دراساتشؤون مغاربية

العلاقات المغاربية/المغاربية: واقعها ومُستقبلها في أفق نهاية 2021؟ (ج1)

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

في عالم ينبني وقائم موضوعيا على التكتلات والصراع على مناطق النفوذ الاستراتيجية،تعيش البلدان المغاربية علاقات مضطربة فيما بينها وخاصة في ظل تواصل الخلاف الجزائري/المغربي منذ سنة 1994 (ومضاف اليه تنامي الخلافات حول موضوع الصحراء وغيره من الملفات)،ورغم أن كلفة “ألَّا مغرب” عالية جدا على مستقبل الشعوب المغاربية وعلى اقتصاديات تلك البلدان وسط ظروف عالمية صعبة مناخيا وصحيا وسياسيا وخاصة في ظل توغل دولي واقليمي في القارة السمراء وإمكانية اشتعال صراعات مستقبلا بناء على ذلك التوغل، وكل ذلك يطرح أسئلة مهمة ورئيسية حول آفاق ومستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية في أفق نهاية السنة الحالية وهي أسئلة سنحاول الإجابة عليها في جزئي دراسة الحال…

 

** واقع علاقات كل بلد على حده مع بقية الدول المغاربية

 

1- أولا، الثابت ان كُلفة “ألَّا مغرب” والذي أكدته وأثبتته نتائج وملخصات الدراسات الأكاديمية والميدانية بل ودعَّمته طبيعة الأرقام والمُعطيات المتداولة – وهي مؤشرات تنذر بالخطر الجسيم- وهو أمر من المنتظر والمرتقب أن تكون مؤثراته وترتباته غير مسبوقة على مستقبل الفكرة المغاربية أولا،وعلى مستقبل شعوب المنطقة واقتصاديات بلدانها ثانيا وخاصة في ظل تقلباتجيوسياسية غير طبيعيةذلك أنها تقلبات متطورة دراماتيكيا وخاصة في ظل وجود مخططات شيطانية للأذرع الإقليمية وخاصة تلك المرتبطة بنفوذ قوى دولية طامحة للعودة الى مربعات استعمار البلدان ومن ثم تغييب أي وجود فعلي وحقيقي لمجتمع دولي – وهو ما أكدته المبعوثة الأممية السابقة في ليبيا “ستيفاني وليامز” في آخر تصريحاتها حول قراءتها للوضع السياسي الليبي قبل مؤتمر الحوار في جنيف في فيفري الماضي…

 

2- ثانيا، تبدو البلدان المغاربيةوكأنها فعليا تفتقد لمعالم سياسات واضحة بينها أو هي لا تكتسب كبلدان أيُّاستراتيجيات مرسومة لتطوير العلاقات بين بعضها البعض، حيث يسُود الارتجال والعقلية التفاعلية مع الوقائع اليومية وتحكم سياساتها المغاربية دبلوماسيا آلياتتتبع الوقائع ومجاراة اليومي ومنطق رد الفعل وغلبة سياسة “فسخ وعاود” عند مقدم كل وزير جديد أو أي حكومة جديدة هي بصدد استلام المهام – بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي في أي من البلدان الخمس- (ملكية دستورية في “المغرب” ونظام رئاسي في “موريتانيا” و”الجزائر” ونظام برلماني معدل في كل من “تونس” و”ليبيا”- رغم أن هذه الأخيرة مازالت ضمن مرحلة انتقالية لا يعرف أي آفاق لها لحد الآن-)…

 

3- ثالثا، اذا ما بحثنا عن تشخيص راهن العلاقات المغاربية/المغاربية بشكل عام واجمالي فيمكن القول أنها علاقات هشة ومرحلية من حيث رسمها والتخطيط لها بل هي لا تستند الى أي بناء استراتيجي مهيكل مؤسساتيا ولا الى أي تخطيط مرحلي ودوري في قراءة التطورات سياسيا بل هي غائبة حتى في ضرورة ترك المسألتين الاقتصادية والاجتماعية للبعد الاستراتيجي في رسم ملامح مستقبل أي بلد مغاربي ضمن أفق وحدوية، والكارثة أن الاتحاد المغاربي وكما هو معلوم أقدم كفكرة وكحلم راود أبطال النضال الوطني، قبل تكتلي “الاتحاد الأوروبي” و”مجلس التعاون الخليجي” كمثالين بغض النظر عن تقييم التكتلين الاقليميين ومدى صمودهما المستقبلي أيضا وليس غريبا ان يعرفا نفس مصير الاتحاد المغاربي المعطل فعليا منذ 1994 تماما بالنسبة لمؤسسة الرئاسة ومن حيث شبه شلل تام لبقية هياكله…

 

4- رابعا، إذا ما ذهبنا الى التشخيص التفصيلي بخصوص كل بلد وراهن علاقاته المغاربية فانه يُمكن القول بشأن كل بلد ما يلي:

 

  • تونس، أربك تنامي الضغوط التي تمارسها الثورات المضادة في الإقليم من اجل اسقاط تجربة الانتقال الديمقراطي، راسمي السياسات الخارجية في البلد ومضاف اليها أيضا تراكم المؤثرات الداخلية وخاصة في ظل عجز النخبة على تحقيق كل أهداف ثورة الحرية والكرامة ومن ثم عجز تلك النخب على استكمال مهامه ثورة 17ديسمبر2010/14جانفي2011، وأصبح ذلك مُحبطا لرجل الشارع وأيضا للفاعل السياسي (وخاصة الدبلوماسي بالذات)، حيث أعاقت المنظومة القديمةعبر باروناتها ولوبياتها ووظيفييها، الدبلوماسية التونسية في بعد فعلها المغاربي وحولتها الى مربع شُبه الشلل وجعلتها محصورة في كلاسيكيات التعاون الثنائي وخاصة مع “المغرب” و”موريتانيا”، وهي اليوم أقرب للاعتيادية والارتجالية مع الجزائر على مستوى الفعل والانجاز أما مع ليبيا فلم تتماهى فاعلية الحكومات المتعاقبة مع طموحات الشعبين ومثلت بعض خطوات حكومة 2014 التي قادها ممثل الليبرالية المتوحشة “مهدي جمعة” انتكاسة كبرى ولم يتم تجاوزها الى حد الآن الا بصعوبة رغم براغماتية الرئيس الراحل “الباجي قائد السبسي” وحضوره الذهني الوقاد دبلوماسيا (الازمة الخليجية- الملف الليبي…)،إضافة الى استفادته من فاعلية والعلاقات القوية والممتدة لرئيس حركة النهضة “راشد الغنوشي”،ورغم أن الخطوات والاتفاقيات والفاعليات الأخيرة قد أعادت الأمل في تكامل البلدين في كل المجالات وتحول كل منهما عمقا استراتيجيا للآخر عبر الفعل والممارسة وليس عبر الخطابات النظرية، الا أن مربعات ومستشاري الرئيس “سعيد” قد أربكوا بوعي أو دون وعي فاعلية تونس مغاربيا وخاصة في الملف الليبي بالذات وهو أمر تم في أكثر من مناسبة (عدم تعيين مبعوث خاص أثناء حقبات الازمة – التأخير في تعيين سفير في البداية ثم لاحقا في فتح السفارة- كارثية طرح فكرة دستور تعده القبائل – استقبال شخصيات لا حضور لها ليبيا على غرار المحامي “خالد لغويل” ومن لف لفه – عدم القطع الكامل مع الاصطفاف الإقليمي في الملف- عدم تعيين قنصل في بنغازي الى حد الآن – عدم تعيين ممثليات تجارية وأخرى قنصلية في “زوارة” و”سبها” و”مصراتة”)، ومع ذلك يجب الإشارة الى أهمية المبادرة والأسبقية التي قام بها الرئيس في زيارة ليبيا في مارس الماضي واستقباله لرئيس المجلس الرئاسي خلالالأيام الماضية كما أن زيارة الوفد الحكومي رفيع المستوى يومي 23 و24 ماي الماضي كانت غير مسبوقة واستراتيجية وحملت الكثير إضافة الى الدعم الرمسي لتنظيم ملتقيات مشتركة (جربة يومي 27و28 ماي الماضي) وأيضا عزم البعض من مكونات المجتمع المدني والسياسي على تنظيم ودعم أخرى …

 

  • الجزائر: تراجعت فاعلية ونجاعة الدبلوماسية الجزائرية وحضورها القوي إقليميا بين سنتي 2014و2020 وانكفأت الجزائر على نفسها قبل وبعد أشهر من استقالة بوتفليقة في أفريل 2019 وغاب دورها حتى مغاربيا على غير عادتها خلال العقود الخمس الماضية (خاصة بين سنتي 1965و2013)،خاصة وان ذلك حصل في ظل استمرار التوتر مع المغرب (وهو أمر متواصل منذ سنة 1994)،وقد تواصل ذلك على وتيرة مختلفة من سنة الى أخرى وخاصة بعد 2013 كما أن العلاقاتمع ليبيا تراجعت منذ 2013 ليتم تقييم دورها منذ أشهر،على أنه ضعيف الحضور ولم يحضر فيه الاستراتيجي الا خلال الأسابيع الماضية حيث عادت دبلوماسية الجزائر إلى مُربع المبادرة (قيادة المصالحة الوطنية تحديدا)، أما بخصوص تونس فقد حافظت الجزائر على قوة حضورها وحسن متابعة التطورات وعلى أنساق مصالحها الاستراتيجية وهو أمر حدث أيضا مع موريتانيا التي تحولت الى شريك وحليف للجزائر وخاصة خلال السنتين الماضيتين…

 

  • المغرب: استفادت المملكة المغربية من حالة الاستقرار السياسي منذ بداية الألفية الحالية وهو ما سمح لها بلعب أدوار خارج وداخل مربعات المنطقة المغاربية فتمكنت من ان تكون طرفا جامعا لليبيين سنتي 2015 و2020 وبينت المامها بالملف الليبي وابجدياته ومفرداته حيث سابقت المصريين والخليجيين وكل الأفارقة بل وبعض القوى الدولية، كما أن علاقات المغرب بتونس تطورت بشكل مطرد خلال العشرية المنقضية واستطاعت دبلوماسيتها أن تستوعب المُتغيّرات الجارية في دبلوماسية “طرابلس” و”تونس”، ومقابل ذلك ورغم رسائل التهدئة المتبادلة مع الجزائريين في بعض محطات ومناسبات، فإنه لم يتم احتواء التوترات المفصلية مع الجزائريين وظهور نقاط خلاف مع “نواق الشط” (العاصمة الإماراتية) في أكثر من ملف وموضوع وهو ما تجسد في تحالف الموريتانيين مع الجزائريين في اشغال دورة البرلمان الافريقي وتحديدا في انتخاب ممثلي كتلة شمال افريقيا تحديدا ( رئيس الكتلة ونائبه ومقررها) وهو مثال للذكر لا الحصر…

 

  • موريتانيا، ضيَّع الرئيس الأسبق “ولد عبد العزيز” باصطفافه مع المحور المصري/السعودي/الاماراتي في جوان 2017 الفرصة على موريتانيا أن تكون في موقع أفضل علاقاتيا مع كل البلدان وخاصة المغاربية بالذات، ورغم أن موريتانيا غير محاذية لتونس وليبيا تحديدا فإنهاأرست معهما وخاصة بعد 2019 علاقات هادئة وغير متوترة وهي علاقات يمكن تطوريها في كل وقت، ومقابل ذلك اختارت الاصطفاف مع الجزائر في موضوع الصحراء (وهو ما يعني توترا آليا مع المغرب)خاصة وان العلاقات مع المغرب توجد ملفات أخرى قديمة ولكنها غير ظاهرة للعيان بما يعني انها قابلة للاحتواء مثلما هي قابلة للانفجار….

** متغيرات الإقليم وآثارها على مستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية

 

1- الإقليم في الوقت الراهن هو في حالة تكيف مستمرة مع التطورات الجارية دوليا (الصراع الروسي/ الأمريكي من جهة والصراع الأمريكي/الصيني من جهة ثانية) إضافة الى طبيعة تطور الاحداث في ملفات إيران واليمن وتركيا واقترابها هذه الأخيرة مع مصر والسعودية مضاف اليه المصالحة الخليجية الجارية منذ أشهر وطبيعة التطورات المنتظرة وخاصة تلك المترتبة على ما حداث في الأراضي الفلسطينية وإمكانية وان تنجح الإدارة الأمريكية الى إعادة ملف الصراع الفلسطيني/الاسرائيلي الى مربع الملفات النائمة بناء على أنها تخطط الى التفرغ كليا للصراع مع الصين وثانويا للملف الإيراني واشكالات شرق المتوسط، وطبعا ذلك التكيف قد يسرع الى إعادة بناء روح الفكرة المغاربية ومناقشة مدى قدرة الاتحاد المغاربية ان يكون إجابة موضوعية لها شعبيا ورسميا ونخبويا…

 

2- سقوط مشروع عسكرة كل المنطقة الشمال افريقية وترنح خطة “لا تحفل الثورتين التونسية والليبية بذكراهما العاشرة” وسقوط خياري “انتاج القذافي2 و”استنساخ سيسي ليبيا”، سيمكن من بناء تجارب انتقال ديمقراطي في بلدان المنطقة المغاربية ويمكن التجربة/الثورة التونسية من بسط جناحيها يسارا ويمينا والفضل في ذلك للثوار المقاتلين في طرابلس الغرب والذين كانوا أبطالا حيث تصدوا عشية 04-04-2019 لمشروع العسكرة وطرحوه من المعادلات وهو ما مكن انصار الديمقراطية في تونس من مجابهة الفوضى والانقلاب بغض النظر عن التفاصيل في كل محطة من محطاتها خلال السنوات الثلاث الماضية بل ومكن من تواصل السمار الديمقراطي في كل من موريتانيا والمغرب وان بطرق غير مباشرة وهو أمر سيدفع المؤسسة العسكرية في الجزائر لرعاية المسار الديمقراطي وأخذ مساحات كبرى على التأثير في الحياة السياسية أو صناعة مربعاتها مثلما كان عليه الأمر خلال حقبة بوتفليقة وقبلها أيضا …

 

  • 3- مثلت الأزمة الخليجية الأولى في أغسطس/أوت 2014 بداية تأثير الدول الخليجية على المنطقة المغاربية، كما مثلت الأزمة الخليجية الثانية إرساء وتعميق الحضور الخليجي القوي مغاربيا وكل ذلك أوجد حصيلة معطيات بل وتأثيرات جديدة بُنيت أساسا على عدد من المرتكزات سابقة للثورات العربية وقع مراكمتها عبر العقود والسنوات:

 

  • ضُمور فكرة واستراتيجيا التصدي الجزائري لأيّ تدخل مشرقي، وهي عمليا سياسة واستراتيجيا سابقة كانت ترتكز على مبدأ في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية وهي القائلة أن “مشاكل دول المنطقة لا تتدخل فيها دول أخرى وانه حتى لو تم ذلك بأيّ شكل، فانه لابد من أن يتم عبر البوابة الجزائرية”، وهي وفق التفكير السياسي الرسمي والنخبوي الجزائري “بوابة افريقية” أيضا (ذلك أنه من المعروف أن الاشكالات القارية عادت ما يعود الأمر فيها الى “الجزائر” و”جنوب افريقيا” تحديدا)، ومثلما ذكرنا أعلاه فان مرحلة 2014-2020 مثلت تراجعا ملحوظا للتأثير الجزائري إقليميا بشكل عام ومغاربيا وإفريقيا أيضا مما يعني ترك مساحات للآخرين إقليميا وأولهم “المصريين” و”الخليجيين” (“السعوديين” بدرجة أولى و”الاماراتيين” و”القطريين” بدرجة ثانية)…

 

  • التأثير الخليجي تاريخيا في الاقتصاديات المغاربية (باستثناء ليبيا باعتبار ثروتها النفطية الهائلة)، أمر قائم ومعلوم لكل الرسميين ولكل المتابعين، وخاصة منذ منتصف عقد الثمانيات من القرن الماضي حيث تم انشاء مؤسسات استثمارية وبنكية وتجارية في كل البلدان الأربع (المغرب – الجزائر – تونس – موريتانيا) ومن ثم التوسع نحو قطاعات استراتيجية بشكل مطرد وهو ما أوجد مساحات تأثر مباشرة وعبر مسالك غير مباشرة وعبر مؤسسات إقليمية تحديدا – على غرار الجامعة العربية وقمتها الدورية سنويا- وأيضا عبر مؤسسات أخرى على غرار مجلس وزراء الداخلية العرب كمثال للذكر لا الحصر…

 

  • قُدرة بعض الدول الخليجية على غرار “قطر” و”الامارات” و”السعودية” على الاستثمار في قطاعات استراتيجية ولوجستية خلال العقدين الماضيين على غرار الموانئ وشركات الاتصال والتكنولوجيا الحديثة ومن ثم التأثير في الاقتصاديات المغاربية والتأثير غير المباشر في عدد من القرارات وتوظيف وكلاء محليين وتحويل بعضهم إلى وظيفيين لتلك الدول -بغض النظر عن تفاصيل تلك الأدوار الوظيفية ومدى مسها من السيادة الوطنية لتلك الدول باس شكل من الاشكال-…

 

 

 

يتبع في الجزء الثاني والأخير

حول مستقبل العلاقات المغاربية/المغاربية في أفق نهاية 2021؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق