تحاليلشؤون مغاربية

رفع الحجر الصحي في الدول المغاربية

تقييم علمي ومرحلي ام ضغوط اقتصادية واجتماعية؟

علي عبداللطيف اللافي -كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

بين 16 و21 ماي ستُصدر الدول المغاربية الخمسة قرارات تقضي بكسر الحجر الصحي الإلزامي وإعادة الحياة إلى نسقها الطبيعي مع الإبقاء على بعض إجراءات استثنائية وقائية، وان كان الامر مُنتظرا ومُرتقبا الا أن التساؤل سيبقى قائما وهو: هل أن تلك القرارات اُتخذت وستتخذ بناء على قرارات اللجان العلمية وبناء على اعتماد التقييمات المرحلية ام هي ضرورات السياسية وضغط الوضع الاقتصادي والاجتماعي؟ وهل هناك أدوار لبعض قوى الضغط ولوبيات تجارية ومالية وكبار رجال الأعمال المحليين والأجانب،خاصة أن الدول المغاربية ليس لها القدرة الكاملة على التعويض للفئات المتضررة وخاصة من صغار التجار والمؤسسات الاقتصادية المتضررة؟

 

** رفع الحجر الصحي مغاربيا بين التقييمات العلمية المدروسة وسياسات الضبابية والارتجال

1- عمليا لم ولن تكون الخطوات القاضية برفع الحجر الصحي في أغلبها استجابة لقرار من الجهات الصحية بزوال المخاوف من انتشار الوباء والنجاح في التحكم في سلالاته الجديدة، حيث لا تُعرف بدقة (وليس هناك أي ضبط وآليات محددة)، أيّة معطيات استخدمتهاالدول المغاربية وهي تعلنأو ستعلن عن إجراءات تخفيف الحجر، وهل هي مبنية على عدد الإصابات الذي لا يزال في تصاعد أم على عدد التلاقيح التي لم تحصل عليها سوى نسبة قليلة من السكان في الدول الخمس، خاصة وأن عدد أسرّة الطوارئ في اغلب الدول الخمسة كان أقل بكثير من أعداد المصابين…

 

2- يبدو أن الأقرب للحقيقة والواقع أن قرارات تخفيف الحجر كانت أقرب للمزاجية وليس بناء على تقييمات ودراسات كما لم يقع الاهتمام بتجارب دول غربية وأوروبية بالأساس على غرار فرنسا وبريطانيا التي نجحت في تحقيق خروج آمن إلى حد الآنومن ثم الاستفادة منها مع مراعاة الخصوصية المغاربية اقتصاديا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا…

 

3- من خلال استقراء الوضع السياسي العام في أغلب الدول المغاربية، يُمكن الجزم أن العامل الاقتصادي قد سيطر على أغلب قرارات تونس والجزائر وموريتانيا وسيُسطر على قرارات المغرب يوم 21 ماي الجاري وسيكون كعامل حاضرا في قرارات مرتقبة في ليبيا نهاية الشهر الحالي باعتبار أن هذا البلد المغاربي لم تتخذ أصلا قرارات سابقة للحضر الشامل نتاج التقلص في عدد الإصابات واستثنائية الوضع الوبائي فيها وأيضا نتاج طبيعة التطورات السياسية والاجتماعية فيها…

 

4 -فعليا باتت أغلب دول المنطقة المغاربية عاجزة عن تحمل الفاتورة الباهظة لجائحة استمرت أكثرَ من عام، وما تخللها من أزمات اجتماعية حادة خاصة في تونس وموريتانيا، يضاف إلى ذلك العامل النفسي الضاغط الذي ساهم في موجات الغضب الشعبي في بعض الدول المغاربية…

 

5- من المنتظر أن تفتح خلال الاسابيع القادمة الأبواب أمام مواطنيالدول المغاربية للسفر خارجها وفي ما بينها وخاصة أولئك الذين تلقوا جرعات التلقيح وسيتم ذلك في الوقت الذي لم تقدم فيه هذه الجرعات سوى لنسبة ضعيفة سواء في الجزائر أو في تونس أو في المغرب،والتي لم تتجاوز ثلث السكان في الدول الخمس فضلا عن أجانب (عمال أفارقة بالآلاف مثلا في كل من الجزائر وتونس والمغرب، ومرتزقة بعشرات الآلاف في ليبيا كانوا ولا يزالون في معسكرات قوات طرفي الصراع الخامد حاليا وخاصة في جنوب البلاد وفي المنطقة الوسطى من ليبياوطبعا لم يحصلأولئك بعد على اللقاح أو أنه غير مطروح حصولهم عليه أصلا…).

 

6- حركة السفر بين الدول المغاربية ستكون قوية وخاصة بين كل من تونس والجزائر من جهة لو فُتحت الحدود (وهو أمر منتظر خلال الأسابيع القادمة)، وها هي تتنامى بين تونس وليبيا بشكل سريع وهو ما حدث خلال الأيام الماضية، ومن المرتقب ان تتنامىبين المغرب ودول افريقية وأخرى عربية وأوروبية لو اتجهت المغرب فعلا للتخفيف من القيود التي اتخذتها وفقا لما هو متداول حاليا (معلوم أن قرار غلق الطيران بين تونس والمغرب تم اتخاذه احتياطيا حتى لا يتم استعمال مطار قرطاج محطة ترانزيت لعودة بعض مهاجري المغرب من أوروبا)،ومما لا شك فيه أن حركة السفر بين الدول المغاربية وبينها وبين الدول الأوروبية ستتنامى وخاصة للمواطنين المُحصنين ضد الفايروس بالسفر مجددا إلى الخارج بعد أكثر من عام من شبه منع كامل الرحلات الخارجية في اغلب الدول المغاربية…

 

7- لا يقتصر الامر أيضا على قرارات الدول المغاربية لان قرارات مماثلة اتخذت في دول شقيقة وصديقة ذلك أنه عند منتصف ليل الأحد – الاثنين (أي 16-17 ماي الحالي) توجه المسافرون السعوديون أيضا إلى المطارات للانطلاق في رحلات جوية إلى الخارج(وطبعا من بينها الدول المغاربية رغم ان أولئك عددهم قليل ويقتصر على رجال اعمال ومستثمرين ودبلوماسيين وبعض ممثلي مؤسسات إقليمية لا غير) …

 

8- اعلان تركيا عن البدء برفع تدريجي للحجر رغم أن البلاد لا تزال مُصنفة كمنطقة حمراء لدى بلدان كثيرةسيرفع في عدد المسافرين اليها من الدول المغاربة خاصة وأن الحركة التجارية للدول المغاربية معها قوية ومتنامية وخاصة من ليبيا وتونس بدرجة أولى ومن بقية الدول المغاربية الأخرى بدرجة ثانية، ومعلوم أن وزارة الداخلية التركية قد أعلنت الأحد 16 ماي الحالي تفاصيل مرحلة العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية (بعد نحو ثلاثة أسابيع من إغلاق عام شديد الصرامة لمواجهة تفشي فايروس كورونا)، واضافة الى ذلك تم اطلاق فيديوهات حكومية ترويجية للسياحة – وهي فيديوهاتتُعطي الأولوية للعاملين في القطاع السياحي – وهي مسألة يحضر فيها البعد الاقتصادي خاصة أن عدد من حصلوا على التلقيح لا يزال محدودا في تركيا (تلقى حوالي 18 في المئة من السكان البالغ عددهم 84 مليونا أول تطعيم لهم)، وكل ما سبق يعني ان مواطني الدول المغاربية سيكونون غير مشمولين ببعض القرارات في تركيا باعتبارهم مرحب بهم وباعتبارهم مُصنفين كسياح رغم الصبغة التجارية والسياحية لسفر 90 بالمائة منهم لتركيا…

** الدول المغاربية وحيثيات القرارات الأخيرة 

1- تونس :  تحت الضغوط الاقتصادية غيَّرت تونس قرارا بشكل كامل من حجر كلي لمدة أسبوع إلى عودة كلية للقطاع الحكومي والمدارس والمعاهد والجامعات مع أن الوضع ما زال يراوح مكانه من حيث ارتفاع عدد المصابين والمتوفين ومحدودية أعداد من تلقوا التلقيح، وتقول وزارة الصحة في الحكومة التونسية أنها تُخطط لتطعيم ثلاثة ملايين مواطن – أي نحو ربع السكان- بنهاية جوان/يونيو المقبل، لكن إلى حد الآن لم يتم إعطاء التلقيح سوى لأقل من 600 ألف شخص فيما مخزون اللقاحات المتوفر لا يتعدى 832 ألفا، وهو ما يعني أن قرار وقف العمل بإجراءات الحجر قرار اقرب للسياسي منه للصحي، وتجد الحكومة الحالية نفسها تحت ضغوط كثيرة خاصة من العاملين في القطاع الخاص وفي قطاعات مثل المقاهي والمطاعم والتجار الذين رفضوا خلال الفترة الماضية فكرة الحجر الصحي الشامل ومعلوم أن الخلافات السياسية بين أطراف الحكم امتدت لتوظيف قضية الحجر الصحي لتسجيل النقاط ضد الحكومة وساهمت في كسر خططها لحجر كامل للحد من انتشار العدوى، ويتخوف التونسيونمن أن يقود الارتباك الحكومي في إدارة ملف كورونا إلى انتشار الوباء أكثر من محاصرته خاصة إذا تم التخفيف في إجراءات فتح الحدود واستقبال السياح والعمالة التونسية في الخارج، ومن ثم في تكرار لما حصل منذ أكثر من سنة لما ارتكب رئيس الحكومة الأسبق “الياس الفخفاخ” كوارث وأخطاء قاتلة عبر اقالة وزير الصحة يومها “عبداللطيف المكي” وهو الذي أجمع كل التونسيين على نجاحه و ألمعيته (طبعا هو وفريقه)،  وتم يومها تعيين وزير بالنيابة من غير أهل الاختصاص لتحصل الكارثة في ظل فتح الحدود ونتاج أخطاء أخرى عديدة…

 

2- الجزائر: وهو بلد يعيش ضغوط عديدة ومرحلة تحول سياسي واجتماعي،ويمكن القول أنه مع وجود بعض فوارق فان الجزائر تعيش نفس الضغوط التي تعيشها تونس ودفعتها إلى إعلان بداية الشهر القادم موعدا لكسر الحجر الصحي وفتح الحدود ولكن “وفق شروط صارمة جدا”…” وفقا لعبارة المسؤولين الجزائريين وقد قادت جمعيات الجالية الجزائرية في الخارج حملة تحت شعار “حقّي ندخل بلادي” للمطالبة بفتح الحدود للجزائريين وإلغاء شرط الحصول على رخصة استثنائية للسفر مع تسيير رحلات عادية للخطوط الجزائرية والأجنبية، كما أعلنت الرئاسة الجزائرية أنّ مجلس الوزراء وافق على إعادة فتح أهم ثلاثة مطارات للرحلات الدولية ابتداءً من الأول من يونيو بعد أكثر من سنة من غلق الحدود، وجاء في بيان الرئاسة إثر اجتماع مجلس الوزراء برئاسة عبدالمجيد تبون “وافق مجلس الوزراء على مقترحات الفتح الجزئي، على أن تكون البداية بمعدل خمس رحلات يوميا من وإلى مطارات “العاصمة”،”قسنطينة” و”وهران”، ابتداء من الأول من جوان/(يونيو المقبل، وأضاف البيان “مع ضرورة التقيد التام بالإجراءات الاحتياطية الصارمة، على أن يصدر البيان التنظيمي في هذا الشأن خلال أسبوع”.

 

3- المغرب: يبدو المغرب في حالة ووضعية أحسن من تونس والجزائر رغم تعدد الإصابات خلال الفترة الماضية بشكل تصاعدي ولكن حالة الاستقرار السياسي سهلت عليه التعاطي مع الأزمة الصحية بقرارات حازمة ومعالجات مرحلية وفعالة وان كانت مؤلمة على الاستثمار وعلى مستوى الوضع الاجتماعي وخاصة في بعض المدن الداخلية، وربما ستكون قرارات 21 ماي الحالي مقياسا لمدى قدرة السلطات في ان تكون قراراتها عملية أولا ومبينة على تقييمات ودراسات ومعطيات دقيقة ثانيا، وخاصة في التعاطي مع مطالب بعض المهاجرين في العودة من الخارج وهو أمر تعذر خلال الأشهر والأسابيع الماضية بناء على ان الإجراءات المشددة لم تسمح بذلك، ومعلوم انه تم ترحيل موعد الاستحقاقات الانتخابية التي كانت مبرمجة لشهر جوان/يونيو الى سبتمبر/أيلول المقبل…

 

4- ليبيا: كما أوضحنا أعلاه فان الوضع في ليبيا يختلف عن مثيلاته في بقية الدول المغاربية سياسيا وصحيا نتاج الانقسام الذي كان حاصلا ونتاج الحرب التي كانت دائرة بين طرفي الصراع، وفعليا أعلن مدير مركز مكافحة الأمراض “بدر الدين النجار” أن الوضع الوبائي هذه الفترة مستقر ونترقب نتائج الازدحام الذي حصل الفترة الأخيرة، وعلى الأرجح أننا في مرحلة مناعة مجتمعية..”، ومقابل ذلك أشار بعض المختصين وجود السلالات المتحورة من الفيروس وهو ما يعني في ظل نقص الإمكانيات والتجهيزات الصحية وعدم الالتزام من المواطنين،أن ليبيا قد تعرف أيضا مرحلة خطرة، والثابت أيضا أن انخفاض عدد الحالات الموجبة في الفترة الأخيرة سببه نقص الإقبال على إجراء التحاليل الراجع إلى انخفاض إجراء العمليات والسفر، وفي المجمل الوضع في ليبيا منذ عدة أسابيع مستقر ومطمئنإضافة للإقبال على التسجيل في منظومة التطعيمات، كما بدأت مراكز التطعيمات في استقبال المستهدفين بالتطعيم (تم عمليا استهدف ما لا يقل عن 110 آلاف مواطن حتى الآن…)

 

5- موريتانيا: الوضع في موريتانيا هو في حالة بين الحالتين التونسية والليبية، وهو أقرب

 

  • للوضعية التونسية: من حيث طبيعة التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتأثير الإجراءات المرتقبة على صغار التجار والحرفيين والطبقات الهشة اجتماعيا…
  • للوضعية الليبية: وخاصة في طبيعة العمران والتوزع السكاني وطبيعة الوضع الاجتماعي والثقافي…

 

وكل ما سبق يعني أن المعالجة الصحية في موريتانيا وخاصة اجراء التطعيم والحماية الاجتماعية أمر يسير ومتيسر ولا يتطلب تعقيدات كبرى مما عليه في تونس والجزائر والمغرب بناء على عومل اجتماعية وديمغرافية يتسم بها المجتمع الموريتاني…

المصدر الراي العام بتاريخ 20 ماي 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق