تونسدراسات

تونس : أي مستقبل لحزب التيار الديمقراطي؟(2من2)

بعد الترنح السياسي والتنظيمي والإمعان في الوظيفية

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 

** تمهيد

1- عبرت التصريحاتغير المسبوقةللنائبةسامية عبو” بداية الأسبوع الحالي وخاصة تلك المطالبة باستعمال الجيش والقضاء ووضعهما تحت إمرة الرئيس عن أزمة حزب “التيار الديمقراطي”، ويؤكد أغلب المتابعين للتطورات السياسية أن الحزب يعيش مرحلة ترنح وأداء سياسي كارثي (تصريحاتالقيادي “محمد عمار” في احدى البرامج التلفزية نهاية شهر فيفري الماضي ومضمون ما قاله في تسريبات سابقة)، إضافة الى استقالة الأمين العام “غازي الشواشي” ثم عودته لاحقا دون أن نُغيّبَ صراع الاجنحة المستمر في بعض هياكله المركزية، عن طبيعة ووظيفية حزب “التيار الديمقراطي” خاصة في ظل تفكّكُه التنظيمي منذ خروجه من الحكم، ومعلوم أن مدام “عبو”،قد أمعنت في الوظيفية والاصطفاف وراء الرئيس “سعيد” ووراء خيارات متكلسة سواء داخل البرلمان أو خارجه) منذ أكثر من سنة ونصف…

 

2- في الجزء الأول من هذه الدراسة التحليلية[1]،تعرضنا الى ما أسميناه بفيروس الوظيفية الذي أسَّسه “محمد عبو” في حزب “المؤتمر” منذ كان قياديا فيه، وبيَّنا كيف تحول الى فيروسات عدة في الحزب الجديد؟، إضافة الى تبيان كيف كانت الوظيفية قاتلة من تأسيس الحزب الجديد سنة 2013 ولتلقي بظلالها على سلسلة تخبطاته الحالية؟…

 

3- في هذا الجزء الثاني والأخير، نستشرف مستقبل الحزب مستقبليا بعد عرض تحليلي لتخبطاته منذ أكثر من شهرين وقبل ذلك كارثية أدائه السياسي منذ المصادقة على تشكيل حكومة “هشام المشيشي” في نهاية الصائفة الماضية وحقيقة بحث “محمد” عبو عن دور وظيفي جديد…

 

 

**في البحث عن أسباب كارثية الأداءبالنسبة للحزب ونوابه

 


1- الانحراف
السياسي في مواقف التيار وحليفه وشريكه في الكتلة الديمقراطية (أي حركة الشعب الناصرية) أصبح سمة من السمات وتجسد أثناء اجتماع القصر الخاص بالأحزاب قبل يوم واحد من التصويت على حكومة المشيشي، بل أن الامر لم يقف عند الوظيفية وتجاوزه الى العقلية الانقلابية البحتة يومها وكرسته عمليا وميدانيا مواقف نواب الكتلة الديمقراطية وهي مواقف أخذت منحى وظيفي مباشر ومتناغم مع قوى سياسية كان ينتقدها على غرار حزبي “تحيا تونس” و”الدستوري الحر”، وأيضا عبر التناقض مع مواقف كان يُندد بها (“طبيعة وحرج المرحلة اقتصاديا واجتماعيا” كمثال للذكر لا الحصر)، ثم لاحقا محاولة حشر بعض خصوم في الزاوية وفقا لمنهجية الاصطفاف غير المباشر إقليميا ودوليا وبدى الحزب وزعيمه مُرتبكين كثيرا أثناء مُشاورات تشكيل الحكومة وقبل اختيار رئيسها المُكلّف يومها (اقترح الحزب وكما ذكرنا سابقا الثلاثي “الحامدي”، “الشواشي” و”عبو” لرئاسة الحكومة بعد اسقاط حكومة “الفخفاخ” أو ما قيل أنه استقالة لها…)[2]

 

2- عشيةتوضّح مُرور حكومة “المشيشي”، سارع “محمد عبو” إلى الإعلان عن استقالته من الأمانة لحزبه وتمسكه بها وجاء ذلك بعد خطوات هتشكوكية اجرائيا واداريا واعلاميا تحت مظلة ولافتة محاربة الفساد وهو الذي لم يعط قيمة حتى لسيارة الدولة اثناء توليه حقيبة وزارية في حكومة الفخفاخ، ذلك أنه يتركها مساء كل يوم عبر عدم وضعها في مكان يحميها من كوارث التعطيل والإهمال والطقس بل يعمد ان يتركها عرضة لذلك قريبا من سكنى عائلته في أحد أحياء العاصمة…

 

3- كُل ما سبق من معطيات في هذه الدراسة ودراسة سابقة حول مسار “محمد عبو” ووظيفيته السياسية[3]، يؤكد ويعني أن الرجل كان وظيفيا في كل ممارسة سياسية مباشرة منذ 2012 بغض النظر عن الوعي وعدم الوعي السياسي بما يأتيه وهل هو يتحرك بناء على سلوك سياسي استراتيجي أو بناء على ردود أفعال ورغبات سياسية تكتيكية سواء كانت شخصية او حزبية أو بناء على رغبة نواب الكتلة واصطفافاهمالايديولوجي والإقليمي، وهو ما يُحيلنا الى التساؤل: هل أصبح الرجل يبحث عن دور وظيفي جديد في إطار تلك الهستيريا التكتيكية سياسيا واجتماعيا واعلاميا؟

 

4- الثابت أن فكرة عامة أصبحت راسخة لدى كل النخب والرأي العام التونسي وخاصة السياسي منه وهي أن “محمد عبو سياسي متسرع مربك لحلفائه أكثر من خصومه”، ولعل ارباكه لحكومتي الترويكا الأولى والثانية (استقالته السريعة من الأولى وهروبه المفاجئ من الثانية ليلة الإعلان عنها)، وقبل ذلك ارباك حزب المؤتمر قبل وبعد الثورة وأيضا بعد توليه الأمانة العامة فيه، ثم آليات وطرق وزمن تأسيسه لحزب التيار ثم اعتماده منطق تحويل الشواشي الى “مدفيف” التيار (تمكينه من الأمانة العامة كلما هرب منها “عبو”)، وقبل كل ذلك عمده نهاية سنة 2012 إلى تشويه وزير الخارجية الأسبق “رفيق عبدالسلام” وغيره ممن رافقوه في الحزب عبر مجموعة كونها وبعثها داخل “التيار” وتحديدا عشية مؤتمر الحزب في القيروان (في 2011) ان لم يكن قبلها، ومن الواضح بناء على كل ذلك وغيره من المعطيات أن مطامح “عبو” في تولي حقيبتي العدل والداخلية منذ 2011 وعدم تحقق ذلك له قد جعله مُربك سياسيا حتى لنفسه ولمقولاته التي ناضل من أجلها أو قال انه يؤمن بها منذ أن خطّها بنفسه على أسوار ومبان أثناء حكم الرئيس المخلوع …[4]

 

** هل تجاوز محمد عبو دورهالوظيفي الجديد الى دور وظيفي غير معلن؟

 

1- سياسيا يُعتبر عبو ضحية لضعف البناء والفكري والتنظيمي للأحزاب والجمعيات والمنظمات بل أن ذلك يعتبر نتاج طبيعي وابن بكر لسياسات حقبتي الاستبداد، ذلك أن تجريم السياسة وترذيلها وحكرها على مربعات الحزب الحاكم بين 1955 و2010 أنتج فعليا سياسيين وحتى لو كانوا معارضين للسلطة بحيث انهم جميعا مُشابهين لمحمد عبو وباقي النخب السياسية التي نراها اليوم باستثناء بعض ممن تخلصوا من ذلك الإرث ولكنهم في الأخير قلة قليلة، وعمليا ساهمت عوامل أخرى الى بناء حزب التيار على منطق ومربعات الوظيفية خاصة وأن مُؤسّسه وزعيمه “وظيفي” بامتياز لا سياسيا فقط بل أيضا على المستويات الفكرية والاجتماعية وفي قراءة الساحتين الاقليمية والدولية…

 

2- مثل التحاق عدد من الوجوه السياسية الأقرب لليسراوية كارثة على الحزب الوليد سنة 2013 كما أن التحاق أعضاء “التحالف الديمقراطي” بالحزب كرّس منطق الانتهازية السياسية والبراغماتية المّزيفة وهو ما يعني أن “التحالف الديمقراطي” فرض نسقه في الفعل السياسي وفي قراءة طبيعة المرحلة محليا واقليما على حزب التيار الذي لاح إيجابيا في فعله السياسي حتى سنة 2017 ليتدحرج من حيث الأداء والكيفية والمبدئية وكان ذلك جليا ومباشرة اثر اعلان نتائج الانتخابات البلدية، وكل ذلك كرّس الوظيفية في الحزب وهياكله بل ان تلك الوظيفية أصبحت حاضرة بقوة في كل مواقفه وفعله السياسي والإعلامي…

 

3- واقعيا من الصعب التكهن بالبعد الخفي وغير المعلن في استراتيجيا الرجل المستقبلية – ان صح أن له استراتيجيا كما بينا أعلاه- ولكن الثابت أن “عبو” لم يقدم على خطوة الاستقالة الا بعد سقوط جزء من تكتيكاته السياسية التي خطط لها اثناء تأسيس الحزب، والتي غير واختار بعضها بعد حصوله على كتلة تضم 22 نائبا والتي على أساسها اختار بناء الكتلة الديمقراطية مع حركة الشعب الناصرية والتي يتناقض هو وحزبه في الأصل مع أغلب اطروحاتها وقراءتهما للساحتين العربية والدولية، ومن ثم السقوط في ائتلافات مرحلية كارثية وصلت حد التحالف مع المنظومة القديمة واركانها وسياساتها ومربعاتها،وبعد ذلك عمد “عبو” الى تصريحات تؤكد انه غير ديمقراطي على غرار القول انه لابد من القيام بايقافات خارج القانون وخارج منطق الثورة والديمقراطية، ومن ثم التلميح والتصريح أنه بالديمقراطية سيصعد أيضا وفي المستقبل خصومه السياسيين (لقاء تلفزي له في برنامج “تونس اليوم” على قناة الحوار التونسي)، واذا ما اضفنا اليها مواقف زوجته ومواقف “العجبوني” وتسريبات ومواقف “محمد عمار” والذي فضحته “عبير موسى” وقالت انه على تواصل معها، فانه يُمكن القول أن الوظيفية سمة من سمات بعض قيادات وتيار متمكن في حزب “التيار”…

 

4- لم يجب الكثيرون عن سؤال لماذا غادر “محمد عبو” منصب الامين العام للحزب، ثم لاحقا الاستقالة التامة من الحزب؟، والحقيقة أنه أصبح مستشارا غير رسمي في قصر قرطاج أو هو مُلق بنفسه على جماعة القصر، حيث قدم مقترحات وخطوات سياسية متماهية مع طرحه السابق وتصريحات زوجته الأخيرة في انتظار ان يتم تعييه بدلا عن “المشيشي” أو بدلا عن “عكاشة” أو في حد أدنى قطع الطريق على “يوسف الشاهد” وآخرين من خصومه السياسيين…

 

5- هناك تسريبات غير مؤكدة ولكنها متداولة في الكواليس السياسية أخيرا ومتماهية مع تسريبات محمد عمار السابقة، ومفادها أن عبو وآخرين قدموا مقترحات بشأن إيقاف بعض السياسيين والنواب الحاليين والسابقين من حزبي “تحيا تونس” و”قلب تونس” وأيضا من “حركة النهضة” وكل ذلك يأتي كتمهيد للعودة لمربع ان يكون “عبو” بنفسه رئيسا للحكومة لتدشين بداية مسار يُسيطر على ذهنيته السياسية الحالية…

 

** أي مستقبل لمحمد عبو وحزبه وكتلته النيابية؟

 

1- من الممكن ان يكون المستقبل السياسي لمحمد عبو وحزبه وكتلته واعدا خاصة لو تشجع كشخص وحزب وكتلة في القيام بعدد من المراجعات للفعل السياسي للأطراف الثلاث وانتقاد جملة خطوات وأنساق تبناها واتبعها، وهو أمر ممكن لو توفرت الإرادات ولكنه صعب الحدوث بمنهجية صحيحة وفاعلة، ولكن طبيعة وذهنية الشخص – أي محمد عبو- وطبيعة تركيبة الحزب والفاعلين فيه وطبيعة الحليف السياسي وقياديي الحزبين المتحالفين منذ أكتوبر 2019 (الشعب –التيار)، لن تمكن الكتلة الديمقراطية من أي تقييم فعلي وجدي وبالتالي لا ينتظر تطورهما في ظل المعطيات الحاصلة الان…

 

2-ستتنامى وظيفية الحزب والكتلة التي ينتمي إليها نوابه، ولكن لا يمكن البتة لعبو وحزبه أن يكسبا سياسيا أكثر مما كسباه منذ 2013 الى الآن، وسيبقى مستقبل الحزب مرتبطا ومرهونا بطبيعة التطورات محليا واقليما ودوليا وخاصة الاحداث في ليبيا وسوريا (خاصة بالنسبة للكتلة) …

 

3- قد يحقق محمد عبو بعض مكاسب سياسية شخصية مستقبلا، ولكن من غير المستبعد أن حزبه قد يتفكك أو يبقى في نفس المربعات، وستكرر عمليا نفس المواقف ونفس الاصطفافات في أفق سنة 2023، وقد يصل “محمد عبو” الى لعب دور وظيفي جديد ولكن سقطاته السياسية ستتكرر وتتواصل بنسق أسرع من السنوات الماضية، كما يبقى انفجار الكتلة الديمقراطية واردا وقابلا للتحقق خلال الأشهر وفي أفق نهاية السنة الحالية ولكنه مرتبط بمستقبل التطورات المحلية وبالإقليمية أساسا…

 

[1] للاطلاع على الجزء الأول من هذه الدراسة يمكن العودة الى “أسبوعية الراي العام” عدد 11-03-2021 وأيضا منشور في موقع المغاربي للدراسات والتحاليل بتاريخ 10-03-2021

[2]أنظر الحلقة الرابعة من دراسة “هل يبحث محمد عبو عن دور وظيفي جديد؟” (4 من 4)، -بتصرف- موقع “السياسي” بتاريخ 11-11-2020

 

[3] أنظر دراسة “هل يبحث محمد عبو عن دور وظيفي جديد؟“، دراسة منشورة على حلقات في موقع “السياسي” ونشرت أيضا على صفحات أسبوعية “الراي العام ” التونسية…

[4] نفس المصدر – بتصرف –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق