تحاليلتونس

تونس: النُخبة الحداثوية ومُحاولات توظيف قضايا الإقليم ضد خصومهم الإسلاميين

يتكرَّر الأمر مع كُل تطوُّر في الخليج وفي فلسطين المحتلة

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

** تمهيد

1- خالفت النُخبة التونسية منذ عقود منطق القاعدة السوسيولوجية- أي قاعدة علم الاجتماع – القائلة أنَّه كلَّما دخل مجتمع في أزمة الا واستنجد بنخبته لتجد وتستنبط له الحلول، بل وعلى عكس من ذلك كانت تلك النخبة دائما في وضع التسلل عن شعبها ولتبقى في وضع التوظيف من طرف النخب الحاكمة والمتسلطة بالأساس بل ان الوقائع والتاريخ أثبتا أن جماهير الشعب عادة ما سبقت تلك النخب وأجبرتها على المسايرة للتطورات وهوما حدث في أكثر من محطة تاريخية مهمة ورئيسية على غرار أحداث جانفي 1978 وجانفي 1984 وأفريل 1986 وصائفة 1987 وجانفي 2008 وديسمبر 2010/جانفي 2011…

 

2- يُمكن الجزم أن النخبة التونسية في أغلبها هي نخبة وظيفية للأذرع الإقليمية وأنها قامت بتوجيهها للتماهي مع استراتيجيات دولية حتى أنه كلما تطورت الأوضاع في فرنسا مثلا الا وكانت الاستجابة آلية من طرف النخب التابعة والمستلبة في اهتماماتها وأدوارها ولعل أحداث ماي 1968 مثال دال ومعير حيث كان تونس أولى ساحات التفاعل والانسياق نحو نفس التوجهات رغم اختلاف الخصوصية الحضارية لتونس وشعبها فيما رفع من مطالب في باريس وبقية المدن الفرنسية….

 

3- نجح الاماراتيون وحلفائهم في الإقليم منذ نهاية سنة 2012 في فرض وتنزيل منطق دعم التجاذبات الأيديولوجيةبين الأطراف السياسية ومن ثم تنامت المناكفات العقيمة وليساهم كل ذلك موضوعيا في ضرب الثورات العربية وتقوية أذرع الثورات المضادة لها، وتم نقل عُقدة الاماراتيين مع “الاخوان المسلمين”بل ومع كل تيارات الإسلاميين الى الساحات العربية، والغريب أن النخب التونسية وخاصة الحداثوية منها أو “الحدثوت”(بعبارة بعض الطلاب التونسيين خلال السنتين الماضيين)تفننوا في محاكاة وتنفيذ استراتيجيات المحور المصري/السعودي/الاماراتي ومن أهم تجسدات ذلك هو عمد تلك النخب الوظيفية التونسية إلى البحث عن توظيف قضايا الإقليم ضد خصومهم الإسلاميين (أساسا ضد حركة النهضة باعتبارها طرفا سياسيا وركنا مركزيا في الحفاظ على تجربة الانتقال الديمقراطي)، ومن ثم تم توظيف وسائل اعلام عدة ونقل سرديات مشرقية قديمة وهو أمر سبق وأن تمَّمُحاكاته في تونس اثناء حرب الخليج الثانية في بداية التسعينات من القرن الماضي وخاصة بعد استنجاد السعوديين بالقوات الأمريكية وحلفائها بناء على دخول القوات العراقية للأراضي الكويتية صبيحة يوم 02 أوت 1990 ولكن وقوف الإسلاميين التونسيين يومها مع العراق وضع كل المخطط في مربعات الترنح…

 

4- بناء على ما سبق تبقى الأسئلة المهمة موضوعيا هي:

 

  • لماذا تعمد تلك النُخب رغم وسم نفسها بــــــ”الحداثية” و”التقديمة” عند كل مستجد إقليمي الى استعمال كل الوسائل والأدوات والآليات لتشويه خصمها التاريخي والألد أي “حركة النهضة”، خاصة وأن الأصل فيه أن تكون الأولوية المطلقة للجميع هي بناء وحدة وطنية “صماء”(العبارة لبورقيبة)وذلك بهدف التصدي لآثار وترتبات ذلك المستجد الإقليمي على تونس وشعبها ومستقبل أجيالها ومن ثم التعدي لخدمة كل الأمة العربية والإسلامية وقضاياها المركزية؟

 

  • متى ستتخلص النخب الحداثوية من وظيفيتها القاتلة تجاه كل ما هو خصوصية حضارية لتونس وهل الاشكال في طرف سياسي بعينه أم في عقدة كرسها الاستعمار الفرنسي أي في الخلفية الفكرية والايديولوجية لذلك الخصم السياسي والذي طالما تحالفت جزء من تلك النخب مع “المستبد” (نظامي “بورقيبة” و”بن علي”) لتدميره بدون أن تُحقّقَ أي نجاحات منذ بداية الستينات رغم خطط واستراتيجيات ما سمته بتجفيف المنابع؟

 

  • لماذا لا تلجأ تلك النخب لمنطق الحضارة والتقدم والحداثة وهو الانتصار سياسيا على خصمها الأيديولوجي من خلال صناديق الاقتراع ومن ثم الكف عن الوظيفية وتوظيف القضايا الإقليمية، ومتى ستكف عن الذهنية الانقلابية والبحث عن البيان رقم1 كلما قارب المستجد الإقليمي عن نهاية احداثه؟

 

 

**المشكلة في الوظيفية وليس في آليات التوظيف كوسيلة سياسية على أرضية الصراع الفكري في قضايا الإقليم

 


من الطبيعي أن يعمد كل طرف سياسي لإحراج خصومه الفكريين والسياسيين في أي مستجد اجتماعي او سياسي او ثقافي سواء كان محليا او إقليميا او دوليا على ان يتم ذلك على أرضية الصراع الفكري وبشرط أن يكون ذلك بشرف وموضوعية وبأدلة حججية وأدوات فكرية وعبر نقد الأدبيات والقراءات التاريخية والتفكيكيةوأن يكون الخطاب سهلا ويسيرا حتى تستوعبه الجماهير باعتبارها حكما بين الجميع، ولكن الاشكال واقعيا هو فيما تستعمله بعض النخب الحداثية والتي تدعي التقدمية والعلمية في اطروحاتها ومقولاتها، هي أنَّها:

 

  • تستعمل القذارات والتزييف وهنا لابد من التأكيد أنه ليس العيب في ان تختلف مع طرف ما- فذلك ضرورة قبل ان يكون حق مكتسب لك ولغيرك- بل الكارثة هو في أن تكون وظيفيا لغيرك سواء كان محليا أو كان ذراعا إقليمية، فماذا يعني ان تسكت على فاشية نظام الانقلاب في مصر وعلى ومربعات صهينته؟، وماذا يعني أن تسكت على تطبيع نظام الامارات ثم تتحول الى ناقد وعبر وسائل وظيفية لرمي خصمك المحلي أنه ليس وفيا للقضية الفلسطينية وانه يضعها في المزاد؟…

 

  • تُغيب حقائق التاريخ والواقع على غرار حجب معطيات عن أنصارها وعن شعبها اثناء ابلاغ مواقفها،وهل نسيت الأطراف السياسية التونسية مثلا أن الاخوان المسلمين – بغض النظر عن الخلاف معهم فكريا وسياسيا- أنهم سطروا ملاحم تاريخية في فلسطين منذ معركة “التبت” سنة 1948، وأن للإخوان بطولات وقراءات يعرفها العدو قبل الصديق وأن الشيخ “ياسين” (مؤسس “حماس”) هو قيادي في اخوان فلسطين وانهم من قاد النضال في غزة منذ بداية الخمسينات، وأن زعيم النهضة “راشد الغنوشي” هو أول من نظر لمركزية القضية الفلسطينية منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، وأن اسلاميي ليبيا بما في ذلك من تسبب “حفتر” في تهجيرهم من شرق ليبيا هم من هربوا ترسانة “القذافي” الصاروخية نحو غزة عبر الانفاق وفي عهد مرسي تحديدا وبرعايته الشخصية، وقبل ذلك تعلم تلك النخب أن استراتيجيات المقاومة في غزة منذ بداية التسعينات قد بُنيت بسواعد وبأموال ولوجستيك “الاخوان” قبل ان يأتي الدعم اللوجستيك الإيراني في قوت لاحق…

 

** الخسارة الآلية تونسيا في توظيف القضية الفلسطينية ضد الإسلاميين؟

 

1- محاولة ايهام البعض بأنَّ الإسلاميين وبعض حلفائهم في تونس (المرزوقي أساسا) ليسوا سابقين وسباقين في دعم الفلسطينيين، معركة خاسرة آليا لأن الشعب التونسي فطري الذكاء مُجمع وخازن للأحداث والمعطيات وهو على حد عبارة رئيس الحكومة الأسبق علي لعريض “يعرف من يخدم به ومن يخدمه”، وهو أيضا يعي جيدا ويعرف الكثير الكثير وخصوصا اذا تعلق الامر بفلسطين، وهو يعي ان لا وفد حكومي زار فلسطين وغزة الا في حكومة الترويكا سنة 2012 وأن القصر الرئاسي في عهد حكومتيها دخله “هنية” و”مشعل” وقيادات فلسطينية أخرى وأن وزير الخارجية الأسبق “رفيق عبدالسلام” يدفع حاليا أثمان تلك الزيارة التي ترأس فيها الوفد التونسي…

 

2- المستقبل السياسي في تونس لم ولن يُبنى على الحقد والمرض الايديولوجي العقيم ولن تجد تُرَّهات ومقولات حقد “حمادي بن جاءبالله” و”سلوى الشرفي” و”الفة يوسف” و”الصادق شعبان” (الذي كان طلبة كلية الحقوق بسوسة يصفونه بالكاذب ثعبان)، ولا ورثتهم من اليسار الثقافي الحاقد على ثقافة الوطن والأمة ولا من بعض تائهي التيار القومي ولا مُتطرفي التيار السلفي الحاقد والمعد لوجستيا في مخابر القديمة ولا في مربعات اجهزة مخابرات إقليمية ودولية، وبالتالي فان مستقبل تونس لن يُبنى الا ضمن مُربعات التوافق والالتقاء والحوار الوطني على قاعدة المشترك والاستراتيجي في خدمة شعب أبيّ سبق نُخبته كما بيَّنا ذلك أعلاه وبالتالي لم ولن تنجح معه السفسطة التوظيفية ولا معارك الهتشكوك الممولة اماراتيا وربما أيضا صهيونيا…

 

3- ان قضايا القدس وفلسطين هي قضايا مركزية لكل عربي بل ولكل مسلم وكل مسيحي وكل يهودي (غير صهيوني طبعا)، وليس مهما ان تكون من أي ديانة ولا ان تكون ما تكون ايديولوجيتك أو حزبك أو افكارك، والمهم ان تكون نصيرا للضعفاء مؤتمنا على نصرة المستضعفين أينما كانوا ونصيرا لكل قضايا التحرر في العالم لتكون نصيرا وحليفا موضوعيا في معارك التحرر الفلسطيني وهو أمر لو واعاه الوظيفيون والتوظيفيون لكفوا عن افعالهم ومزايداتهم ولكنهم صم بكم…

 

4- لو كان البعض موضوعيا لما لجأ للتوظيف والمزايدة وكان الأفضل لهم في رأينا وضع استراتيجيات ثقافية حول فلسطين حتى تعرف الأجيال القادمة واجباتها تجاه قضايا الوطن والأمة المركزية، ومن ثم لطالبوا بفتح ملفات اغتيال أبو جهاد (خليل الوزير) في أفريل 1988 خاصة وان الرئيس المخلوع هو من سهل لوجستيك عملية الاغتيال وأجهزته هي ربما من تخلصت من شابين (وجدا مقتولين في غابة حمام الشط بناء على ارتباطهما اللوجستي بعملية الاغتيا ووجت أموال طائلة بحسابيهما البنكيين)، كما لابد لأولئك من فتح ملف المسؤولين التونسيين الذين سهلوا واعطوا المعطيات ليتم في 01 أكتوبر 1985 قصف مقار منظمة التحرير في حمام الشط ويومها اختلطت الدماء التونسية والفلسطينية، كما هو حري بأولئك التساؤل: كيف ساهم بعض تونسيين في إدارة الرئيس المخلوع في عملية اغتيال “فتحي الشقاقي” في مالطا منتصف تسعينات القرن الماضي، وكل ذلك ليس الا من فيض من غيض له علاقة بالمخلوع ورجاله القذرين وبعضهم كان يشتغل خارج الاجهزة الأمنية الرسمية وعلى علاقة مباشرة بالمخلوع نفسه وبعض أركان قصره من السياسيين ومن “الثقفوت” المتحالف معه، وبالتالي فالبعض الصمت أنسب له في انتظار توضح وفتح الملفات وليس ذلك ببعيد (مؤكد وأكيد)…

 

5- إنَّ توظيف قضية فلسطين سيعود على المشتغلين عليه بالويل والثبور، لأنَّه وان كان البعض وظيفيا أو ربما عن غير وعي منه، فان البقية الباقية وهم اغلبية ليسوا الا صهاينة بثوب تونسي مثلما أن مُشغّليهم الإقليميين ليسوا سواء صهاينة عرب والأغرب أن بعض تونسيين لم يُبحروا في عالم التوظيف والوظيفية للقضية الفلسطينية تجاه خصومهم الإسلاميين إلا بعد 11 ماي الحالي أي تحديدا بعد أن وصلهم الضوء الأخضر من بعض دول الاقليم للتنديد وإصدار بيانات تمكنهم من قليل من الطهر تجاه الشعب الذي استغرب صمتهم بين 07 و11 ماي وقبل ذلك صمتهم المريب تجاه تطبيع البحرين والامارات ودول أخرى وتجاه فرض التطبيع على السودان ذلك البلد العربي المسلم الذي رفعت فيه يوما مقولة رئيسية وهي “لا صلح لا اعتراف لا تفاوض” او ما سمي باللاءات الثلاث…

 

6- ساهم التونسيون قبل بداية حرب 1948 وأثناءها وبعدها في نضالات الشعب الفلسطيني ومشوا اليها عبر الاقدام وشاركوا وانضموا للفصائل الفلسطينية وشاركوا في عمليات فدائية عدة وساندوا المقاومة اجتماعيا وسياسيا ولوجستيا وتكنولوجيا ولعل “محمد الزواري” عنقود من العناقيد العديدة ولن يكون الأخير، وبالتالي على الأطراف السياسية جمعاء ان تكف عن المزايدة والوظيفية القذرة فنحن كتونسيين فلسطينيي الهوى قبل أن ترى النور بعض دويلات عربية ها هي اليوم تُزايد علينا وتشغل بعض قذرين من نخبتنا لإعاقتنا واعاقة تحرير فلسطين خاصة وان الدور المستقبلي لبعضها هي تبرير وتكييف الأجواء لبناء الهيكل المزعوم والذي لم ولن يبنى لان متغيرات استراتيجية ستطرأ في ارض فلسطين بين سنتي 2021 و2026…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق