تحاليلليبيا

ليبيا : كيف يُمكن وضع استراتيجيات ناجعة للتصدي لإشعال الحروب مجددا؟

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

يعتقد البعض أن الحرب بين طرافي الصراع في ليبيا أصبحت من الماضي وأن إيقاف الصراعات والحروب في ليبيا قد تم بعيدا عن منطق توازن الضعف – او بالأحرى توازن القوى – محليا او إقليميا أو دوليا[1]، وهما اعتقادان خاطئان وغير موضوعيين بالمرة ويُمكن الوصول الى ذلك بمراجعة بسيطة لكرونولوجيا الأحداث منذ ماي 2014 الى اليوم، واضافة لذلك فان الحقيقة هيأنأيَّ تصد منهجي وفعلي لإشعال الحروب مجددا خاصة في ظل التحشيد المتواصل من طرف معسكر “حفتر” وحلفائه وعدم مغادرة آلاف المرتزقة للأراضي الليبية وتلويح الجنرال المتقاعد سالف الذكر بالحرب كوسيلة للابتزاز والتموقع وتوريث أبنائه جزء من سلطاته وأحلامه، يتطلب عمليا وضع استراتيجيات واقعية وقابلة للتنزيل ومن ثم يتم على ضوئها تجميع الأطراف الليبية بل وكل جماهير الشعب ضد منطق الاقتتال والحروب بالوكالة خاصة وأن شباب ليبيا – ثوار فبراير أساسا-  كانوا طرفا في معادلة التصدي البطولية وغير المسبوقة عربيا لمنطق سيطرة بعض عسكريين أغلبهم متقاعد وبسند من مرتزقة أجانب على العاصمة طرابلس في 04-04-2019 وهو الأمر الذيأجبر المُعتدين ومن ورائهم مشغليهم الإقليميين والدوليين على الرضوخ للأمر الواقع والقبول لاحقا بالعملية السلمية وبالحوار سبيلا للتفاهمات ومن ثم رسم توافقات أولية، ويتركز مقال الحال في البحث عن كيفية وضع تلك الاستراتيجيات ورسم تفاصيلها ومن ثم وضعها موضع التنفيذ ومن ثم التصدي لأي محاولة لإشعال الحرب بين طرفي الصراع…

 

** في حقيقة أبعاد ايقاف الحرب في ليبيا ودفع مسار الحوار بين أوت/اغسطس 2020 وفيفري 2021

 

1- أولا، الثابت أن الحرب تم ايقافها بعد سقوط خياري “انتاج القذافي2” و”استنساخ سيسي ليبيا”، وهو ما يعني ان ليبيا اقتربت نهائيا بل هي اتبعت فعليا النموذج التونسي (حوار ديسمبر2013 وما نتج عنه من توافق ودعم للسمار الديمقراطي) وابتعدت عن النموذج المصري (انقلاب 30 جوان/يونيو 2013 وما بعده وما ترتب عليه من تضييق للحريات وتغييب لجزء من المجتمع)…[2]

 

2- ثانيا،لم يكن الوصول للحوار وتتويجه ممكنا لولا التوازن القائم منذ بدايةأوت 2020 بين الأطراف المحلية عسكريا وميدانيا حيث تصدى أهل الغرب الليبي (بالمعنى السياسي) لقوات ومرتزقة “حفتر” الباحثة عن السيطرة على السلطة بقوة المال والسلاح وهو الأمر الذي ترتب عليه فشل خطة إقليمية عنوانها “بسط أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية”، وليبدأ النموذج التونسي في بسط جناحيه شرقا وغربا:

 

  • شرقا في اتجاه ليبيا وخاصة في ظل تحديد موعد اولي للانتخابات وتحديدا يوم 24-12-2021…
  • غربا حيث تحولت المؤسسة العسكرية الجزائرية الى راعية للتجربة الديمقراطية ولعل تحديد موعد 12 جوان/يونيو المقبل للانتخابات التشريعية مثال دال ومعبر على ذلك)

 

3- ثالثا،عندما انكفا القطريون على انفسهم أولا مباشرة بعد مغادرة الأمير الأب وعند بداية الأزمة الخليجية في جولتها الأولى في 2014 ومضاف الى ذلك عاشت تركيا أزمات سياسية ومالية بين سنتي 2014 و2016 مضاف اليها الاشتغال على ترتبات محاولة الانقلاب الفاشلة في 15-07-2016 ولتأتي الازمة الخليجية في جولتها الثانية في جوان/يونيو 2017 ، اصبح التوازن مختلا بين الأطراف الإقليمية مقارنة بمرحلة 2011-2014 وبمجرد عودة الاتراك لمربع الساحة الليبية حدث التوازن وأنكفا “حفتر” لما بعد حدود سرت، وكل ذلك يعني ان أي اختلال في الإقليم سيؤدي الى عودة مربع الأزمات ان لم نقل الحروب…

 

4- رابعا،مثل الصراع الدولي على افريقيا منطلقا للصراع في ليبيا وتجديد لخارطة سنة 1949 عندما كان الفرنسيون في الجنوب والأمريكيون في السواحل الليبية والبريطانيون في برقة والايطاليون في طرابلس الغرب، ومعلوم انه بين سبتمبر 2012(اغتالي سفيرهم) و2020 انكفأ الامريكيون على قضايا أخرى واشتغلوا على ليبيا عبر وظيفية قوى دولية أخرى لهم (الالمان – الايطاليين – الأسبان – الانجليز)، وكل ذلك ترك مساحات كبرى للروس والفرنسيين وهؤلاء كانوا داعمين للمحور الإقليمي الثاني –( أي المحور المصري/السعودي/الاماراتي) وهو ما سمح بالمعارك والحروب والصراعات وكل ما حدث وخاصة بين ماي 2014 وأوت 2020 ( بداية اجتماع ممهد للحوار في مونتريو) وبعودة الأمريكيين بخطوات أولية في بداية 2018 ( قدوم ستيفاني – ثم تعيينها في البعثة الأممية في 05-07-2018) ثم بخطوات كبرى ( القمة التركية/الأمريكية في 15-11-2019 ثم لقاء وفد أمريكي مع السراج في المنامة ومع حفتر في عمان)، بدأ التوزان الدولي في التعاطي مع الملف وهو أمر توضح في برلين1 على عكس ما كان قائما في مؤتمرات باريس1 و2 وابوظبي 1و2 و”باليرمو” والقاهرة 1 و2[3]

 

** الاستراتيجيات الأربع الناجعة التي من الممكن أن توقف الحرب نهائيا

لا تضع أيَّ حرب أوزارها الا في ظل سيطرة أحد الطرفين او حدوث توازن بينهما (وهو ما بيناه أعلاه في الحالة الليبية)، أما بخصوص سؤال: كيف لنا أن نمنع حدوث أي حرب محتملة؟، فبالتأكيد أن من بديهيات الإجابة أنه ليس بالدعوة إليها، بل من المهم التأكيد أن النجاعة والفاعلية تكمنان في تجاوز ذلك الى رسم معالم الاستراتيجيات التي تمنع تجددها وقطع الطريق على مُشعليها سواء كانوا أطرافا محلية أو أذرع إقليمية خادمة بدورها لأطراف دولية ليس لها من غاية فعليا سوى نهب ثروات ليبيا الهائلة والنادرة والمرور بيُسر للعمق الافريقي، وفي تقديرنا يُمكن تلخيص مُجمل الاستراتيجيات الممكنة في أربع[4] وهي:

 

1- الاستراتيجية الأولى،وهي تتضمن أساسا تفسير الأسباب الموضوعية للاختلافات بين الليبيين التي دعمت الصراع والنزاع والتوتر والعنف في ليبيا قبل 2011 وبعدها؛ لأن فهم دوافع وسياقات ما حصل في فبراير 2011 يُساعد في فهم ما حدث بعدها من اقتتال أهلي جهوي وعرقي واجتماعي ومناطقي، لأن ليبيا شهدت بعد 2011 حروب على خلفية كل تلك الأسس، لكن الخوف من الاعتراف بذلك لايزال يُهيمن على كثير من النخب والشباب والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، كما أنه لم يتم عمليا تقييم موضوعي للسياسات الاجتماعية خلال الحقبات الأربع من تاريخ ليبيا المعاصر ( قبل الاستقلال – الحقبة الملكية – الحقبة “الجماهيرية” – حقبة العقد الأول من مسار ثورة فبراير)…

 

2- الاستراتيجية الثانية: وهي استراتيجية تُعنى أساسا بأهمية فضح الفساد والهيمنة المتحلقة حول النظام والمنظومة المركزية في ليبيا، خاصة تلك التي تعزَّزت بعد فبراير 2011، ولعل اهم العوائق الموضوعية هي في تعقد شبكات المصالح التي تمنع جزء من النخب وخاصة في المنطقتين الشرقية والغربية من الاعتراف بذلك، ومن ثم القدرة على التجاوز الى الإيجابية والفاعلية والنجاعة في التصدي للفساد في كل مربعات السلطة والإدارة والمؤسسات وفي مربعات الفعل الاجتماعي والسياسي…

 

3- الاستراتيجية الثالثة: وهي استراتيجية ترتكز أساسا على قيام النُخب الليبية (أي الأطراف الطلائعية في المجتمع)، بفضح عملي وموضوعي – بعيدا عن الانتقائية والانحياز المفضوح) لكل طرف يسعى للحرب في ليبيا من خلال المعلومات الموثقة وتحذير الليبيين في مكان سيطرة ذلك الطرف من خطورة ما يخطط له، ويمكن القول ان هذه الاستراتيجية هي جزء من ثورة ثقافية كاملة يجب أن تُبنى معالمها في قادم الأشهر والسنوات لان السلم هو الأصل والحرب والصراعات هي الاستثناء ولأن الليبيين هم بالأساس مُهيئين نفسانيا واجتماعيا للانخراط في تلك الخطة الاستراتيجية، ذلك أنهم يئسوا منطق الحرب والصراعات وملوا من القتل والتصفيات والكر والفر وهو ما اثر عليهم وعلى حياتهم وآلامهم وآمالهم ومشاغلهم اليومية ويجب أن تصل هذه الاستراتيجية بعد مرحلة مُعينة إلى مربع أن تُنسب خصوصيات الشخصية الليبية الحالية وخاصة تلك المؤثرة في بينتها وتركيبتها ونقصد هنا تحديدا ثالوث القبيلة والغلبة والغنيمة…

 

4- الاستراتيجية الرابعة:وتتمثل في البحث والبناء والعامل على تأسيس نخبة ليبية ترتفع موضوعيا وفعليا عن سياقات الصراعات الدائرة في ليبيا وخاصة تلك التي تنطلق من دوافع جهوية واجتماعية ومناطقية وعرقية ودينية وفكرية واقتصادية لتصوغ نظام ومنظومة واجراءات عادلة توفر الفرص المتكافئة في الخدمات والسياسة والمال والعمل وتصون وتدعم الهويات الليبية الجزئية، ومن ثم الخروج من الفردانية،فليبيا لم ولن تتوقف على أي فرد سواء كان سياسيا أو عسكريا، وهي أيضا بلد الجميع مهما كانت مشاربهم الفكرية والسياسية والاجتماعية…

 

** متطلبات أخرى لإيقاف الحروب والاتجاه للبناء والعطاء

 

ممَّا لا شك فيه فان تلك الاستراتيجيات الأربعة – أي سالفة الذكر-هي في الواقع استراتيجيات مُهمة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا وخاصة على المدى المتوسط والبعيد ولكنها أيضا لا بد من ان تسبقها خطوات أخرى على المدى القريب:

 

1- لابد لكل الأطراف الليبية من الدفع نحو انجاز الانتخابات في موعدها مهما كانت العوائق الموضوعية وبذل الجميع للغالي والرخيص لتحقيق ذلك الهدف خاصة في ظل تقدمات حقيقية وملموسة في مسارات ثلاث: المسار السياسي – المسار العسكري/الأمني-المسار الاقتصادي…)

 

2- ضرورة تقديم الجميع للتنازلات كميا وكيفيا من أجل توافق كامل على نتائج مفترضة ومرتقبة للمسار الدستوري وبما لا يسمح لا بتمطيط المرحلة الانتقالية ولا بترك ثغرات يعود اليها منطق الزعيم الأوحد أو القائد الذي يخضع له الجميع ذلك أنه لا توريث لأي كان ولا تورث أي شخص مهما كان موقعهلأي منصب أو مرفق عام لعائلته أو قبيلته أو محيطه ومهما كان المجال أو المربع الذي يتحرك فيه…

 

3- العمل على خروج كل القوات الأجنبية وكل المقاتلين مهما كانت هوياتهم أو الطرف الذي اتى بهم ومهما كان الطرف الذي يسندهم وعلى أن تصبح السيادة الليبية أمرا واقعا ولا يقبل الجدل على كل تراب ليبيا من حدود دول الساحل والصحراء إلى السواحل المتوسطية ومن الحدود المصرية شرقا الى الحدود التونسية والجزائرية غربا…

 

4- تدعيم التوازن بين الأطراف المحلية سواء كانت اجتماعية أو سياسية بما يضمن أن يشعر كل الليبيين بناء على ثنائية الحق والواجب ومن ثم ترشيد العلاقة القائمة مع الإقليم ودفعها أن تكون علاقات من أجل ليبيا حتى لا يتم السقوط مجددا في رحى الحرب بالوكالة وهو ما تم بين 2014 و2019 حيث خاضت أطراف ليبية ضيقة الأفق الاستراتيجية رحى حروب ومعارك اشعلتها أذرع إقليمية (دول المحورين الإقليميين) خدمة لأجندات قوى دولية ومحافل عالمية وشركات عالمية عابرة للبلدان والقارات…

 

5- العمل على عودة كل المهجرين والمبعدين وكل النازحين من بيوتهم بعد وقبل 2011 وان يكون القانون فيصلا بين الجميع ورسم ملامح عدالة انتقالية منصفة للجميع وإنجاز مصالحة وطنية شاملة تدفن آلام الماضي من اجل بناء مستقبلي يشارك فيه الجميع بغض النظر عن الخلفيات الاجتماعية أو المناطقيةأو التوجهات الثقافية والسياسية…

 

6- معالجة قضايا وملفات الهجرة غير الشرعية والإرهاب والتهريب والمخدرات وشبكاتها المختلفة والتعاطي مع ملفات رئيسة بحكمة وتبصر وخاصة قضايا “التبو” و”الطوارق” في الجنوب ومن ثم منع تجسيد استراتيجيا قلب المعطيات الديمغرافية هناك، إضافة الى حفظ لوجستي واستراتيجي للثروات في حوضي “نالوت” و”غدامس”وأيضا لثروات الشريط الحدودي مع “النيجر” و”التشاد” وخاصة تلك الموجودة قريبا من مطار “سارة” وفي جبل “غريان”…

[1] الكاتب نشر اكثر من مقال ودراسة حول فكرة توازن الضعف وتوازن القوى ونذكر على سبيل المثال لا الحصر دراسة “توازن القوى بين مكونات المشهد السياسي ومالات الحل السياسي“،وهي دراسة منشورة على حلقتين على صفحات أسبوعية “الرأي العام” التونسية بتاريخي 01 و08 نوفمبر 2018 ص 20-21

[2]بخصوص ذلك يُمكن مراجعة دراستي الكاتب:

 

  • دراسة منشورة في موقع “المغراب نيوز” تحت عنوان “المشهد السياسي الليبي وحالة التأرجح المستمرة بين الخيارين التونسي والمصري” بتاريخ 01 أكتوبر 2018

 

  • دراسة منشورة على صفحات صحيفة “الراي العام” التونسية “ليبيا: مشهد سياسي متقلب وحالة التارجح بين الخيارين المصري والتونسي” بتاريخ 28 سبتمبر 2017 …

[3] أنظر دراسة الكاتب “توجهات وفاعلية الأطراف الدولية في الملف الليبي اثناء مؤتمر باليرمو وبعده” موقع “مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية” بتاريخ 17-12-2018

 

[4]لا بد من ذكر وتأكيد أن الكاتب الليبي “إسماعيل القريتلي” قد لخص بداية الأسبوع الحاليفي تدوينةمختصرة (إجابة منه على سؤال الدبلوماسي الليبي “إبراهيم موسى سعيد قرادة”)تلك الاستراتيجيات في أربع وتعتبر الفقرة أعلاه قراءة تحليلية موسعة وأكثر شرحا مع تغيير وتحيين لعدد من الأفكار الواردة في تدوينته…

 

المصدر : صحيفة الراي العام العدد 207 بتاريخ 27ماي 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق