الجزائرتحاليل

الجزائر: قراءة في النتائج الأولية الانتخابات التشريعية

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

** تمهيد                                       

1- أعلنت سلطة الانتخابات الجزائرية أول أمس الثلاثاء 15 جوان/يونيو الحالي عن فوز “حزب جبهة التحرير الوطني” بأكبر عدد من مقاعد البرلمان في الانتخابات البرلمانية المبكرة التي أجريت نهاية الأسبوع الماضي (تحديدا السبت 12 جوان/يونيو) وذلك بحصوله على 105 مقاعد، ولكن ذلك العدد يبقى أقل بكثير من 204 مقاعد يحتاجها لتأمين أغلبية في البرلمان المؤلف من 407 مقاعد، وقد فازت القوائم المستقلة بـ78 مقعدا، فيما حل حزب “حركة مجتمع السلم” (المعروف باسم حمس) ثالثا بعد أن حصد 64 مقعدا، وجاء رابعا حزب “جبهة المستقبل” بعد فوزه بـ48 مقعدا، ثم “حركة البناء الوطني” ذات التوجه الاسلامي بـ40 مقعدا.

2- رئيس السلطة الوطنية للانتخابات”محمد شرفي” أكد أيضا أن نتائج الانتخابات أفصحت عن مشهد سياسي جديد، وهو ما يعطي “بوادر لبرلمان من الشباب والمثقفين وهو تصريح قد يكون للتورية على نسبة المشاركة التي وسمت بأنها ضعيفة ولكنها تبقى حسب آخرين مُحترمة نتاج طبيعة المرحلة الانتقالية سياسيا ونتاج تعدد دعوات المقاطعة من طرف البعض وخاصة أحزاب التيار الديمقراطي (باستثناء “حزب جيل جديد”بقيادة “سفيان جيلالي”)..

 

3- بمنطق الأرقام بلغت نسبة المشاركة الوطنيّة 30.20 في المئة، (وهي عمليا أقلّ نسبة منذ 20 عاما على الأقلّ بالنسبة لانتخابات تشريعيّة ولكنها أيضا ربما الاصح باعتبار التشكيك سابقا في نسب المشاركة المعلنة رسميا بين 1995 و2017)، وقد كشف”شرفي” أيضا أن عدد المصوتين بلغ 5 ملايين و625 ألفا و324 ناخبا، من بينهم 5 ملايين و583 ألفا و082 داخل الوطن، و42 ألفا و242 خارج الوطن، ووصل عدد الأوراق الملغاة مليونا و116 ألفا و120 ورقة، ليبلغ عدد الأصوات الصحيحة عنها 4 ملايين و602، كما أكد أن البرلمان الجديد “يُنتظر منه أن يسجل للتاريخ الحوكمة الجديدة للبلاد وفق مقاربة المصلحة والوطنية، وبكل تجانس مع التطلعات الحقيقية للناخبين الذين منحوه كل ثقتهم”، وأضاف أن البرلمان المقبل “يستفيد مبدئيا من ثقة ومصداقية وشفافية تعتمد على تركيبته للمرة الأولى من معايير جماعية وفردية قانونية، سمحت بظهور مجلس شعبي وطني مشكل من شباب ونساء وجامعيين”.

 

4- يُمكن التأكيد ومن خلال تقييمات أولية لهيئة الانتخابات المستقلة ولكل المتابعين والمراقبين،أن تطبيق النظام الانتخابي الجديد قد مكن من تعديل نمط التمثيل الشعبي، وهو ما سيستوجب مستقبلا دراسة معمقة واستخراج العبرة من ذلك، كما يمكن القول وفقا لتصريحات مسؤولي هيئة الانتخابات أن “الدوائر الانتخابية الكبرى لم تتمكن من تقدم أو تصدر قطب سياسي بشكل مطلق، من بينها قسنطينة التي لم تتمكن أي قائمة فيها من الحصول على نسبة 5 في المئة، ما دفع إلى جمع كل الأصوات الانتخابية وتقسيمها على القوائم الانتخابية، وعلى العكس من ذلك تم تسجيل دوائر أخرى عرفت نجاح قائمة واحدة حصدت كل القوائم الانتخابية مثل “الجلفة” وهو مثال للذكر لا الحصر.

 

5- من المهم التأكيد على تصريح “شرفي” والذي مفاده أن “الناخب الجزائري كان سابقا يُصوت ولا يختار، وهو اليوم بعد الحراك الشعبي والقيم التي رسختها ديمقراطية 12 ديسمبر 2019، ودستور نوفمبر 2020 يُصوت بكل حرية”.

 

6- تُعتبر النتائج المعلن عنها أولية في انتظار النتائج النهائية للمجلس الدستوري، في غضون 10 أيام بعد البت في الطعون كما ينص عليها قانون الانتخابات، وعمليا يعتبر البرلمان الجديد أول مؤسسة تأتي بعد أحداث الحراك الشعبي المستمر في البلاد، ويعول عليه من طرف السلطة في تمرير الأجندة القادمة، وعلى رأسها إمكانية إرسال الجزائر بوحدات عسكرية إلى خارج حدودها الجنوبية، في إطار عقيدة عسكرية جديدة استحدثها الدستور الجديد، تمكّن المؤسسة العسكرية من المشاركة في الحرب على الإرهاب تحت غطاء الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وحتى ضمن اتفاقيات ثنائية…

 

7- كُل المعطيات السابقة ينبني عليها آليا طرح أسئلة عديدة نحاول في مقال الحال تقديم إجابات أولية عليها من خلال استقراء النتائج المعلنة:

  • ماهي أهمية النتائج المعلنة سياسيا وماهي مؤثراتها الداخلية والإقليمية وخاصة على البلدين الجارين أي تونس وليبيا؟
  • أي مشهد برلماني يمكن استقراءه في ظل هذه النتائج ومدى تأثيرها على الانتخابات المحلية والتي أعلن الرئيس “تبون” تنظيمها في القريب أي في افق نهاية 2021 أو بديات 2020؟
  • أي موقع للتيار الإسلامي في المشهد الجديد وهل أن التوافق والتعايش بين التيّارين الإسلامي والوطني أصبح من تحصيل الحاصل في ظل النتائج المعلنة؟
  • ما هو مستقبل المشهد الحزبي في الجزائر في افق نهاية السنة الحالية (2021)؟

** قراءة في النتائج المعلنة وترتباتها المحتملة على المشهد السياسي الجزائري خلال الأشهر القادمة

 

1-أولا،تُعبر النتائج المعلنة بشكل أو بآخر عن خيارات الناخب الجزائري الذي اختار أن يدلي بصوته، وان كان هناك تزوير فهو نسبي جدا وقد تم في بعض دوائر بعينها وخاصة في تلك التي تُسيطر عليها محليات وبلديات أقرب للحزب الذي تم التزوير لصالحه في كل دائرة-وهنا المقصود أحزاب الحكم السابقة بكل تأكيد-ولكن تُثير تلك العمليات التي يُمكن القول إنها محدودة ولم تُؤثر على النتائج بشكل كبير كما رَوَّجت له بعض أحزاب وبعض مراقبين…

 

2- ثانيا،الدول العميقة في الإدارة الجزائرية (“السيستام”) استطاعت ان تكون مؤثرة في خيارات الناخب الجزائري والذي عاقب نسبيا “جبهة التحرير الوطني” وبعض أحزاب أخرى قريبة منها، ولكنه حفظ لها صيتها التاريخي ولم يختر أيضا اقصائها مثلما حدث في تونس وبعض بلدان أخرى بغض النظر عن الخصوصيات والفوارق بين البلدين، وعمليا تبين للمتابعين أن وزن الإسلاميين الجزائريين قوي وأنه لهم”كوتة” ناخبين كبرى، فإضافة الى حصول المرشح الاسلامي “بن قربنة” على المرتبة الثانية في رئاسيات 12 ديسمبر 2019، ها هي الأحزاب الإسلامية مجتمعة تحصل ما يقارب ربع المقاعد (64+40+3+2) ولعل عدم وحدتها وتشتتها التنظيمي وخوضها للانتخابات بقوائم حزبية عكس 2012 و2017،قد فَوَّت عليها الحصول على المرتبة الأولى رغم حصول “حمس” على المرتبة الثانية من حيث ترتيب الأحزاب باعتبار أنه بالأرقام حل المترشحون الاحرار (المستقلون) في المرتبة الثانية بعد “جبهة التحرير الوطني”، ومن المهم التأكيد أن الإسلاميين الجزائريين محظوظين بعد تصدرهم للمشهد وذلك حتى يتجنبوا سهام خصومهم في الداخل الجزائري وأيضا في الإقليم وتقلباته والتي قد تذهب مستقبلا في كل الاتجاهات…

 

3- ثالثا، من المهم القول إن”حركة البناء الوطني” قد دفعت ضريبة اقترابها من السلطة القائمة (السيستام)، وخاصة بين سنتي 2019و2021 (تعيين “سليمان شنين” رئيسيا للبرلمان وخوص بن قرينة للرئاسيات في ديسمبر 2019)، ولأنه لا تفسير موضوعي ومقنع لتقدم “حمس”(64 نائبا) وتراجع “البناء الوطني”(40نائبا) في الترتيب غير دفعه ضريبة الاقتراب من مربعات السلطة او على الأقل وفقا للفهم الاجتماعي لذلك…

 

4- رابعا، رغم حصول المستقلين على 78 مقعدا فانه كان من المفترض أن يحصلوا على أكثر من ذلك بكثير بناء على التشجيعات والتحفيزات والدعم الإعلامي الكبير محليا وإقليميا وحتى رسميا (الحافز المادية للشباب المترشح)، وبالتالي فانه لميحصل ما تم التخطيط له بشكل كلي وكامل، ومقابل ذلك عديدة هي الأحزاب الناشطة والتي اقتصر حصولها على مقعد أو مقعدين وهي أحزاب تعددت مسمياتها حتى مقارنة بانتخابات 2017 ورغم طباعها الليبرالي فانه ليس لها من الليبرالية سوى المسمى ….

 

5- خامسا،حزب جبهة المستقبل حصلت على مقاعد كثيرة مقارنة بانتخابات 2012 و2017 فيما تراجع كثيرا عدد المقاعد بالنسبة للحزب الوطني الديمقراطي (RND) رغم بقاءه في المشهد بحصوله على بعض عشرات من المقاعد…

 

6- سادسا، من الواضح أن التوافق بين التيارين الوطني والإسلامي أصبح ضرورة ملحة بناء على النتائج الحاصلة ولكنه أيضا يجب ان يشمل المستقلين نتاج أهمية عدد مقاعدهم وبغض النظر عن المسميات، فان التعيش بين الكتل الكبرى هو حتمية سياسية واجتماعية لتشكيل حكومة قوية وتجنب الحالتين اللبنانية والتونسية وان كانت المقارنة لا تجوز بشكل كلي نتاج أن النظام السياسي في الجزائر رئاسي وليس برلماني او شبه برلماني ومن المهم التأكيد أنه قد يكون رئيس الحكومة الجديد من حزب التحرير الوطني بينما قد يكون رئيس البرلمان ( الغرفة الأولى ) إسلاميا ( وتراتبيا سواء من حمس او من البناء الوطني وطبعا الفرضية الأولى اقرب)…

 

** أي مستقبل للمشهد الحزبي في أفق نهاية 2021؟

1- لا شك أن مراجعات عدة في الخطاب والممارسة ستُجري داخل أسوار كل أحزاب التيار الديمقراطي، فلا الانتخابات تعطلت ولا النسبة كانت ضعيفة بالشكل الذي كانت تتوقعها تلك الأحزاب، كما أن حزب “جيل جديد” لم يستطع ان يوظف مواقف حلفائه الفكريين والسياسيين لصالحه، وبالتالي عجز ان يكون “تكتل” الجزائر (نسبة لحزب التكتل في تونس والذي كان أحد لركان الحكم بين سنتي 2012 و2014)..

 

2-  حصول أحزاب التيار الوطني على مراتب مهمة وعلى عدد نواب قارب المائتي نائب (جبهة التحرير الوطني – “الآرآندي” – “جبهة المستقبل”)، سيجعلها طرفا مهما ورئيسيا في أي معادلات سياسية وأيضا في تركيبة الحكومة القادمة ورغم انها دفعت الضريبة سياسيا عبر تقلص حجمها البرلماني الا أنها ستكون قادرة على لعب أدوار أولية وذلك لا يعني انها لن تُجرى تقييمات أساسية لمسارها وبُناها التنظيمية…

 

-3- ستبقى الإجابات غائبة بخصوص الأسئلة المطروحة بخصوص المُستقلين – كما بينا أعلاه- وخاصة في أنهم أقرب عمليا للأحزاب الوطنية وان اختلفت مقاربتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية، كما أن بعضهم قريب من أحزاب التيار الإسلامي ولكنهم قد يكونون رصيدا مهما لأيّ حزب جديد خاصة اذا ما ترأسه الرئيس تبون في صورة عدم ترشحه للرئاسيات القادمة فعلا..

 

4-  أثبتت النتائج المصرح بها أن التيار الإسلامي له وزن سياسي واجتماعيلا يمكن انكاره ( حوالي 109 نائبا لكل أحزابه)، إضافة لوزنه على المستوى المحلي والجهوي كما أن بعض الفاعلين الرئيسيين في أحزابه أصبحت لهم القابلية على تطوير فكرة التوحد على الحد الأدنى حاصة وأن عمليتي انصهار بين أحزابه التي فاق عددها الست مع بداية العقد الحالي (2011-2019) ومكنته عملية الانصهار سنة 2017من تطور عدد نوابه الجملي في الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري (المجلس الوطني الشعبي)، ومما لاشك أن التطورات الحاصلة جزائريا واقليما ودوليا ستفرض عليه تقييما لتشتته التنظيمي والسياسي وتجاوز عوائق حالت دون وحدته التنظيمية على غرار أمراض “الزبونية” السياسية و”الزعامتية” وفي استحضار الخلافات التاريخية خاصة وان خلافاته لم تكن يوما ما لا فكرية ولا ثقافية بل هي سياسية وتنظيمية بالأساس خاصة وان المجتمع الجزائري من حيث اهتماماته لا يرتاح للتيارات السلفية والجهادية وله قراءة خاصة لحقبة التسعينات ومآلاتها ومآسيها…

 

5- شجاعة المؤسسين والمسؤولين المباشرين في إدارة الأحزاب وثانيا ان منطق الجسم السياسي (A) مقابل للجسم السياسي (B مضاف اليهما أربع أو خمس أحزاب أمر غير وارد في الجزائر في افق نهاية السنة الحالية بل في افق ست او سبع سنوات بكاملها، كما أن تقلص التدخل المباشر للسلطة وأجهزتها الأمنية والعسكرية في تشكيل المشهد البرلماني والسياسي والحزبي، أولا لن المؤسسة العسكرية لن تتدخل في السياسة مستقبلا،وستتحول الى راع وداعم للعلمية السياسية وللانتقال الديمقراطي تحديدا…

 

6- عمليا سيرتبط أفق الإسلاميين الجزائريين السياسي بعوامل عدة وطنية واقليمية ودولية على غرار:

  • الوعي النظري والعملي بالمخاطر التي تتهدد الجزائر كدولة كبيرة وقوية دبلوماسيا واقتصاديا، والعمل على المساهمة النظرية والعملية في تفعيل حضور الجزائر كبلد قوي مغاربيا وافريقيا ومتوسطيا وعربيا واسلاميا ودوليا…القيام بقراءة تقييمية لمسارهم السياسي منذ بداية الثمانينات، والكف عن تحميل الآخر السياسي كل المسؤولية خاصة وانهم غير موحدين تنظيميا وسياسيا…

 

  • حسن قراءة التطورات الإقليمية وسط صراع بين اطروحتي “بسط أنظمة عسكرية وكليانية وشمولية في كل المنطقة الشمال افريقية، وتسمح باستعمار جديد بواجهات جديدة” و”إرساء تجارب انتقال ديمقراطي تمكن دول المنطقة من تحرر شعوبها وانعتاقها وتتمكن تباعا من استغلال ثرواتها الطبيعية والبشرية”…

 

  • تجاوز العجز السياسي والثفاقي الذي سقط فيه اسلاميو دول أخرى على غرار ليبيا ومصر والسودان، وتقديم بدائل وأطروحات تتسم بالخصوصية القطرية، مقابل التمايز في تقديم بدائل سياسية تجذب الناخب والمواطن الجزائر ومعايشة هومه وآلامه ومشاغله اليومية في الصحة والنقل والتجهيز وكل الخدمات الإدارية واليومية، وتقديم مشروع تنموي جديد يتجاوز اقتصار الاقتصاد الجزائر على الطاقة، وإعطاء أولوية للفلاحة والموارد المائية عبر استراتيجية للأمن الغذائي…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق