية، وهو مؤتمر جاء إثر

 

  • تقليص سابق لقوات الافريكوم (والتي بقي منها فقط ما هو استخباراتي)، ومعلوم أنه تم طرح سؤال حول تغيير العقيدة الأمنية في افريقيا وخاصة بعد أحداث افريقيا الوسطى خلال الأشهر الماضية
  • القرار الفرنسي بمغادرة مالي وسحب قواتها من هناك، إضافة الى مقتل لرئيس التشاديادريس ديبي في نهاية افريل الماضي ومن ثم ضعف مواجهة الإرهابيين في بحيرة التشاد…

 

وقد أكد المؤتمرون أهمية تكتف الجهود على كل المستويات في التصدي للتيارات الإرهابية ومحاربتها ثقافية واجتماعيا وأمنيا واستخباراتيا، وستساهم نتائج المؤتمر نسبيا في التقليص من خطورة التنظيمات الإرهابية في الصحراء الليبية (معلوم أن هناك قريبا من الحدود التشادية ومن حدود النيجر حيث بقيت هناك العديد من الخلايا النائمة والتي فرت الى هناك بعد قتال قوات البركان المرصوص لتنظيم داعش الإرهابي في سرت سنتي 2016و2017 وهي خلايا تتمثل أدوارها اللوجستية في انو تكون سيفا مسلطا على الحكومات المركزية في ليبيا والتشاد والنيجر والسودان وهي عدديا تمثل تقريبا سدس ما كان موجودا في سرت سنة 2015 ولحظة قتالها من طر قوات حكومة الوفاق سنة 2017…)

 

3- هناك من يعتقد “أن المحور الإقليمي وثلاثي التركيبة (مصر – الامارات – السعودية)، قد عمد في إطار فرض خياراته وأنه قد يكون لجأ للتكتيكي والايهام بانقسامه واللعب على عامل الازدواجية”، واذا ما علمنا أن السعوديين والاماراتيين يحبذون منذ بداية العقد الماضي اللعب على هوامش السياسات الأمريكية مهما كان الرئيس الأمريكي المباشر في البيت الأبيض وهو ما يعني أنهم سيبحثون اليوم وقبل الغد لتشكيل المنطقة على هواهم ورؤيتيهم، وفي هذا الاطار وضمن الاعتقاد المشار اليه أعلاه فان ليبيا ستعيش جولات ارباك جديدة ولكنها لن تكون في الغالب الا سياسية واجتماعية وليست عسكرية أو أمنية لان الاماراتيين حتى لو شكلوا ما يسمونه الحلف الشيطاني للتحكم وتشكيل المنطقة سيبقون أولا وأخيرا وظيفيين وستنتهي مهمتهم يوم تأتي الأوامر من الغرف الدولية وغرف المحافل الدولية ومن صانعي القرارات الاستراتيجية من مكاتب كبرى شركات العالمية…

 

4- فعليا ورغم كل التطورات في الإقليم ورغم ترتباته ومؤثراتها العديدة فانه من الصعب الغاء المسار الديمقراطي في ليبيا والاتجاه مجددا للحرب تحت أي مُبرر، وحتى لو اجلت الانتخابات -وهو أيضا امر صعب-ذلك أن ملف شمال افريقيا في مربعات الإدارة الأمريكية الحالية مُصنف ضمن طابع الاستقرار كما أن ملفات بلدان المنطقة (الشرق الأوسط وسمال افريقي وغربها)، جميعها ملفات نائمة في عرف ساطن البيص الأبيض الحالي بما في ذلك ملف الصراع العربي الصهيوني…

 

5- سيبقى للمؤثرات الإقليمية مساحات كبرى، وسيبقى الامر مفتوحا من حيث تأثر أجواء الانتخابات وتشكيل القائمات والتحالفات وطبيعة خيارات الناخبين الليبيين في هذا الاتجاه او ذاك)…

 

6- نتائج حزب العدالة والبناء (الإسلامي التوجه)ستبقى مرتبطة بالأجواء في دول الإقليم ذلك أن بقاء حركة النهضة في الواجهة السياسية في تونس ومشاركة حزبي “حمس” و”البناء الوطني” في الحكومة الجزائرية الجديدة ونتائج حزب “العدالة والتنمية” الاسلامي في المغرب في انتخابات سبتمبر القادم، عوامل ستكون محددة لنتائج اسلاميي ليبيا ونتائج “العدالة البناء” تحديدا رغم ان عوامل أخرى ستحدد تفاصيل نتائجه:

 

  • طبيعة قائماته واشعاعه السياسي والاجتماعي…
  • طبيعة مواقفه ومدى قدرته على بناء بُنتيه التنظيمية ومدى نجاحه في ضمه للمستقلين والشباب والنساء وبعض نخب جامعية ورجال أعمال ومستثمرين…
  • قدرته على بناء تحالفات مع أنصار تيار فبراير وخاصة في استيعابه لجزء من أنصار المفتي ومن شباب الصوفية والمتدينين المعتدلين من خارج مربعاته التنظيمية ومن خارج مربعات “جمعية الاحياء والإصلاح”…
  • درجة دعمه للمصالحة معالسبتمبريين وطبيعة شعبية علاقاته في المناطق الثلاث وخاصة ضمن مربعات القبائل الكبرى…

 

7- من خلال القراءات والمعطيات والأمثلة فإن العلاقة بين “القاهرة” و”أبو ظبي”من جهة وبين “القاهرة” و”أنقرة” من جهة ثانية ستقبيان محددتين للعديد من المؤثرات المباشرة وغير المباشرة سواء في نتائج الانتخابات أو في آليات الاستعداد لها او في طبيعة الأجواء الاجتماعية التي يتدور فيها بناء على أن:

 

  • التوتر بين “القاهرة” و”أبو ظبي”حقيقي وليس مفتعلا أو مُدبرا لغاية ما حتى الآن، والمصريين لم ولن يصمتوا وخاصة فيما يتعلق ارباك الاماراتيين في ملفي ليبيا وأثيوبيا بناء على أن لها علاقات بالموضوع الداخلي والاجتماعي في مصر وحتى لو استطاعت ابوظبي بعث الود من جديد مع القاهرة، فإنها لم ولن تصل الى بناء تحالف قوي تُديره وتكون مصر ضمنه، كما أن مشروع الشام الجديد لا يمكن ترتيبه قبل حل الملف السوري وقبل أقل من سنوات ثلاث من الآن…

 

مهما تعطلت عملية التقارب بين “القاهرة” و”انقرة” فان منطق التوازن والمصالح، سيجعل العاصمتين في مربعات التنسيق بينهما لحفظ مصالحهما الاستراتيجية ولن يستطيع أحد دق اسفين بينهما لا الامارات ولا اليونان ولا قبرص ولا حتى من هم في تل أبيب على الأقل في أفق ربيع 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق