تحاليلتقارير

تونس : هل يسقط الإسلاميون في استراتيجيا ترهيبهم وجرهم للحالة المصرية؟

في ظل ما يجري من أحداث وفي ظل التطورات الإقليمية والدولية

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

                  

1- تمهيد

 

  • إثر فشل الاماراتيين وحلفائهم وأدواتهم الإقليمية في تحقيق هدفهم المرحلي المتمثل في إعاقة الثورتين التونسية والليبية من احتفال كل منهما بذكراهما العاشرة (14 جانفي 2021 و17 فبراير 2021)، ارتبكت سياساتهم في المنطقة وخاصة بعد سقوط ما يسمى بخطة “الجدار” (المتمثلة نظريا في محاولة بسط أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية)، وكل ذلك جعلهم يسارعون الى تبني خطط بديلة بالتماهي مع استراتيجيات أطراف دولية بعينها سبق لهم التنسيق معها في أكثر من بلد مغاربي عبر تبني خيارات مرحلية في انتظار توضح مسارات قضايا واحداث ونزاعات وفي انتظار بداية تنزيل سياسات “بايدن” الخارجية والتي يكتمل توضحها مع بداية شهر جوان/يونيو القادم…

 

  • يعي الاماراتيون وبعض أدواتهم الوظيفية في تونس، أن هناك صراع فرنسي أمريكي مرحلي وصامت تجاه قضايا البلدان الافريقية والشرق أوسطية وأن ذلك لا يعني عدم وجود تقاطعات في ملفات بعينها، ومما لا شك فيه أنهم الساسة الاماراتيينيعون أن بلدانا مثل الجزائر والولايات المتحدة وانجلترا وإيطاليا وجزء من الإدارة الفرنسية تتبنى حماية المسار الديمقراطي وعدم ترك بلد في تونس (ولبنان أيضا) للسقوط في اتون الفوضى والإرهاب (باعتبار أن البلدين نموذجين رئيسيين للحداثة الغربية)، وأن الخلاف الفرنسي الأمريكي قائم على فروق منهجية أساسا، ففي ما يتبنى الامريكيون أن الإسلاميين مصيرهم بيدهم وأن لهم ما يعطيهم الصندوق وأنهم من الممكن ان يكون طرفا في الحكم لاعتدالهم ولكن بدون أن يحكموا وحدهم يتبنى الفرنسيون الضغط من أجل ان يكونوا اضعف في الحكم أو يكونوا في المعارضة وبعض اركان فير الإدارة الفرنسية تتبنى خيار أن لا تتجاوز نسبتهم مستقبلا 18%، وكل ما سبق يعني تبني الاماراتيين لموقف ضرورة ايصالهم في انتخابات 2024 أو أي انتخابات مبكرة في حالة صعف بُنيوي وسياسي ومُقسمين وفي حالة ارتباك وهوس من المجهول وبالتالي يسهل هزمهم لصالح أي حليف مرتقب لهم بشرط ان يكون ذلك الحليف وظيفيا ومتحكما فيه وأكثر تبينا للمشاريع الإقليمية والدولية المعادية لتجارب الانتقال الديمقراطي والتجاوب مع أي استراتيجيات أخرى بديلة ما بعد حقبة 2024

 

  • بناء على ما سبق كيف يمكن فهم منطق تطور الأحداث في تونس منذ أكثر من شهرين وخاصة بعد زيارة سعيد للقاهرة وفي افق بداية الصائفة ثم في افق الانتخابات القادمة سواء كانت في 2024 أو أي انتخابات مبكرة وناتجة على حوار وطني او تفرضها طبيعة التطورات والتوافقات بين المكونات السياسية والاجتماعية؟

 

2- من ساهم في تحويل المشهد السياسي لقابلية الاختراق وتمرير الاجندات

 

  • النخبة السياسية في تونس لم تتخلص من مكامن ضعفها التاريخية والتخلي عن أدوراها الاجتماعية والثقافية تجاه شعبها والذي سبقها أميالا وانساقا من حيث الكم والنوع فهو من مهد لها طريق العودة للفعل وخاصة في محطات جانفي 1978 وجانفي 1984 وافريل 1986 وصائفة 1987 (الحقبة البورقيبية) ثم في افريل 1989 وجانفي 2008 وديسمبر 2010 وجانفي 2011 ( الحقبة النوفمبرية)، وهو ما يعني ان النخبة بكل مكوناتها اوجدت إطارا سياسيا واجتماعيا لتمرير اجندات إقليمية ودولية على ما سهلته دولة الاستقلال بسياساتها التنموية وطبيعة فعلها السياسي والثقافي والاجتماعي، ومن الخطأ القول انه يمكن استثناء الإسلاميين او القوميين او الليبيراليين أو الدساترة أو اليساريين من تلك المسؤولية رغم اختلاف النسب المقادير في تلك المسؤولية…

 

  • لايختلف اثنان ان التيار الاسلامي في تونس ورغم مكوناته الفسيفسائية فانه ملتف عمليا على الفعل السياسي والاجتماعي لحركة النهضة أولا لواقعتيها السياسية وثانيا لعدم وجود أحزاب إسلامية قادرة على منافستها رغم حصول ائتلاف الكرامة على 21 مقعدا من أصل 217 في المجلس النيابي الحالي، والحقيقة ان بقية مكونات التيار الاسلامي التونسي كثيرة ولكنها تختلف مع حركة النهضة في قضايا فكرية وسياسية واجتماعية الا ان الالتقاء معها في رؤيتها للإقليم وللساحة الدولية وللمسألتين الثقافية والاجتماعية،كما أن الحجم التنظيمي لتلك المكونات ضعيف وغير قادر على بناء نسق سياسي واجتماعي بديل للنهضة، وكل ما سبق أربك خططا محلية وإقليمية ودولية لإحداث رجات تنظيمية كبرى داخل النهضة او ابقائها صمن مسارات الخلافات الداخلية خاصة وانها دائما ما خرجت منها قوية وهي خلافات موجودة وقائمة منذ سنة 1979 وأمكن الاستفادة منها في كل المراحل الحاسمة والمصيرية…

 

  • حركة النهضة ارتكبت أخطاء سياسية عديدة ما بعد 2011 وان استطاعت التلاؤم مع التطورات وطبيعة المصاعب التي تعاني منها تونس سياسيا واجتماعيا واقتصاديا حيث عُرف عنها القدرة على مجاراة نسق الازمات والخروج منها أكثر قدرة على المناورة والتكيف مع المتغيرات والتطورات الإقليمية والدولية، ولكن ذلك لا يعني ان هناك اختلالات في التعبئة الداخلية وفي الفعل السياسي وفي قراءة طبيعة النخبة السياسية والإعلامية ومرتكزات تحريك الفاعلين السياسيين والاقتصاديين ( رجال اعمال – المجتمع المدني الاجتماعي والاقتصادي)، وهي أخطاء واختلالات اثرت على حركة النهضة كحزب وأيضا على البلد في مرحلة تصاعدت فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية ونفرت الناس من اشلان العام والبقاء ضمن مسارات البحث عن تحسين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي مقابل نخبة لم تستطيع معايشة آلام الناس ومشاغلهم وآمالهم وآلامهم اليومية، وكل ذلك سهل لأطراف اقليمية ودولية تمرير سرديات كاذبة وخاطئة في الاذهان وعبر وسائل الاعلام وعبر الفاعلين الاجتماعيين في الاحياء والقرى والمدن وتصاعد شعبية لأطراف شعبوية سواء كانت أحزابا او نخبا وهو أمر تتحمل فيه النهضة وحلفائها من داخل وخارج التيار الإسلامي اقساطا مهمة وفي وقت لاحق وضع البلد امام سهام خطط خطيرة ولكنها ناعمة من حيث التمرير والاستقطاب لها…

 

  • حولت أطرافا إقليمية دولية بعض وظيفيين الى رأس حربة عبر تنمية الخلافات السياسية والمناكفات الأيديولوجية الى خبز يومي في المشهد السياسي التونسي واصبح التعطيل والترذيل لمؤسسات الدولة امرا متداولا وان الدستوري الحر والمسؤولة عليه قد تحول الى مربع فعل لمرير كل الاجندات فان نوابا آخرين وأحزاب قد أصبحت كل مقاساتها وظيفية وهي رهن الإشارة لتأزيم الوضع وتكبير مساحات المناكفة والصراعات، وهو امر يسهل اليوم قبل الغد في استناخ التجربة المصرية وبما لاحقا تجارب اليمن وسوريا وليبيا ( قبل تسكب حكومة الوحدة الوطنية) وان تتميز تونس في ان ارضيتها لن تقبل تلك التجارب فان مجرد التغني البعض بها او الدفع النفسي والإطاري لها امر كارثي على تونس واجيالها القادمة

 

3- الألعيب الإقليمية والمخابرتية في ارباك المشهد السياسية، تسريبات الفلسطيني سامي مصاروة نموذجا؟

 

 

  • سهلت الازمة السياسية والمبنية على عدم القدرة على مواجهة طبيعة المؤثرات الإقليمية وفي رفع ولو نسبي للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وهو أمر ترك الحبل على الغارب في تحليل الاحداث والتطورات وفي قراءة الاحداث ودخل في ذلك غير السوي والجاهل وتحولت وسائل الاعلام عوض المضي في دورها الأصلي في توعية الراي العام وتتقيم المعلومة والتحليل الجدي له، فصبحت غير موضوعية ومصطفة وهو ما حول مئات الآلاف من التونسيين للقنوات الأجنبية وتفضيل وسائل التواصل الاجتماعي بحثا عن قراءات جادة وبحثن عن المعطيات عبر الاطلاع على الصور والفيديوهات والنصوص والوثائق والحقائق ومن ثم المساهمة في نشرها، وهو أمر غير سليم لا مرحليا ولا استراتيجيا ورغم أنه خيار مرحلي ومرقت الا أنه يسقطنا في غير الطبيعي والاستماع لوجهات نظر البلهاء وبعض أطراف مخابرتية لها اجنداتها ومن يتعقد ان أي وسيلة اعلام في العالم ليس وراءها اجندات ومرام رقيبة ومتوسطة وبعيدة المدى فهو اما غبي او يتغابى …

 

  • في خضم الازمة السياسية وبعد زيارة الرئيس قيس سعيد للقاهرة تم تسريب فيديو على الصفحات الاجتماعية لناشط فلسطيني يدعو سامي مصارة مرر خلاله عملية شيطنة ممنهجة للرئيس سعيد ولا تركز على أي معطى لا نقدي ولا تشخيصي بل تم ذكر المعطيات وهي في اغلبها في تقديرنا خاطئة ومضللة (90 % مما قاله غير صحيح في كل الاتجاهات)، ومن الواضح ان السيد اعتمد منطق استجلاب العطف والقدرة على الاستشراف وتمرير معطيات يظهر للسامع وانها قد تكون حقائق بينما هي تصب في خطة واستراتيجيا خبيثة ورغم ان هذا المتحدث مبرمج لناطف منذ أكثر من سنتين بناء على نسره اخبارا ومعطيات واستشرافات للوضع في المنطقة العربية فانه من الواضح أنه تم توظيفه سواء لما سبق له الاشتغال عليه أو أنه فعل كل ما سبق لتحقيق مبتغاه الحالي وهو في الظاهر شيطنة الرئيس سعيد ( وذك تشخيص وليس دفاعا عنه كرئيس منتخب عبر الصندوق بغض النظر عن اخطائه واخطاء المحيطين به) ولكن الغاية الأهم هي ترهيب المواطنين ومغالطتهم ووضع أنصار التيار الإسلامي بالذات ضمن حالة نفسية ان الانقلاب والسجون والمنافي والقتل على منوال ما حدث في رابعة هو حقيقة قائمة ومخطط لها وانه جار الاتجاه نحوها…

 

  • ليس غريبا على بعض ناشطين عرب مقربين من وظيفيين لدى أطراف إقليمية بعينها لعب هذه الأدوار بوعي او بدون وعي وان كانت أسماء قناة وصفحة الناشط الفلسيني معبرة ودوالة حيث سمى صفحته “صفحة كورونا الأنظمة العربية الفاسدة” بينما سمى قناته “قناة تسريبات استخباراتية شرق أوسطية”، وبالتدقيق في طبيعة المعطيات التي أوردها وطريقة تفاعله مع من سالة بعض أسئلة يتبين جهله وطبيعة تلقيه معطيات بعضها صحيح ومعروف لكل الراي العام التونسي وهو أورده لتصديقه في بعض معطيات أخرى خاطئة ولا صحة لها لا أصلا ولا فصلا وهو أمر يمكن تبينه بكل بساطة (فلإعلامية مايا القصوري مثلا ليس في الثلاثينات من عمرها بل هي تجاوزت الخمس والأربعين)، ومن الواضح ان الملقن وهو على الأقرب اعلامي معروف ويعيش في تونس منذ مدة حتى لا أوضح اكثر (ولا أضع نفسي في دائرة المروج لشيء قد يكون غير مثبت قانونيا) ومن الواضح أن العمل ليس مهنيا من حيث تزويد الناشط بمعطيات هو يجهلها ويظهر ان ملقنه على علاقة بطرف إقليمي يهمه صنع راي عام داخل تونس متوتر وخائف واساسا وضع قاعدة حزب النهضة الاجتماعية ضمن اطار نفسي وفكري وترك الفعل السياسي والاجتماعي اليومي والبقاء في مربعات نفسية بعينها مما يسهل لاحقا الحقد والضغينة بين مكونات المشهد السياسي التونسي…

 

ان من سرب المعطيات يريد أيضا توسيع مربعات الخلاف السياسي القائم في تونس وإقناع الرئيس سعيد ومحيطه بقبول فكرة ان الإسلاميين هم خصومه – وذلك غير صحيح رغم المقاربات المختلفة لعدد من القضايا والتطورات)، انها لعبة سمجة وغبية ولن تنطلي أولا لان السفير الفرنسي لا يترحك بتلك الطريقة ولا يهتم مباشرة بما أراد المسرب قوله للناس ولا أساس للحكاية أصلا من حيث تفاصيلها وانما تم تركيب أدوار معروفة وكلاسيكية للبعض وحشرها صمن روايته ليصدق المطلع كل ما ورد في جملة الرواية، ان الأهداف غير المعلنة عديدة ومتعددة ولكنها تخدم استراتيجيات ارباك الوضع وصنع مواقف وآراء وروايات وبناء توترات إضافية تمهد كلها لمرحلة قادمة لا يعلم في الواقع الا صانعها الإقليمي الساعي لتدمير تجربة تونس وخلط الأوراق بعد سقوط خططه السابقة  وعدم قدرته طوال السنوات العشر الماضية في تركيع ثورة تونس وتجربة الانتقال الديمقراطي ومعلوم لديه ان تونس شعبا ودولة كانوا سندا لثورة ليبيا وطرفا في خروجها من مربعات الاقتتال واحتضان الحوار السياسي في نوفمبر الماضي…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق